وقفنا على مفهوم وعناصر الفكر الاقتصادي بشكل عام حيث ان الفكر الاقتصادي عبارة عن بيان نقدي لتطور الافكار، باحثاً في أصلها كاشفاً عن دوافعها وموضحاً لعلاقاتها التبادلية وواضعاً اجراءات عملية للافادة من القوانين المكتشفة والاقرار على النظام، والمذهب الواجب اتباعه ومن هنا نستنتج ان عناصر الفكر ثلاثة (النظرية الاقتصادية والسياسة الاقتصادية والمذهب الاقتصادي) وكان هذا محور الدراسة الأولى اما الثانية فقد ذهب الى مصادر الفقه الاسلامي والتي هي بالضرورة مصادر للفكر الاقتصادي، واتساقاً مع ما هو معلوم في الشريعة والفقة الاسلامي فان المصادر هذه تقسم الى مجموعتين: الأولى مصادر رئيسية أو اساسية وتضم القرآن الكريم والسنة النبوية والاجماع والقياس. والقرآن الكريم ليس هو بمثابة الدستور كما يراه البعض دائما برأينا انه الاطار الايديولوجي والفلسفي للناس جميعاً (للبشرية) والسنة النبوية جاءت لتوضح الغموض وتحدد المطلق وتخصص المجمل وتفسر العام في القرآن الكريم، والاجماع والقياس لابد وأن يستندا على أدلة شرعية نابعة من القرآن الكريم أو السنة النبوية واليوم سنتطرق الى المصادر الفقهية التبعية (الثانوية) وهذا لايعني انها قليلة الأهمية أو ان استخداماتها نادرة أو قليلة خاصة في حالة المعاملات والتي هي غرض لها، بل العكس هو الصحيح، فهي كالقياس تعد من اغزر المصادر الفقهية ولكن قيمتها الاعتبارية تأتي بعد المصادر الاساسية وهي خمسة مصادر. ـ الاستحسان: وهو بناء الاحكام الفقهية على عكس قاعدة القياس، بشكل عام، وبتعبير أدق هو التخلي عن حكم النظائر (كما هو الحال في القياس) الى حكم آخر أقوى في القضية الفقهية يقتضي هذا التحول، ويقسم الاستحسان بدوره الى قسمين الاستحسان القياسي واستحسان الضرورة. ان الاستحسان القياسي هو ترك حكم القياس الظاهر الى حكم آخر اقوى حجة وأدق استنتاجاً وأبعد نظراً مثال الدين المشترك، اذا قبض منه احد الدائنين مقدار حصة لا يحق له الاختصاص بها بل الى شريكه أو شركائه في الدين وللشركاء ان يطالبوا بحصتهم، ولكن اذا هلك هذا المقبوض بيد القابض قبل ان يأخذ الشريك الثاني حصته، فان القياس يقضي الى الهلاك والاتلاف على الباقي (من الدائنين) في معنى الشراكة، ولكن في الاستحسان فان المال الهالك في يد القابض، هالك من حصته فقط، ذلك لانه في الاصل لم يكن ملزما بمشاركة القابض فيما قبض بل له ان يلاحق المدين بحصته ويترك النقود للقابض. والنوع الثاني استحسان الضرورة: هو ما ترك فيه حكم القياس الظاهر بسبب ضرورة موجبة أو طبقاً لمصلحة أو سداً لحاجة أو دفعاً لحرج، ومن امثلة ذلك ان ربا الفضل في الاسلام ينتج عن كل زيادة في الوزن أو الحجم أو العدد عن مقدار الأصل وبالطبع هذا النوع من الربا غير جائز بل وكل اشكال الربا «أحل الله البيع وحرم الربا»، لكن بعض الفقهاء ومنهم الحنفية، اجازوا اقراض الخبز من الجيران بغض النظر عن الحجم أو الوزن اذا كان بحدود الشكل المتعارف عليه، وذلك استحساناً على خلاف القياس نظراً لضرورة وحاجة الناس الى هذا الشيء مع انتفاء فكرة الربا، حيث ان هذا التفاوت يعد من الامور