التاريخ يكرر أو يعيد نفسه.. مقولة لا تجد ما يثبتها أو يدحضها إلا من قراءة معطيات التاريخ نفسه، وفي دوراته تتأجج أو تخبو أفكار وأديان ومذاهب ونظريات، وتنهض أو تندثر حضارات. وما ذلك كله الا صور واشكال متنوعة لصراع قدري متواصل كتبته المشيئة الالهية ليكون سرا من اسرار الوجود البشري على وجه الارض، وعلى اساسه تتصادم قوى الحق والباطل بين صولة وصولة وجولة وجولة، ويبقى النصر حقا أبديا للحق وحده. اما غلبة الباطل فطاريء يأتي عندما يتخلى عن الحق اتباعه او يفرطون في القيام بواجبه او تفتر همتهم عن نصرته. وعلى الجانب الآخر يتوارى الباطل خانسا متصاغرا متقزما، حتى اذا آنس من جانب أهل الحق غفلة او تفريطا.. تطاول وعلا غباره وانتفخ كالفقاعة لها ظاهر ضخم وربما مخيف، ولها جوف خاو فارغ، لا ينخدع به الا اصحاب الزيغ والهوى والشهوات. واليوم ها هو التاريخ يعود مرة اخرى ليؤكد تلك المقولة.. ويعيد احداثه مع تجربة مكررة من تجارب الانسانية المريرة التي تجنيها على نفسها من وراء اذعانها لاديان ومعتقدات وضعية افتراها لها شياطين الانس والجن. ربما كانت احداث تجربة اليوم تبدو للعيان جديدة ملهمة، الا ان النظر اليها من اكثر من زاوية سيجعلنا نكتشف انها مجرد تجسيد مختلف لتجربة قديمة تحاول من خلال هذا الوهم الذي تبثه للناس او هذه الهالة التي تحيط بها نفسها اخفاء دمامة التجربة السابقة وفضيحتها المدوية وفشلها الذريع، وتحتال بكل وسيلة من اجل اخفاء سوء طويتها، فتارة تتجمل بكل اصناف ومساحيق التبرج، وتارة تتزين بانواع الحلي والمصوغات، وتارة اخرى توزع الابتسامات التي تحاول بها ان تبدو امام المجتمع الدولي ودودة وخفيفة الظل، ومع ذلك لم توفق في نسج خيوط خديعتها منذ الوهلة الاولى رغم ان ديدن الناس الا تنكشف لهم معالم الخداع الا بعد انقضاء عقود من الظن الحسن. صورتان لعملة واحدة: ولكن ما هي قصة العلاقة بين العولمة والشيوعية؟ وهي ربيبة الرأسمالية.. حتى انه لا يوجد ساكن على كوكب الارض الا ويعرف تمام المعرفة بأن العولمة طحنت وعجنت وخبزت في مطبخ القرار السياسي الامريكي، امام الشيوعية ومرادفاتها كالماركسية والاشتراكية قد تناسلت وجاء مخاضها في المعسكر المعادي للرأسمالية، وكان بينهما ذات يوم من الاحقاد والمواجهات الباردة والساخنة ما استنفد طاقات شعوب، واطاح بعروش ونصب عروشا على انقاضها، وتلاعب بمصائر البشر ومقدراتهم في حقبة مشهودة من حقب الدهر. واعترف بأن طرح مثل هذا السؤال مجازفة فكرية في اجواء يهيمن عليها شبح العولمة المتلفع بمسوح الرهبان والصالحين، بيد ان محاولة الاجابة وحيثياتها قد تزيح الستار عن شيء من الغموض الذي يكتنف حقيقة هذه اللعبة: ـ الشيوعية او الماركسية كفكرة وكنظرية وكنظام سياسي واقتصادي نبتت في مستنقع الصهيونية، ولا قيمة هنا لكونها نمت وترعرت في احضان الاتحاد السوفييتي البائد، فآباؤها من كارل ماركس مرورا بلينين وستالين وانتهاء بجورباتشوف من المنظرين والقادة السياسيين ما هم الا رعيل خارج من ذلك المستنقع، وكان اختيار الاتحاد السوفييتي مرتفعا للصهيونية منذ منتصف القرن التاسع عشر امرا منطقيا بالنسبة لحركة ملعونة كهذه لا يطيب لها العيش الا في اكناف قوة مستبدة