نالت قضية حماية الملكية الفكرية اهتماما كبيرا في الأوساط الاقتصادية المصرية خلال الأيام القليلة الماضية.. الاهتمام جاء مصاحبا لموافقة البرلمان المصري من حيث المبدأ على مشروع قانون يوحد القوانين المصرية المتعلقة بحماية الملكية، وذلك في اطار الالتزام بقوانين منظمة التجارة العالمية واتفاقية (الترييبس) التي تلزم الدول الأعضاء فيها بضرورة تعديل تشريعاتها لتتوافق مع أحكامها فيما يتعلق بحماية حقوق المؤلف والعلامات التجارية وبراءات الاختراع. اتفاقية حماية الملكية الفكرية وبراءات الاختراع (التريبس) والمقرر تطبيقها في عام 2005 يرى كثير من المراقبين الاقتصاديين انه سيترتب عليها بعض الآثار السلبية على الدول النامية الاعضاء فيها وخاصة في مجال براءات الاختراع ومن هنا جاء عقد جمعية المخترعين والمبتكرين المصرية وبالتنسيق مع اللجنة المصرية للتربية والعلوم لندوة التنمية والملكية والفكرية والتي شارك فيها نخبة من الاقتصاديين والخبراء المهتمين بهذا الموضوع. تغييرات مهمة في بداية أشار د.محمد رؤوف حامد أستاذ علم الأدوية بالهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية الى انه من أهم آليات عصر العولمة المتوقع خضوعها لتغييرات مهمة في غضون السنوات القليلة المقبلة اتفاقيات التجارة العالمية وعلى رأسها اتفاقية حقوق الملكية الفكرية (التريبس) والتي أقرت من خلال جهود جبارة وشرسة من جانب الشركات متعددة الجنسية والبلدان المتقدمة وخاصة الولايات المتحدة وذلك في جو من العجلة للدول النامية، ومن هنا لابد أن تلعب هذه الدول النامية دورا رئيسيا في عمليات التغيير الخاصة بهذه الاتفاقية وذلك من منظور احداث التوازنات التي يمكن أن تسمح بقدر من التقدم لشعوب الجنوب، لأنه بدون احداث تغييرات في هذا الاتجاه، فإن اتفاقيات التجارة العالمية وعلى وجه الخصوص اتفاقية (التريبس) تفرض الانتحار على معظم البلدان النامية. ويرى د.محمد رؤوف حامد أن الاتفاقية تزخر بعدد من المتناقضات والمعوقات التي سيتعاظم ادراك سلبياتها عند الممارسة وأهمها فرض فترة عشرين عاما كحد أدنى لحماية براءات الاختراع رغم أن التطورات المتسارعة للعمل والتكنولوجيا تؤدي باستمرار الى تقصير دورات حياة المنتجات، أيضا الصعوبات المتناهية في تنفيذ الترخيص الاجباري، واحتكار براءات على مكتشفات في جسم الانسان تتعلق بأمراض يمكن أن تحدث لأي شخص على سطح الكرة الأرضية. ويؤكد د.حامد على ضرورة أحداث تعديلات على الإتفاقية بحيث تتفق مع المصالح الانسانية العاجلة والآجلة للشعوب ومنها تغيير فترة الممنوحة للبراءات بحسب نوع المنتج، واخضاع هذه الفترة للتعديل الدوري، وتنظيم وتقنين الشفافية بخصوص اقتصاديات المنتجات بالقدر الذي يخدم تحديد فترة البراءة، والمشاركة الوطنية للدول النامية في ملكية البراءات التي تحصل عليها الشركات ومعاهد البحث الأجنبية بخصوص تحويرات تعتمد على عناصر مادية أو معرفية من التراث الوطني، واعتبار تسجيل البراءة للمواطنين في البلدان النامية الأعضاء في منظمة التجارة العالمية تسجيلا في عموم البلدان الاعضاء في هذه المنظمة، واستحداث مواد قانونية يكون من شأنها الحد من قدرة الشركات متعددة الجنسية وكذلك البلدان المتقدمة على القيام باجراءات تعسفية ضد البلدان النامية التي تمارس حقوقها في الترخيص الاجباري وكذلك استحداث آلية جديدة في اطار منظمة التجارة العالمية تكون مهمتها مساعدة الدول النامية على تجنب الصعوبات الفنية والمالية بخصوص فض المنازعات، وتشجيع التسعير التفاضلي للمنتجات طبقا لاقتصاديات البلدان والمناطق المختلفة في العالم، وتشجيع وتنظيم وتطوير امكانات وبحالات الاستخدام الحكومي لبراءات الاختراع في اطارالمنفعة العامة وليس التجارة. حالات تعسف أما د.