في ظل الذعر الذي يخيم على سوق المستحضرات الدوائية في مصر بسبب قيام الشركات الامريكية العملاقة بمحاولة التطبيق الفوري لاتفاقية منظمة التجارة العالمية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية على صناعة الدواء، الامر الذي سيؤدي إلى ارتفاع اسعار الادوية. إلى اكثر من الضعف، نجد ان احدى شركات الادوية المصرية تخطو على الطريق الصحيح في العمل على تخطي هذا الانزعاج ببداية عملاقة، هي الاولى على مستوى الدول العربية بل والافريقية، ولأن العلم في تقدم مستمر فإن صناعة المستحضرات الدوائية سوف تتطور بشكل مذهل وخاصة في مجال الهندسة الوراثية، وهذا ما تقوم به شركة النيل للادوية من تصنيع بعض الادوية المقاومة للامراض الخطيرة باستخدام علوم الهندسة الوراثية «البيوتكنولوجي» في علاج بعض امراض السرطان والالتهاب الكبدي الوبائي «ب» و«سي» ومرض نقص المناعة «الايدز». يقول الدكتور أحمد العدوي رئيس مجلس الادارة والعضو المنتدب لشركة النيل للأدوية: «المستحضرات الدوائية التي بدأت الشركة في تصنيعها من الالف إلى الياء بالمصنع الذي انشأته الشركة لهذا الغرض هي ادوية تساعد على تقوية جهاز المناعة في الجسم وهي «الانترفيرون» و«لوكونيل» وهي لمقاومة الاورام السرطانية مثل سرطان الدم والثدي والبروستاتا، وكذلك للالتهاب الكبدي الوبائي «ب» و«سي» ومرض الايدز، وهذه الادوية متواجدة فعلا في مصر والدول العربية ولكن كلها مستوردة من الخارج، وهي تستورد من الخارج اما كاملة الصنع او نصف مصنعة اي تكون معبأة جاهزة وتقوم الشركات هنا باستكمال العمل مثل تصنيع الكرتونة والتغليف واعداد النشرة الداخلية إلى ان تخرج للاسواق في صورتها النهائية. ويشير الدكتور أحمد العدوي ان الشيء الجديد هنا هو اننا قمنا بانشاء مصنع لانتاج هذه المستحضرات بالكامل، ومثل هذه المصانع لها شروط ومواصفات خاصة محددة بمعرفة منظمة الصحة العالمية ومنظمة الاغذية والادوية الامريكية، ولكي نستطيع تحقيق هذا العمل الضخم قمنا بشراء حق التصنيع لهذه المستحضرات من معهد ابحاث في المانيا متخصص في هذا المجال، وقيمة شراء هذا الحق يكلفنا مبالغ طائلة سوف نسددها على اقسام ولمدة خمس سنوات. المستهدف من اقامة المصنع وعن انشاء المصنع يقول الدكتور أحمد العدوي: «قامت احدى الشركات العالمية بتحديد المواصفات القياسية العالمية على احدث مستوى، كما تم التعاقد على شراء الاجهزة والمعدات المطلوبة باحسن الاسعار والمواصفات من المانيا وسويسرا وانجلترا والولايات المتحدة الامريكية والصين، وهذا المصنع تم انشاؤه في زمن قياسي وهو سبعة عشر شهرا وتم اعتماد موافقة هيئة الابحاث والرقابة بوزارة الصحة طبقاً للمواصفات العالمية التي تعمل في هذا المجال. ويستطرد الدكتور أحمد العدوي في شرح العائد من اقامة هذا الصرح الكبير، الامر الاول العائد المعنوي وهو تصنيع ادوية بديلة للمستورد من الخارج ولاول مرة في مصر مما يبث الثقة في انفسنا وبأننا قادرون على تخطي اية صعوبات في مجال الصناعة. والامر الثاني، هو العائد المادي، حيث ان هذه المستحضرات نقوم بتصنيعها بواسطة العمل على خلايا بكتيرية وخلايا حيوانية بطريقة البيوتكنولوجي وميزة هذه التكنولوجيا انها لا تحتاج مواد خام، لذا فإننا لانستورد اي مواد خام من الخارج وانما نعمل بالبكتيريا وهي متوفرة في مصر، لذلك فإن هذه المستحضرات الدوائية ستتوافر في الاسواق في اوائل يوليو المقبل وباسعار تصل إلى نصف اسعار مثيلاتها المستوردة، لذلك فإن هذه الادوية لن تتأثر باتفاقية الجات لانها صناعة محلية بالكامل. والامر الثالث هو ان هناك اثنى عشر نوعاً آخر من المستحضرات الدوائية التي يتم تصنيعها بطريقة الهندسة الوراثية ايضا، وبدأنا فعلا التفاوض مع شركات عالمية لشراء حق تصنيعها وهي في مجال بعض انواع اخرى من امراض السرطان لأنه عندما قمنا بانشاء وتجهيز المصنع وضعنا في الاعتبار التوسعات المستقبلية لامكانية انتاج ادوية اخرى التي تنتج بطريق «التخمر». واعتقد اننا سوف نضيف كل عام تصنيع مستحضرات دوائية لتكون بديلا عن المستورد. والامر الرابع هو اننا اكتسبنا خبرة كبيرة وتم تدريب عدد كبير من المشرفين والمتخصصين والفنيين على العمل في انتاج هذه المستحضرات. التصدير ولما كانت صناعة المستحضرات الدوائية