التافهة بحكم العرف والعادة. ـ الاستصلاح أو قاعدة المصالح المرسلة: هو بناء الاحكام الفقهية على مقتضى المصالح المرسلة، والمصالح عكس المفاسد وقد تكون خاصة أو عامة لافرق في ذلك، والمصالح والمفاسد مفهومان نسبيان ولا يؤخذ بهما اعتباطاً أو على علاتهما والا لاختلط الحابل بالنابل، ولابد لهما ايضاً من سند شرعي والاخذ بعين الاعتبار مصلحة المجتمع اولاً والجماعة ثانياً والفرد اخيراً، وكذلك يجب الموازنة بين المصالح ونتائجها، اذ هدف المصالح في الشرع الاسلامي ينحصر في ثلاث مجموعات وهي: ـ الضروريات: وتشمل خمسة امور: الدين والنسل والنفس والعقل والمال والحفاظ عليها وصيانتها والدفاع عنها واجب على الفرد والمجتمع على السواء. ـ الحاجيات: وهي تلك الامور التي لاتتوقف عليها صيانة تلك الضروريات بل تتطلبها الحاجة ويستطيع ان يستغنى الانسان عنها ولكن بشيء من التعب والحرمان، مثل تحسين المستوى المعاشي للفرد، تقليص السفر والسياحة. ـ التحسينات أو التكمليات: وهي كل نشاط انساني اقتصادي أو غيره يعد مراعاته والتقيد به من مكارم الاخلاق ومحاسن العادات، عدم التبذير في الانفاق، وآداب الطعام. والسؤال الذي يطرح نفسه متى يستخدم الاستصلاح في بناء الاحكام؟ ومتى تدعو الحاجة اليه؟ ان ذلك يصح عندما يؤدي الأمر الى جلب المصالح ودرء المفاسد، في احيان كثيرة يكون تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي للصالح العام كفرض الضرائب، أو استملاك بعض الثروات أو حتى تأميم بعض الاموال، هو بهدف المصلحة العامة، اما درء المفاسد يعني تجنب الاعمال التي تؤدي الى ضرر مادي أو خلقي مقرر في الشرع. ـ سد الذرائع: قاعدة فقهية هامة، تعني منع الوسيلة أو الوسائل «وان كانت صحيحة» التي تؤدي الى نتيجة غير سوية فهناك الكثير من الامور والاعمال التي تستخدم كطريق للوصول الى أمر ممنوع رغم انها مبرره وشرعية، وهذا ما يسمى بلغة القانون والفقه ايضا «التحايل على القانون» فمثلاً منع الوصية لوارث كي لا تتخذ ذريعة الى تفضيل وارث على آخر، وفي المعاملات والاقتصاد قد يقدم أحد أو بعض البائعين على الترخيص في أسعار بضاعته ويغالي في ذلك، فهذا العمل يصبح غير جائز بحسب هذا المبدأ ولو ان فيه نفعاً عاماً، لكنه يعد وسيلة أو ذريعة للاضرار بالآخرين. ـ تغير الاحكام بتغير الازمان: قاعدة فقهية يمكن العمل بها وللصالح العام، ومرة ثانية فان الاسلام يرد على معارضيه، بانه دين الحياة ودين التطور وليس دين الجمود والتقوقع، والمثل الصارخ فقه الامام الشافعي رحمه الله، في مصر يختلف عن فقهة في المدينة ومكة، وما ذلك الا لاختلاف الظروف واختلاف الاحوال ولكن لا يعني ذلك الخروج على الادلة الشرعية، أو المصادر الفقهية الاساسية. ـ العرف: هو عادة جمهور قدم على فعل أو عمل معين، وفي القرآن الكريم «خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين» والاسلام يقر العرف الحسن وينبذ العرف السيء. وهنالك الكثير من الاعراف التجارية المحمودة في المعاملات وفي النشاط الصناعي ايضا يمكن الاستعانة بها، ويعد العرف احد أهم مصادر القانون الوضعي. استاذ اقتصاد جامعي