غاشمة، فلما آل النفوذ والسلطان لمغتصبي ارض الهنود الحمر، سارعت الصهيونية لتعشش في امريكا لتحتمي بذلك النفوذ والسلطان الغاشم ولكي تمرر دسائسها وحبائلها التي بها تتلاعب بمقدرات العالم، فكان مألوفا ان يعاود نفس الفكر الذي كان يسعى لتحقيق اطماع الشيوعية إلى النضح من نفس الاناء، ولكن بثوب مختلف ومباديء رنانة فكانت العولمة التي ظاهرها مصالح البشرية الحائرة بين النظريات التي اخلفتها جميعها الوعد بالسعادة، وباطنها مصالح الصهيونية العالمية. ـ هناك تماثل يصل إلى حد التطابق في الايديولوجية، فالشيوعية على مدى نيف وخمسين عاما ـ هي عمر ظهورها واندثارها ـ كانت: ـ تتطلع إلى حكم العالم باكمله، و ـ كانت تموه على الهدف الاول وتخدر سكان الكوكب بوعود السعادة والرفاهية والعدالة، والمتأمل اليوم إلى صنائع العولمة ووعودها يجدها دؤوبة على تحقيق حلمها في حكم العالم من خلال تقييد اسم الارض قاطبة باتفاقية بادية الحيف والجور الا على امريكا التي تأخذ ما يعجبها وتبصق على ما لا يتواءم ومصالحها، اما اللحظة فستحين عندما يأتي اليوم الذي فيه يبلع العالم الطعم ويطبق عليه الفخ وساعتها ستحكم امريكا العالم بحجة حماية شركاتها وتجنيب اقتصادها كوارث الانهيار. وعلى الجهة الاخرى يتغنى خبراء تجميل العولمة بالسعادة الكونية التي ستعم الدنيا من اقصاها إلى اقصاها، عندما تزداد حصة الافراد من الغنى وتقل حصتهم من الفقر (لاحظ ان فلسفة السعادة او المقياس الذي تقيس فيه العولمة السعادة هو مقدار الدخل او المال الذي سيجنيه الفرد في كل دولة من دول العالم) وهذا ما يفضح ضحالة العمق الفكري الذي يغذي العولمة بطروحاتها وتوجهاتها ـ كما كانت الشيوعية من قبل ـ ومدى افتقارها إلى البعد الروحي والوجداني، وانه ليس الا السم نفسه.. يقطر من نفس الافعى. ـ قامت افكار الشيوعية ومبادئها على اعتبار المال والمرأة مشاعا، فكانت شيوعية المال بمفهومها انه للشعب اما المواطن فليس له ان يأخذ منه اكثر من حاجته دون اي اعتبار لقيمة جهده الانتاجي وكميته، واليوم تأتينا العولمة لتقرر شيوعية المال او الاقتصاد ولكن بمفهوم جديد، فهي تدعي ان اصقاع الارض مشاع للشركات المتعددة الجنسيات (ومعظمها امريكية) تمتص دماءهم وخيرات بلادهم، اما بقية امم الارض فليس لها ان تأخذ منه الا حاجتها مما تلقى لها به تلك الشركات من الفتات او الفضلات فتتنزل عليها السعادة المزعومة، ولا احد يعلم ـ تحت هذا الميزان المائل لصالح الدول الصناعية المتقدمة ـ من اية جهة ستأتي هذه السعادة الموهومة، ومن هم السعداء الذين سيلجون فردوس العولمة لأن واقع الامر ان الشركات المتعددة الجنسيات لن تغامر بالذهاب الا إلى الاسواق الرائجة، وحيث تكمن الثروات الطبيعية. واما المرأة فكان لها من العولمة الحظ الاوفر، فما انفكت المؤتمرات والتوصيات تترى، والاعلام يطنطن ويبث سمومه ليل نهار من اجل ان تصبح المرأة مشاعا فتحل وترحل متى شاءت وتخرج وتقعد كيفما شاءت وتمارس الشذوذ او الفاحشة حتى تغدو ملكا مشاعا وحمى مباحا كالقمامة على قارعة الطريق، كل ذلك واعظم منه يفتري تحت سمع العولمة وبصرها وفي حراسة عيونها التي تحمرها لمن يجسر على المناداة بعفة المرأة وصيانتها، ولكن لماذا المرأة بالذات؟ والجواب لمن يريد الحق، ان المرأة مركز الثقل في الاسرة، والاسرة هي مركز الثقل في المجتمع، والمجتمع هو سر وحدة الامة او الدولة وتماسكها، فإذا اردت ان تخلخل تلك الامة او الدولة فما عليك إلا بالمرأة، وهكذا تخلو الأرض للصهيونية ـ كما صنعت من قبل في زمن الشيوعية ـ تستبيحها وتعيث فيها فسادا، فلا يصمد مجتمع واحد في وجه إعصارها الذي ستكتسح به العالم. ـ امتطت الشيوعية ظهر الثقافة والرياضة في سبيل تجميل صورتها الاجتماعية والسياسية القبيحة، وهكذا سارت العولمة على خطاها ولكن لتسلخ الناس من هويتهم، فاستخدمت الفن حتى أصبح العربي يرى الفيلم الأمريكي فيحسبه يحكي بطولات بني عمومته ومآثرهم، واستخدمت التراث حتى أمسى الفرنسي يتمتع بالمأكولات الصينية (أخذا بالرأي الذي يرى طرائق الطهي نمطا ثقافيا)، واستخدمت الازياء والموضات فصارت الفتاة الالمانية ترتدي زيا فيتناميا، كما استخدمت الادب والاعلام بأنواعه ولاسيما التلفاز وشبكات المعلومات الحاسوبية وغيرها ومما لايتسع المقام للتفصيل فيه. واما الرياضة فكان للعولمة معها شأن آخر، انها أداة الإلهاء واستنفاذ طموحات الشباب وأوقاتهم وطاقاتهم الذهنية والنفسية والبدنية في سباقات وبطولات ودورات رياضية لاتعد ولا تحصى، وجموع اللاعبين والاعلاميين والمشجعين لايكادون يجدون في خضم هذا السعار المتلاحق الوقت والطاقة الكافية لمجرد ملاحقة أحداثها، فمن أين يجدون سعة من الوقت تكفيهم للتفكير والتأمل والعمل الجاد للبناء، ناهيك ان يكون للوقوف في وجه المد العولمي (لاسيما أولئك المحسوبون على دول العالم المتخلفة) أما الأموال التي تهدر على شراء اللاعبين وحقوق نقل الأحداث الرياضية وأجور المدربين وادارة المنشات الرياضية وشراء الأدوات الرياضية فحدث ولا حرج، ويحضرني سؤال ساذج لا أجد له اجابة: وماذا يحدث لو أن دولة ما ـ والمتخلقة على وجه التحديد ـ وجهت ثروتها ومواردها الشحيحة أو ما تقترضه من صندوق النقد الدولي من أموال الى التعليم أو الرعاية الصحية أو مؤسسات البحث العلمي بدلا من انفاقها على الرياضة؟ لا أكاد أجد اجابة شافية ما لم تكن بروتوكولات حكماء صهيون عندها تلك الاجابة. ـ لفساد مضامينها، فشلت الشيوعية في فرض نفسها كنظرية وكمنظومة اجتماعية بأسلوب الاقناع ومقارعة الحجة بالحجة، بل انها لم تلامس مشاعر الشعوب وطموحاتهم بقدر ما لامست جيوب زعمائهم وأدفأتها، ولم تجد من يؤمن طائعا مختارا بمبادئها العرجاء وأفكارها العوراء الا حفنة من المتمردين الذين اسمتهم زورا وبهتانا «بالثائرين»، ولهذا أمسكت بهراوة الديكتاتورية وألزمت الشعوب بأفكارها ومفاهيمها بالحديد والنار وأساليب غسل الدماغ والتعتيم أو الانغلاق الفكري، وها هي العولمة تطل اليوم وفي يدها نفس الهراوة وانما بأدوات وأساليب مختلفة وعلى نطاق أوسع، فتطبيقها يتم بصورة ديكتاتورية لأن الدول التي تملك خيار القبول أو الرفض، أي كما عنون ويليام جرايدر لكتابه «عالم واحد استعددتم أم لم تستعدوا»، في الوقت الذي لم تستشر فيه الشعوب ولم تقترح على الايمان بالعولمة أو الكفر بها، وأما الذين وقعوا على ميثاقها فهم الدمى الذين نصبتهم أمريكا والصهيونية العالمية حكاما لدولهم.