حمدي عبدالعظيم عميد مركز البحوث بأكاديمية السادات للعلوم الادارية فقد اشار في ورقته التي تقدم بها الى الندوة الى أن اتفاقية حماية الملكية الفكرية تفرض على الدول الاعضاء النص في قوانينها عليمنح براءات اختراع لكل اختراع قابل للتطبيق الصناعي ويكون جديدا يعبر عن الابداع سواء كان متعلقا بمنتجات صناعية أو بطرق أو وسائل صناعية مستحدثة أو بتطبيق جديد لطرق أو وسائل صناعية معروفة، ولقد سار المشرع المصري على هذا النهج عند اعداده لمشروع قانون حماية الملكية الفكرية الذي وافق عليه مجلس الشعب المصري من حيث المبدأ حيث اشترط لمنح البراءة ان يكون الاختراع جديدا أو قابلا للتطبيق وأن يمثل خطوة ابداعية ويتعلق بمنتج جديد أو وسيلة انتاج مستحدثة. ويضيف د.عبدالعظيم: لقد أوضح مشروع القانون الحالات التي لا يجوز فيها منح براءات الاختراع في الاختراعات التي يترتب عليها الاخلال بالنظام العام أو الآداب أو الاضرار الجسيم بالبيئة أو بحياة أو صحة الإنسان أو ا لحيوان أو النبات، وكذلك الاكتشافات والنظريات العلمية والطرق الرياضية والبرامج وطرق تشخيص وعلاج وجراحة الانسان والحيوان، والطرق التي تكون في أساسها بيولوجية لانتاج سلالات الحيوانات والأعضاء والأنسجة والخلايا الحية والحمض النووي والجنيوم. كما حدد المشروع أحكام براءات الاختراع التي تمنح للعامل في اطار العلاقة التعاقدية بين العامل وصاحب العمل بصفة عامة ودون ان تكون العلاقة التعاقدية مرتبطة بالتوصل الى الاختراع، وهو يمثل اخلالا بمبدأ المساواة أمام القانون حيث ان انهاء العلاقة التعاقدية لا يترتب عليها حقوقا للعامل طرف صاحب العمل، وبالمثل يجب أن تكون وضعية صاحب العمل بالنسبة للعامل وماتوصل اليه من اختراعات بعد ترك العمل. ويوضح د.عبدالعظيم أن المشروع أشار الى ان الحالات التي يجوز فيها لمكتب براءات الاختراع أن يمنح فيها تراخيص اجبارية باستغلال الاختراع وكلها تدور حول المصلحة العامة والطوارئ ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحالات عجز الدواء المحمي بالبراءة وحالات تعسف صاحب البراءة ورفضه الترخيص للغير باستغلال الاختراع والمبالغة في أسعار بيع المنتجات المشمولة بالحماية والتأثير سلبيا على نقل التكنولوجيا. ومن جانبها توضح ثناء جوهر المشرف على وحدة السياسات التجارية بوزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية ان اتفاقية (التريبس) وضعت جدا للحماية تلتزم به الدول الاعضاء وتطبقه من خلال تشريعاتها الوطنية آخذة في الاعتبار اهتماماتها القومية الاساسية مثل الصحة والاخلاق العامة، وحماية البيئة والتحكم في الممارسات المضادة للمنافسة، كما في المادتين 1، 8. كما حدد الاتفاق حقوق تكفلها الدول الأعضاء لاصحاب الحق في براءات الاختراع والعلامات التجارية والمجالات الاخرى كصورة عامة غير محدودة، ويمكن أن يسمح للدول الأعضاء من خلال هذه