استثمارات كبيرة في استخدام المياه المالحة لأغراض الزراعة بالسعودية

ت + ت - الحجم الطبيعي

نفذت المملكة العربية السعودية تجارب ناجحة وطموحة لاستخدام مياه البحار المالحة في زراعة نباتات الساليكورنيا التي يُستخرج منها زيت الطعام والأعلاف الحيوانية وخامات الورق ، إضافة الى أنواع اخرى من الزيوت المستخدمة في التشحيم وصناعة المستحضرات الطبية والتجميلية، والساليكورنيا أو «نبات الخريزة» من فصيلة الهالوفايت «النباتات المحتملة الملوحة». وقد تأسست (الشركة العربية لتقنية المياه المالحة المحدودة «بحار») وسجلت رسمياً عام 1993 بهدف الاستثمار في مجال المياه المالحة لأغراض انتاجية زراعية باعتبار أن السعودية تعتبر أكبر بلد في العالم بدون نهر مما يعطي المزيد من الأهمية لهذا المشروع الرائد. وبدأت الشركة انتاجها «التجريبي» في زراعة الساليكورنيا في الموسم الزراعي لعام 1994 على مساحة 250 هكتاراً، وفي العام التالي على مساحة 150 هكتاراً في المنطقة الشرقية وتخطط الان لزراعتها بكميات تجارية على مساحة 4500 هكتار بعدما أكدت كل المؤشرات والنتائج على أهميةالجدوى الاقتصادية لهذا المشروع الطموح. «البيان» التقت الدكتور محمد أمين قشقري المدير العام التنفيذي للشركة العربية لتقنية المياه المالحة «بحار» وهنا نص الحوار: ـ كيف بدأت فكرة تأسيس مشروع زراعة الساليكورنيا في المملكة العربية السعودية؟ ـ بدأت الفكرة عندما علمت شركة صافولا لانتاج الزيوت ان هناك نباتاً يمكن زراعته في التربة المالحة وريه بمياه البحر مباشرة دون أية معالجة، وينتج هذا النبات بذوراً زيتية تعطي حوالي 28 الى 30% من وزنها زيت طعام عالي الجودة، وهذه النسبة تعتبر كبيرة مقارنة بنسبة الزيت التي يمكن استخلاصها من البذور الزيتية الاخرى، فقامت «صافولا» بتقديم تمويل جزئي لأبحاث الهالوفايت منذ عام 1987 عن طريق دفع مبالغ نقدية لشركة الهالوفايت الأمريكية HEI لتملك أسهم فيها كما قامت بعد ذلك بتمويل عدة دراسات عن الجدوى الاقتصادية لزراعة نبات الساليكورنيا منذ عام 1985. ثم قامت الهيئة المالكة للجبيل وينبع بانشاء مزرعة تجريبية للساليكورنيا في مدينة الجبيل الصناعية عام 1990 لدراسة مدى ملاءمة زراعة هذا النبات في المملكة لأغراض تحسين البيئة ومكافحة التلوث الجوي الناتج من غاز ثاني أكسيد الكربون، وقد بينت التجارب ملاءمة زراعة الساليكورنيا في المنطقة الشرقية للمملكة، ولفتت هذه النتائج أنظار المهتمين بمثل هذه الزراعة من الشركات والأفراد فقاموا بتأسيس الشركة العربية لتقنية المياه المالحة (بحار) بمشاركة شركة صافولا لنقل وتطوير هذه التقنية واستغلالها بصورة تجارية في المملكة. ـ هل بدأ الانتاج الفعلي في المشروع؟ وما هي مستوياته؟ ـ بدأ الانتاج الحقلي التجريبي في المنطقة الشرقية حيث تمت زراعة 250 هكتاراً للأغراض البحثية التي انتهت مرحلتها، وفي ضوء تلك النتائج تم تحديد مستوى الانتاج. أما عن النوعية فقد دلت النتائج والتحليلات المعملية التي أجريت على الساليكورنيا المزروعة في السعودية ان نوعيته فاقت تلك المنتجة في كل من المكسيك واريزونا بالولايات المتحدة الامريكية. ـ ما مدى صلاحية مستخلصات الساليكورنيا للاستخدام البشري والحيواني؟ ـ ان تحليل الزيت المنتج من بذور هذا المحصول أشارت الى ان خواصه وصناعته وتركيبته قريبة من الزيت المنتج من القرطم وكذلك المنتج من زيت دوار الشمس وتم تحليل عينة زيت خام من تلك البذور في (الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس) وحتى نصل الى نتائج ثابتة في هذا المجال فإننا نفضل ان نجري تحليلات اخرى لعينات أخرى من عدة مواسم مختلفة. أما عن الاستخدام الحيواني فقد أثبتت التجارب التي أجريت بمركز أبحاث مدينة الجوف التابع لوزارة الزراعة والمياه السعودية انه باستخدام 50% من هذا العلف محل 50% من البرسيم في العليقة الحافظة للأغنام فإن النتائج كانت واحدة أي انه يمكن بذلك استخدام تلك العليقة باطمئنان. أما التجارب التي أجريت على تغذية الاغنام النجدية بمحطة أبحاث كلية الزراعة بجامعة الملك سعود بالرياض فقد أكدت ان استخدامه في عليقة التسمين بقايا البذور بعد استخلاص الزيت منها بواقع 30% منه و70% من البرسيم أعطت نفس نتائج التسمين بتغذية الحيوان على عليقة من البرسيم، كذلك فقد استخدم كُسب البذور الغني بالبروتين (حوالي 40% من وزن الكُسب) في تغذية الدجاج اللاحم وباحلال 12% من كُسب الساليكورنيا محل كسب فول الصويا فان تسمين الدجاج كان أسرع من التغذية الكاملة على كسب فول الصويا كما أكدت نتائج تحليل الذبيحة على ان خواص اللحم كانت أفضل من ذلك الذي لم يتغذ على الساليكورنيا. ـ هل هناك خطة لانشاء مزارع تجارية أكبر حجما لانتاج الساليكورنيا؟ ـ ان هذا الامر يخضع لمدى النجاح الذي يتحقق في اقناع مستخدمي الاعلاف للاعتماد على المنتج الجديد الذي يوفر المياه الجوفية كما يتميز بقيمته الغذائية الجيدة والمناسبة تدريجيا في هذا الموضوع تبعا لتلك الظروف والشركة تخطط الآن لزراعة 4500 هكتار لتروى بنظام الري المحوري، ونتوقع دخول المستثمرين في هذا المجال، كما ان الشركة تخطط لمشاريع اخرى لمساعدة المستثمرين فيها لتحقيق افضل انتاجية وأعلى مردود. ـ كيف تستشرفون مستقبل الزراعة بمياه البحار في المملكة العربية السعودية من واقع الابحاث والتجارب التي أجريت في هذا الخصوص؟ ـ لقد قدّرت وزارة الزراعة والمياه المساحة التي يجب زراعتها بالاعلاف الضرورية لتحقيق تغذية مثالية للثروة الحيوانية الحالية بحوالي 340 الف هكتار من البرسيم أو بدائله، وهذه المساحة يلزمها حوالي عشرة مليارات مكعبة من الماء سنويا، علما بأن (المقنن المائي لهكتار البرسيم هو 30 الف متر مكعب) وحسب النتائج التي توصل اليها مركز أبحاث الجوف فإن احلال 50% من الساليكورنيا محل 50% من البرسيم يعني وببساطة شديدة توفير خمسة مليارات مكعبة من المياه الجوفية سنويا وهذا الرقم يدل على نفسه خاصة اذا عرفنا ان معدل تجديد المياه الجوفية هو (1:3) أضف الى ذلك ان المملكة العربية السعودية تعتبر أكبر بلد في العالم بدون نهر، من هنا يمكن ان نلمس أهمية هذه التقنية الجديدة وأهمية الزراعة الملحية في المملكة وآثارها الايجابية على القطاع الزراعي والاجيال المقبلة. وحتى باستخدامنا لمياه البحر (مياه الخليج) فإننا نقوم بتجارب وأبحاث لتحديد المقنن المائي اللازم حتى لا نسرف في استخدام المياه وترتفع تكلفة ضخه وجميع التجارب سواء الحقلية أو المتعلقة بتغذية الحيوانات تدعم التوجه وتصب في القناة المؤدية الى التوسع باستخدام أسلوب الزراعة بمياه البحر. ـ كيف توصلتم الى استنباط أنواع الساليكورنيا الصالحة للزراعة في السعودية؟ ـ لقد تم ذلك باحضار عدة اصناف من تقاوي الساليكورنيا وتمت زراعتها سنة بعد الاخرى حتى تم التوصل الى ان الصنف المسمى SOS7 هو الصنف الأكثر ملاءمة لانتاج مجموع خضري (علف) أكبر والصنف SOS10 هو الأكثر ملاءمة لظروف السعودية لانتاج البذور الزيتية، ومازالت الابحاث تتواصل عاما بعد عام لانتخاب أفضل البذور لتحقيق أفضل انتاجية من البذور، كما ان هناك تجاربا على أنواع مختلفة من الاسمدة يتم تطبيقها للتعرف على النوعية المثلى للحصول على انتاجية أفضل. ـ ما هي نتائج الدراسات التي أجريتموها حول الجدوى الاقتصادية لانتاج الساليكورنيا؟ ـ من المعروف ان هناك الكثير من مشاريع التسمين وبعض مشاريع التربية والتسمين للحيوانات المزرعية المختلفة ولا يوجد لديها ما يكفي قطعانها من الاعلاف الضرورية، وقد قمنا فعلا بالاتصال بأصحاب هذه المشاريع واستطلاع آرائهم حول شراء كميات من هذا المنتج (العلف) الجديد فأبدوا تجاوبهم واستعدادهم لذلك. ولاشك ان سعر بيع العلف الجديد ونوعيته وما يحتويه من عناصر غذائية هو الذي يحدد حجم السوق ويحدد قدرة هذا المنتج الجديد على منافسة البدائل الاخرى وسوف يكون سعر بيع علف الساليكورنيا أقل بكثير من سعر بيع البرسيم، وبالتالي فإن المشروع يكون اقتصاديا وهو ما أثبته المحللون والمقيمون الاقتصاديون المختصون بوزارة الزراعة والمياه الذين رخصوا هذا المشروع، ومن المعروف انهم لا يرخصون أي مشروع الا بعد ان تثبت جدواه ويجتاز اختبارات الحساسية المعروفة ومما يجدر الاشارة اليه ان الابحاث مازالت مستمرة لتطوير انتاجية الوحدة المساحية من هذا المحصول سواء العلف منه او البذور الزيتية وكل المؤشرات الاولية تعزز امكانية تحقيق ذلك. ـ هل سيتم انشاء مصنع لاستخلاص زيوت الساليكورنيا تبعاً لذلك؟ ـ حتى تقوم صناعة ما تعتمد على مادة اولية بعينها فإنه لابد ان يكون هناك انتاج كاف من تلك المادة ومن غير الاقتصادي اقامة مصنع بطاقة صغيرة لعصر تلك البذور وحينما يكون هناك انتاج كبير من تلك البذور الزيتية فإن اقامة صناعة عليها يكون زمراً مقبولاً. ـ اذن متى تأسست شركة بحار وماذا عن رأسمالها؟ ـ تم تسجيل الشركة العربية لتقنية المياه المالحة المحدودة (بحار) رسمياً في عام 1993. وان كانت قد بدأت تجاربها الحقلية قبل ذلك، ويبلغ رأسمالها 25 مليون ريال سعودي مدفوع بالكامل وتم الحصول على الترخيص الزراعي اللازم لزراعة 4500 هكتار عام 1994م، وتهدف الشركة إلى الاستثمار في مجال استخدام المياه المالحة لاغراض انتاجية زراعية. ـ ماذا عن تكاليف انشاء هذا المشروع بدءاً من مرحلة الدراسات والتجارب إلى مرحلة تجهيز الآليات اللازمة وغيرها؟ ـ لقد بدأنا مرحلة التجارب والابحاث والتطوير منذ ثلاث سنوات تقريباً وقد كلفت حتى الآن اكثر من 34 مليون ريال سعودي ومازالت مستمرة ومازلنا نتوقع المزيد من النفقات قبل اتخاذ قرار الانتقال إلى المرحلة التجارية المرخصة من قبل وزارة الزراعة والمياه حتى يكون انتقالنا اليها بدفعة قوية وعلى اسس ثابتة وبلغت تكاليف الاجهزة والمعدات الزراعية اللازمة حوالي 10 ملايين ريال سعودي، فيما وصلت تكاليف البنية التحتية للمشروع إلى 10 ملايين ريال اخرى والباقي يمثل تكاليف الابحاث والتجارب. ولابد هنا من الاشارة إلى اننا في هذا المشروع نعتبر من اوائل الدول النامية التي تستخدم المقاومة الحيوية بدلاً من استخدام المبيدات الحشرية الكيماوية ومالها من تأثيرات جانبية ضارة على صحة الانسان والحيوان المستخدم لمنتجات هذا المشروع. ـ وماذا تعني بالمقاومة الحيوية؟ ـ المقاومة الحيوية اقصد بها تربية انواع من الحشرات النافعة لتتغذى وتتطفل على انواع اخرى من الحشرات الضارة وتقضي عليها. ـ هل هناك اي صعوبات تواجه الشركة في انجازها لهذا المشروع الطموح؟ ـ ان الشركة تلقى الدعم اللازم والمطلوب لتخطي كل صعابها ومشاكلها من كل الجهات المعنية ولعل العقبات المالية اللازمة للانتقال إلى المرحلة التجارية هي اهم ما تواجه الشركة حالياً من صعوبات، ونأمل ان نتغلب عليها قريباً. ـ هل سيقتصر عمل الشركة على اقامة مشاريع لانتاج الساليكورنيا فقط ام انها تسعى لانتاج محاصيل اخرى مقاومة للملوحة؟ ـ ستخصص الشركة جزءاً من اهتماماتها لاجراء تجارب على زراعة محاصيل اخرى غير الساليكورنيا لمعرفة امكانية نجاحها على درجات مختلفة من الملوحة وامكانية تطويرها والتعرف على اقتصادات انتاجها، ونعرف ان هناك اصنافاً من القمح تحملت درجات عالية نسبياً من الملوحة كما ان بعض الجامعات السعودية زرعت اصنافاً من «الخيار» تحملت درجة معقولة من الملوحة على الرغم مما عرف في السابق من حساسية هذا المنتج للملوحة، وسوف نقوم بالتعاون مع هذه الجامعات باستمرار التجارب عليها للوصول إلى النتائج النهائية. ـ من خلال التجارب العلمية ما هي الخصائص الكرومسوية التي تتميز بها الساليكورنيا وتجعلها قادرة على تحمل المياه المالحة؟ ـ نباتات الساليكورنيا من النباتات المحبة للملوحة، وكان يعتقد سابقاً انها من النباتات التي تتحمل الملوحة، ولاشك ان لتركيبها الكروموسومي علاقة بذلك، هناك جينات وموروثات مسئولة في نواة الخلية عن حبها للملوحة. ـ اخيراً كيف تتم عمليات الري في مشروع انتاج الساليكورنيا وماذا عن المساحات المزروعة به حالياً؟ ـ يتم حالياً ضخ المياه من البحر (الخليج العربي) إلى اجهزة الري المحورية بواسطة ثلاث مضخات ذات قوة كبيرة وتختلف الكميات التي تضخها تبعاً لعدة عوامل منها الفصل من السنة، مرحلة النمو، عصر النبات، مستوى البحر، الا انه في المتوسط يلزم الهكتار حوالي ثلاثين الف متر مكعب من المياه خلال موسم الزراعة الذي يصل لحوالي 9 إلى 10 شهور وقد وزعنا في الموسم الماضي 250 هكتاراً حصدت في اغسطس 1994م وزرعنا هذا الموسم 150 هكتاراً لاغراض البحث والتجارب فقط اما خطتنا المستقبلية فهي زراعة 4500 هكتار ان شاء الله

طباعة Email