بعد مارثون طويل من المفاوضات الشاقة التي شهدت أكثر من 40 جولة تفاوض مكوكية بين القاهرة وبروكسل دخلت إتفاقية الشراكة المصرية ـ الأوروبية مرحلتها الحاسمة ، حيث يتم التوقيع النهائي على الاتفاقية في لكسمبورج اليوم الاثنين على هامش إجتماع وزراء خارجيه دول مجموعة الإتحاد الأوروبي. وحسبما يؤكد السفير جمال بيومي مساعد وزير الخارجية المصري ورئيس طاقم التفاوض في مفاوضات الشراكة فإن الإتفاقية التي تم التوصل إليها وصياغتها بالصورة التي سيتم التوقيع عليها جاءت بعد مناقشات مكثفة وعثرات عديدة لضمان تحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح المتبادلة والمتوازنة بين مصر والإتحاد الأوروبي.. مشددا على أن طاقم التفاوض المصري حرص خلال هذه المفاوضات على إكتساب أفضل المزايا الممكنة التي تخدم مسيرة التنمية في مصر. وأوضح بيومي أن المزايا والمكاسب التي حصلت عليها مصر لا توجد في إتفاقيات مماثلة وقعها الإتحاد الأوروبي مع دول أخرى جنوب المتوسط. وأن الإتفاقية المقرر توقيعها مع أوروبا لن تضيف أعباء والتزامات جديدة أكثر من نظيرتها التي تلتزم بها مصر في إطار منظمة التجارة العالمية، كما لم ينكر السفير جمال بيومي وجود تحديات كبيرة يجب على الاقتصاد المصري مواجهتها من أجل تعظيم المكاسب من المشاركة الأوروبية وتقليل مخاطر هذه الشراكة. وأضاف أن الإتفاقية تمنح مصر مزايا واضحة في مجال الصادرات الزراعية التي تضمن الإ تفاقية تضاعفها في العديد من المحاصيل في مقدمتها البطاطس والارز والبرتقال فضلا عن إضافة نحو 18 سلعة زراعية تسمح أوروبا بنفاذها في مواسم محددة باعفاء جمركي كامل.. علاوة على سلع زراعية أخرى سيتم خفض الجمارك الأوروبية عليها بنسب كبيرة لم تحصل عليها دولة أخرى في المنطقة.. موضحا أن صادرات مصر الزراعية الحالية لأوروبا لا تتجاوز 100 مليون دولار بينما من المتوقع أن يتضاعف حجم هذه الصادرات عدة مرات خلال المواسم القليلة المقبلة. وتابع أن الإتفاقية تنص على إعفاء كامل للصادرات الصناعية المصرية من الرسوم الجمركية بصفة فورية ومنح مصر فترة إنتقالية 16 سنة لتحرير الواردات الصناعية الأوروبية على أربع قوائم متدرجة.. كما تقر الإتفاقية إنشاء آلية للمشاورات بين الجانبين المصري والأوروبي في حالة تأثر الميزان التجاري المصري وذلك بغرض إيجاد السبل والوسائل لتحقيق تحسن مستمر في الميزان التجاري مع دول الإتحاد الأوروبي. وأيضا تساعد الإتفاقية على زيادة المتدفقات الاستثمارية المباشرة إلى مصر حيث توفر للمستثمرين الأجانب رصيدا إضافيا من الإطمئنان خاصة وأن الإتفاقية بمثابة مستند واضح يؤكد أن مصر تحمل في إطار قانوني والتزامات دولية محددة. وكذا فإن الإتفاقية وضعت مصر مقدمة الدول المستفيدة من برنامج المساعدات الأوروبية (ميدا 1) و(ميدا 2). وأعلن أن المفوضية الأوروبية قامت على أثر الاعتراض المصري بوجود تباطؤ في الاستفادة من برنامج المساعدات الأوروبية بإجراء تعديلات مهمة في أسلوب إت فاق برنامج المساعدات (ميدا) أبرزها تفويض بعثاتها في عواصم الدول المتوسطية بجزء كبير من المسئولية واتخاذ القرار الأمر الذي يجنب تلك البعثات الدخول في إجراءات بيروقراطية