النصوص أن تحدد حالات خاصة تستثنى من هذه الحقوق ولا تخالف الاتفاق مثل امكانية ان تعطى الاستثناءات من البراءة على اساس الاغراض البحثية والتعليمية، استيراد المنتج من مكان آخر أو مايعرف بالواردات المتوازنة حيث الأسعار أقل. وبالنسبة لحقوق المؤلف فتقول ثناء جوهر ان الاستثناءات تشمل الاستخدام الشخصي للسلع المتعدية والتي لا تكون على مستوى تجاري ولم تخطر الاتفاقية الهندسية العكسية لبرامج الكمبيوتر واشباه المواصلات، أما بالنسبة لبراءات الاختراع الخاصة بالمواد الحيوية فلم ينص الاتفاق على ماهو الاختراع ولكن نص على شروط يجب أن تتوافر فيه من حيث انه يجب ان يكون جديدا ويحتوى على خطوة ابداعية وقابلة للتطبيق الصناعي، ويمكن تطبيق هذه المادة على المشتقات من الاحياء الدقيقة أي التي عولجت جينيا وليس كهيئاتها الموجودة بالطبيعة، وبحيث تصنف بموجب القوانين المحلية على اساس انها اكتشاف وليس براءة اختراع، كما يجب أن تعطى الفرصة للدول النامية للتعاون لتستثني الأشكال الحياتية من براءات الاختراع، ويمكن لهذه الدول ان تفعل ذلك عن طريق قانون براءات اختراع جيد وان تعرف المادة الموجودة بالطبيعة على انها اكتشاف وليس اختراع، وبناء على هذا التفسير فإن الجينات والخلايا والمواد الحيوية الاخرى لن تحصل على حماية ولا تعد ولا تصنف على أنها براءات اختراع. روح الإتفاقية في حين يشير د.محمد يونس عبدالسميع المحلاوي استاذ هندسة الحاسبات بكلية الهندسة جامعة الازهر الى ان الاتفاقية تحتوى على بعض الايجابيات مثلما تشتمل على بعض السلبيات ومن هنا فالمفروض أن يتم تحديد نقاط المنفعة والخسارة بطريقة محددة أو تفعيل مزايا الاتفاقية لأقصى درجة ممكنة وذلك بطريقة تتفق مع روح الاتفاقية التي تنص المادة 71 منها على مراجعتها دوريا كل سنتين، ومن ثم فالمراجعة الدورية للتشريعات الوطنية واجبة لتضمين أية مزايا يمكن الحصول عليها، فالقراءة المتأنية لبنود الاتفاقية وما يواكبها من تشريع قادم في مصر تشير الى بعض الفرص التي مازالت في جعبة الاتفاقية وتنتظر التفعيل، كي تزيد الفرص أمام المواطن المصري فينخرط في منظومة التنمية بسواعد فتية مع ضرورة الأخذ في الاعتبار الا تقل الحماية الممنوحة للمواطن المصري عن الاجنبي علما بأن الاتفاقية تتطلب في المادة 3 منها منح مواطني البلدان الأخرى معاملة لا تقل عن المعاملة التي تمنحها لمواطنيها كمبدأ عام، وبهذا لا ينبغي ان نعطي لطالب البراءة الأجنبية الذي يتقدم بطلب للحصول على البراءة في مصر عن ذات الاختراع خلال فترة السنة التالية لتاريخ تقديم الطلب بالخارج أولوية من تاريخ تقديم طلبه الأجنبي وأن نمنحه الحماية من تاريخ تقديم طلبه في مصر حتى لا تقل الحماية الممنوحة للمصري عن الأجنبي. ويرى د.الحملاوي أن تحديد الرسوم السنوية داخل مواد القانون المقترح وعدم احالة هذا الأمر الى اللائحة التنفيذية سوف يشجع التنمية من خلال الشفافية التي تنعكس باستمرار على العملية الانتاجية، كما أن ربط تلك الرسوم بمتوسط دخل الفرد سيؤدي الى مزيد من الابداع الذي لا يميل حاليا لصالحنا، كما أن التزامنا بالاتفاقية يتطلب على الجانب الآخر اعطاء المخترع المصري سواء كان فردا أم شركة نفس القاعدة القانونية لغيره من المخترعين من الدول الاعضاء في منظمة التجارة العالمية. القاهرة ـ مكتب «البيان»: