مع حلول منتصف العام الجاري، وبداية شهر يوليو الجاري، يبدأ العد التنازلي لأكبر تغيير في العملات النقدية المتداولة في العالم، حيث سيتم تعميم العملة النقدية الأوروبية الموحدة (اليورو) في اثنتي عشرة دولة من دول الاتحاد الأوروبي، في الأول من شهر يناير من العام المقبل 2002، وذلك في أجواء متباينة بين تأييد الغاء العملات الوطنية واستبدالها باليورو، أو رفض مثل هذه الخطوة التي ستنفذ بعد ستة شهور. ويبدو أن معظم المواطنين الألمان، أو أغلبهم على الأصح، غير متحمسين للتخلي عن المارك الألماني الذي رافقهم خلال فترة تزيد على نصف القرن، وظل خلال هذه السنوات الطويلة يمثل ما يعرف باسم «المعجزة الاقتصادية»، وما رافقها من ازدهار اقتصادي وتطور اجتماعي، اذ أكدت عملية استطلاع للرأي قامت به إحدى المجلات الاسبوعية الالمانية المرموقة، ان نسبة المواطنين الذين يؤيدون تعميم اليورو، تبلغ في الوقت الحاضر، حوالي 39% فقط بينما تصل نسبة الرافضين للعملة الأوروبية الموحدة الى ما يزيد على 56%، ولم تتجاوز نسبة الذين رفضوا التعليق على هذا الموضوع أكثر من 5% فقط تقريبا، ومن الملاحظ ان نسبة الرفض لهذه العملة بين النساء الالمانيات تزيد على نسبة الرجال، إذ تصل الى نحو 65%، كما تصل نسبة الرافضين لليورو في الولايات الالمانية الخمس في شرق المانيا الى 70%، بينما تصل في غرب المانيا الى 54%، كما أن من الملاحظ ان المواطنين الألمان أكثر تحفظا تجاه العملة الأوروبية الجديدة من دول الاتحاد الأوروبي الاخرى. وتحت شعار «اليورو.. مستقبلنا» تسعى الحكومة الاتحادية وكبار المسئولين الالمان الى انتزاع مخاوف المواطن الالماني العادي من العملة المقبلة، الذي يخشى من آثار استبدال ماركه الالماني التقليدي الذي اعتاد عليه ورافقه خلال فترة طويلة، وفي مقدمتها ارتفاع الأسعار بين معظم السلع والخدمات، سواء بشكل مباشر عند استبدال اليورو الجديد بحوالي ماركين، و«تدوير» الكسور المتبقية عند ذلك، أو بشكل غير مباشر عندما ترفع المؤسسات والشركات أسعارهما في هذا الاطار، الى جانب النفقات الباهظة التي سترافق عملية الاستبدال هذه، وتكاليف صك عملة اليورو المعدنية الجديدة، وتعديل مواصفات الآلات والأجهزة الآلية التي كانت تعمل بالمارك الالماني الذي سيوضع في متحف التاريخ الاقتصادي، كي تعمل بهذه العملة النقدية الأوروبية المقبلة. ويتوقع الكثيرون أن يؤدي تعميم اليورو الأوروبي في المانيا الى حدوث مزيد من التضخم النقدي الذي تراجع في عام 1999 الى أدنى حد له وهو أقل من 1%، خاصة بعد اتجاه الاسعار الى الارتفاع مع اقتراب موعد تعميم اليورو في مطلع العام المقبل 2002، حيث يقترب اليوم الى حدود 3%، إذ أكد استطلاع للرأي بأن ما يزيد على 70% من الألمان يخشون أن تنتهز المؤسسات والشركات فرصة استبدال المارك باليورو لرفع أسعار منتجاتها وسلعها وخدماتها، كما يعتقد حوالي 55% منهم بأن هذه الأسعار قد بدأت بالارتفاع فعلا بانتظار موعد تعميم اليورو في مطلع العام المقبل. ويحاول المسئولون في الاتحاد الأوروبي طمأنة المواطنين الأوروبيين الذين سيجدون في أيديهم بعد ستة شهور عملة جديدة تماما تختلف عن عملاتهم الوطنية من مارك وفرنك وليرة وبيزيتا وشلن.. وإقناعهم بأن تعميم اليورو لن يحمل معه خطر التضخم النقدي وارتفاع الأسعار، بل سيساهم في استقرار هذه الأسعار، حيث أكد اتحاد مؤسسات التجارة الأوروبية في تقريره الذي نشره في مطلع شهر ابريل الماضي بأن هذا القطاع الاقتصادي قد التزم بعدم زيادة أسعار السلع والمنتجات بصورة خفية، بعد تعميم اليورو رافعا في ذلك شعارا هو: «عملة جديدة.. أسعار مستقرة»، وذلك في اطار حملته لنزع المخاوف والقلق اللذين يشعر بهما المواطن الأوروبي في الوقت الحاضر، في نفس الوقت الذي يأمل فيه المسئولون الأوروبيون أن تعمد المؤسسات الانتاجية والبيوتات التجارية الكبيرة الى وقف ارتفاع أسعار منتجاتها وسلعها وذلك في مضمار المنافسة لصالح المستهلكين والمشترين. وعلى الرغم من هذه المحاولات الهادفة الى تهدئة خواطر المواطنين وطمأنتهم بأن تعميم اليورو في مطلع عام 2002 المقبل، لن يؤثر على دخلهم ونفقاتهم اليومية وميزانيتهم الشهرية، فان الكثيرين يرون بأن هذه الطمأنينة بعيدة عن الواقع العملي وان المؤسسات الاقتصادية والانتاجية والتجارية سوف يساوي نصف أو يورو تقريبا، هذا بالاضافة الى محاولة اخفاء رفع أسعار السلع والمنتجات بطرق ملتوية وبحسابات غير دقيقة تماما. وتدعو بعض الجهات الالمانية الى ضرورة زيادة المراقبة على زيادة الأسعار المتوقع بعدم تعميم اليورو في المستقبل القريب، وزيادة توعية المواطنين في هذا المضمار، وانشاء مكاتب خاصة لشكاوى المواطنين والمستهلكين الذين يلاحظون وجود زيادة بالغة في أسعار مشترياتهم، بل ووضع قوائم سواء تدرج فيها أسماء المؤسسات التجارية التي تبالغ في زيادة أسعارها، كما ينصح البعض المواطنين بألا يتوجهون لشراء حاجياتهم اليومية الا وهم يحملون آلة جيب حاسبة، إذ ان المراقبة الدائمة مطلوبة دوما، وفي كل يوم وأي مكان.