بالعودة إلى بروكسل كما يمنح الدول المتوسطية قدر كبير من المرونة في الاستفادة من برنامج المساعدة. تفعيل الشراكة العربية الأوروبية وقال ان مفاوضات الاتحاد الأوروبي مع مصر استغرقت نحو 7 سنوات مقابل فترة أقل بكثير مع الدول المتوسطية الأخرى الأمر الذي يثبت وجود تفهم أوروبا باختلاف وضع الاقتصاد المصري وكذا اعتراف بأهمية وثقل مصر في المنطقة بدليل أن الاتحاد الأوروبي كان إيجابيا في رده على الاستفسارات الأخيرة من قبل الحكومة المصرية بشأن مستقبل بعض الصناعات المصرية الحيوية في إطار إتفاقية المشاركة ومدى استعداد الجانب الأوروبي لنفاذ صادرات هذه الصناعات للأسواق الأوروبية دون مغالاة في الرسوم والضرائب ومعايير ومواصفات الجودة.. مشيرا إلى أن تأثير توقيع إتفاقية الشراكة المصرية الأوروبية سيتجاوز النطاق الثنائي بين الطرفين ويساهم في تنشيط المفاوضات الأوروبية مع كل من مجلس التعاون الخليجي وسوريا ولبنان والجزائر مما يمثل خطوة نحو منطقة التجارة الحرة المتوسطية بالتزامن مع تحقيق هدف منطقة التجارة الحرة العربية. وبموجب الإتفاقية التي يتم التوقيع عليها فإن لمصر الحق في إتخاذ إجراءات استثنائية لمدة محدودة خلال المرحلة الإنتقالية إذا تعرضت بعض الصناعات لصعوبات خطيرة نتيجة لتحرير الواردات من الاتحاد الأوروبي من السلع المماثلة.. كما تمنح الإتفاقية كل من الطرفين للآخر معاملة الدولة الأولى بالرعاية في قطاع التجارة والخدمية.. وأيضا تنص على تحرير التجارة الأوروبية لمصر طبقا لتوقيتات وأربع قوائم محددة تبدأ أولها بعد 3 سنوات من دخول الإتفاقية حيز التنفيذ وتخفض خلالها الرسوم الجمركية بنسبة 25% سنويا.. بينما خفض الجمارك على قائمة السلع الثانية بنسبة 10% بعد 3 سنوات ثم 15% سنويا لمدة 6 سنوات وفي القائمة الثانية يتم خفض الجمارك 10% بعد 5 سنوات من دخول الإتفاقية حيز التنفيذ ثم 15% سنويا لمدة 6 سنوات. وفي القائمة الرابعة يتم خفض الرسوم الجمركية تدريجيا بعد 6 سنوات بنسبة 10% سنويا حتى يتم الغاؤها وتشمل هذه القائمة السيارات بجميع أنواعها. مكاسب وتحديات ويخطئ من يظن أن إتفاقية الشراكة كلها مكاسب في إتجاه واحد لصالح الاقتصاد المصري حيث رصد وزير الاقتصاد المصري الأسبق الدكتور مصطفى السعيد حزمة من التحديات التي تفرضها الإتفاقية على الجانب المصري في مقدمتها القيود السعرية على بعض السلع الزراعية التي تحظر بيعها في الأسواق الأوروبية بأسعار تقل عن 90% من الأسعار الأوروبية، وكذا سلع أخرى تنص الإتفاقية على طرحها في الأسواق الأوروبية في أوقات محددة قد لا تتناسب مع موسم زراعتها في مصر الأمر الذي يكرس اختلال العجز في الميزان التجاري الزراعي المصري الأوروبي الذي يميل لصالح أوروبا حاليا بنحو 695 مليون دولار.. موضحا أن قدرة الصادرات الزراعية المصرية ستتركز في البطاطس والبرتقال والأرز بشرط مطابقتها للمعايير الصحية والبيئية. وأضاف أن بداية تداول اليورو كعملة أوروبية موحدة اعتبارا من مطلع العام المقبل سيمثل تحدياً كبيراً للصادرات المصرية لأوروبا حيث أن توحيد العملة سيسهل تدفق التجارة البينية الأوروبية ويزيل كافة المعوقات أمام المؤسسا ت والشركات الأوروبية للتعامل فيما بينها الأمر الذي يصعب مهمة الصادرات القادمة من خارج نطاق دول الإتحاد الأوروبي ويفرض عليها إشتراطات جديدة في مستوى الجودة والأسعار إذا أرادت النفاذ لأسواق ومناطق اليورو.. مؤكدا أن هذه الأوضاع تستدعى وجود توازن بين إرتباط الجنيه المصري بالدولار واليورو خاصة وأن معظم تجارة مصر الخارجية ستكون باليورو وأوضح أن الميزان التجاري المصري الأوروبي بلغ 9 مليارات دولار وأن العجز بلغ 4.2 مليارات دولار لصالح أوروبا.. فضلا عن أن الموقف الأوروبي حيال العماله مازال مبعث قلق ويجد من المكاسب من الإتفاقية.. كما أن برنامج المساعدات الأوروبي مازال غير جاد بسبب إصرار أوروبا على عدم استخدام المساعدات في الإحلال والتجديد للمعدات والآلات القديمة واستبدالها بالتكنولوجيا المتقدمة التي تحقق الجودة المتميزة وتخفيض التكلفة وبالتالي زيادة القدرة التنافسية إلى تمسك الاتحاد الأوروبي بخبراء ومسئوليين أوروبيين لإدارة البرنامج مشيرا إلى أن تحديث قطاع الصناعة المصري سيساهم في تأهيل الصناعات المختلفة لمواجهة التحدي الأوروبي القادم. علاقة استراتيجية مع أوروبا ويرى الدكتور عبدالمنعم سعودي رئيس اتحاد الصناعات المصري أن التوقيع على اتفاقية المشاركة مع الاتحاد الأوروبي سيدخل مصر في علاقة استراتيجية مختلفة تماما مع هذا التكتل الاقتصادي الضخم الذي يستحوذ على حصص كبيرة في التجارة والاستثمارات العالمية ويتصدر قائمة شركاء التجارة في مصر.. موضحا أن هذه المشاركة ستحقق هدفين رئيسيين أولهما الاندماج في الاقتصاد العالمي والآخر أن المشاركة تقدم لمصر نموذجا للتحديات والفرص.. وانه بقدر النجاح في مواجهة التحديات سيتم تحويلها الى فرص ومكاسب لصالح الاقتصاد المصري المصري. وأضاف أن النتيجة الاساسية التي يجب أن يؤدي اليها هذا الاتفاق هو أن يصبح الاقتصاد المصري اقتصادا تنافسيا على مستوى العالم.. مؤكدا أن الاتفاقية بعد الرد الايجابي الأوروبي على الاستفسارات التي أثارها اتحاد الصناعات والفعاليات الاقتصادية المصرية الاخرى بشأن الضرائب والرسوم المفروضة على أبرز السلع الصناعية المصرية لاسيما في مجال الصناعات الغذائية والمنسوجات وكذا قواعد المنشأ ومعايير النفاذ والشروط البيئية والصحية الصعبة.. ان الاتفاقية بعد هذه الاجراءات باتت أكثر توازنا.. موضحا أن المنافسة قادمة لا محالة سواء من خلال الشراكة مع أوروبا أو عبر منظمة التجارة العالمية أو حتى مناطق التجارة الحرة مع الدول العربية والافريقية والآسيوية وعلى قطاع الصناعة ادراك هذه الحقيقة والاستعداد لها جيدا. الصادرات 15% من الناتج المحلي وأشار الى أن اجمالي الصادرات المصرية لدول الاتحاد الأوروبي بلغت العام الماضي حوالي 15% من اجمالي الناتج المحلي المصري وهي نسبة معرضة للزيادة نتيجة الانخفاض الحتمي لتكاليف العمليات الذاتية بعد النزول المنتظر لليورو في يناير المقبل وتعامل مصر سوق أوروبية واحدة بدلا من أسواق 12 دولة مختلفة التشريعات والعملات والقوانين.. غير أنه في نفس الوقت حسبما يقول الدكتور عبدالمنعم سعودي فإن المنافسة سوف تشتد بين الشركات الأوروبية مع توفير العملة المتداولة في أكثر من 12 دولة الأمر الذي سيفرض على الصادرات القادمة من خارج دول الاتحاد الأوروبي ومنها مصر صعوبات أكبر في النفاذ لهذه الأسواق واجتذاب المستهلكين فيها.. مؤكدا أن هذا الموقف يتطلب مزيدا من الجودة وتقليل التكاليف للحصول على مزايا تنافسية أفضل في مواجهة السلع والمنتجات المناظرة. وأعتبر خالد أبواسماعيل رئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية أن الاتفاقية بشكلها النهائي الحالي تجاوبت مع العديد من الملاحظات المصرية وحرصت على مراعاة الخصوصية التي يتمتع بها الاقتصاد المصري قدر الامكان.. مؤكدا أنه لا توجد اتفاقية تسير في اتجاه واحد لتحقيق كل المصالح لطرف على حساب الآخر ولذلك على الجانب المصري أن يتحمل تبعات هذه الاتفاقية كما يستفيد من مزاياها ومكاسبها. وأكد أبواسماعيل أن المخاوف المصرية من بنود الاتفاق خاصة في حلقات العمالة ومعايير النفاذ وتحرير تجارة السلع والمنتجات الصناعية تراجعت بشكل كبير لعدة اسباب في مقدمتها مراعاة الجانب الأوروبي لدواعي هذه المخاوف بنسبة مقبولة وكذا لادراك الجانب المصري من جهة أخرى ان النظام الاقتصادي العالمي يقوم على التحريرالكامل للأسواق وازالة كافة الحواجز امام تدفق السلع والخدمات ورؤوس الأموال.. مشيرا الى أن الاتفاقية مع الاتحاد الأووربي لن تقتصر على الجانب الاقتصادي وسيكون لها مكاسب أخرى ثقافية وسياسية واجتماعية.. كما أن انجاز التوقيع على هذه الاتفاقية سيعزز التعاون التجاري والاستثماري والاقتصادي بين الدول المتوسطية الجنوبية أوروبا. برنامج المساعدات الأوروبي غير جاد ومن جهته حذر الدكتور محمود عبدالفضيل استاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة من اعتماد برنامج التحديث والتأهيل للصناعة المصرية على البرنامج الأوروبي للمساعدات.. معتبراً أن هذا البرنامج الذي يتضمن تقديم 250 مليون يورو في المرحلة الأولى لتحديث قطاع الصناعة المصري غير جاد وانه يكرس الانفاق في بنود هامشية منها جلب خبراء أوروبيين بدعوى اجراء الابحاث وتقديم الخدمات الاستشارية اللازمة في هذا الصدد.. كما أن البرنامج يتجاهل قطاعي الصناعات الصغيرة والمتوسطة تماما.. مؤكدا على ضرورة أن تكون ادارة برنامج التحديث ونقل التكنولوجيا للجانب المصري منفردا وأن تخضع جميع قرارات الادارة لجهات رقابية مصرية.. فضلا عن تخصيص جزء مهم من المساعدات الأوروبية للبحث العلمي وتطبيقه في مجال الصناعات التمويلية المختلفة من أجل تطويرها وتحديث أساليب العمل فيها وزيادة قدرتها التنافسية. وشدد الدكتور عبد الفضيل على ضرورة مضاعفة الاهتمام بتنفيذ برنامج تحديث الصناعة المصرية الذي ترعاه الحكومة بمشاركة مؤسسات القطاع الخاص ويستفيد منه نحو 2750 مصنعا في كل انحاء مصر.. معتبراً أن هذا البرنامج يعد ركيزة اساسية لتطوير الاداء الصناعي وزيادة جودة المنتج الوطني وتأهيله للمنافسة مع نظيره الأوروبي وغير الأوروبي.. موضحا أن منح قطاع الصناعات الغذائية والنسيجية والجلود الأولوية في التحديث خطوة صحيحة لاسيما وأن مصر تمتلك مزايا نسبية معقولة في هذه القطاعات ومن خلال التحديث سيكون لهذه الصناعات شأن في هيكل الصادرات المصرية لاسيما المتجهة للأسواق الأوروبية.