من الصناعات الاستراتيجية، ولما كانت مصر تتعرض مع الدول العربية والافريقية لسلبيات اتفاقية الملكية الفكرية والتي سيتم تطبيقها عام 2005، وهو الامر الذي يستلزم التنسيق مع هذه الدول في هذا المجال. يقول الدكتور أحمد العدوي: «ان التصدير إلى الدول العربية والافريقية كان من اهدافنا عندما انشأنا هذا المصنع لتغطية احتياجات السوق المصري، وايضا التصدير للاسواق العربية والافريقية وتغطية احتياجاتهم من هذه المستحضرات، لأن هذا المصنع هو الوحيد على مستوى العالم العربي والافريقي ويعتبر من احدث خطوط الانتاج للبيوتكنولوجي في العلاج، وهذا رأي الخبراء الاجانب بالمعهد الذي تعاقدنا معه بشراء حق التصنيع، فقد انبهروا بهذا الانجاز في هذا الوقت القياسي وبهذا المستوى من التقنية العلمية، وقد زار المصنع ايضا بعض المسئولين والمهتمين بصناعة الدواء في الدول العربية واشادوا بهذا العمل العظيم، ولدى فعلا بعض الطلبات الآن من هذه المستحضرات لتصديرها إلى الاردن والسودان والعراق، هذا وسوف يقوم جهاز التسويق بالشركة بعمل الدعاية اللازمة في جميع الدول المجاورة والصديقة لتصدير هذه المستحضرات الدوائية خصوصا واننا بدأنا الانتاج الفعلي والذي وافقت عليه الهيئة القومية للبحوث والرقابة الدوائية المصرية بعد تحليلها وتجربتها، ونحن جاهزون للتواجد بالاسواق المصرية وللتصدير اعتبارا من اول يوليو المقبل. الا انه يجب اولا في هذه الدول تسجيل هذه المستحضرات لديهم قبل البدء في تصديرها. وهنا يلزم الاشارة إلى ان عمليات تسجيل المستحضرات الدوائية الاخرى يستغرق بعض الوقت مما يجعلنا نطالب بضرورة توحيد اساليب التسجيل بين الدول العربية بحيث يعتبر تسجيل احد هذه المستحضرات في اية دولة عربية معترف به دون الحاجة إلى اعادة اجراءات التسجيل، وهذا توفير للوقت والجهد خصوصا ان المستحضرات التي يتم تصنيعها بالكامل دون استرداد اي مواد من الخارج تقل اسعارها بمقدار النصف بالنسبة لمثيلاتها المستوردة، وما ندعو اليه هو الاهتمام بصناعة الدواء ووضع هذا البند في الاعتبار عند عقد مؤتمر القمة العربية الاقتصادية في مصر في شهر نوفمبر المقبل والاتفاق على تدعيم الابحاث العلمية لتنشيطها لانها ستعود بالفائدة على الجميع، كما يمكن النظر في اقامة شركات عربية مشتركة عملاقة في مجال تصنيع المستحضرات الدوائية، كما هو الحال بالنسبة للشركات الاجنبية، لان تطبيق اتفاقية الجات مازال بسبب القلق لجميع الدول النامية خاصة في الوطن العربي. تقول الدكتورة ليلي خيري رئيس قطاع الابحاث والتطوير بالشركة ورئيس اللجنة التنفيذية لمشروع البيوتكنولوجي: «تم التعاقد بين الشركة ومعهد ابحاث في المانيا على انشاء هذا المصنع على اساس موافاتنا بجميع المواصفات المطلوبة وتكنولوجيا المستحضرات وبرنامج تدريبنا على الانتاج، وبعد التعاقد مباشرة قام الدكتور احمد العدوي رئيس مجلس الادارة بتعييني رئيسا للجنة التنفيذية للمشروع، فقمت اولا بعمل مسح ودراسة لاحتياجات السوق من هذه المستحضرات، ووفقا لنتيجة هذه الدراسة قمت باجراء اتصالات مع الجهات الخارجية لاستيفاء البيانات المطلوبة مع تشكيل لجنة من المتخصصين وكبار المهندسين والفنيين واخترنا الموقع المناسب في الشركة لاقامة المصنع وبدأنا العمل على اساس الاختيار للمواصفات عالية الجودة في كل شيء، وعلى سبيل المثال فإن المواصفات العالمية لعدد مرات تغيير الهواء في المصنع تكون في حدود من 300 إلى 500 مرة في الساعة وقد نفذنا على اساس 500 مرة وهي اعلى مستوى في الجودة. وهكذا بالنسبة لجميع المواصفات، ثم بدأ العمل بنشاط ملحوظ من جميع الجهات فاثناء اقامة المنشآت كنا نتعاقد على استيراد الاجهزة والمعدات، وايضا تعيين فريق العمل والذين تم اختيارهم من ذوي الكفاءات والخبرة العلمية من الحاصلين على درجات الماجستير والدكتوراة، وبدأ تدريبهم على التشغيل والانتاج داخل مصر وفي بعثات للخارج منها الولايات المتحدة الامريكية والمانيا وسويسرا وايطاليا والصين، وقد تم التدريب على انتاج مستحضرين اللذين كنا قد تعاقدنا عليهما وهما.. «الانترفيرون» ويستعمل كعقار مثبط لتكاثر الخلايا السرطانية لما له من خواص مقوية للجهاز المناعي كما انه يمنع انتقال خلايا السرطان من مكان لآخر ويوقف نموها وهو ايضا ذو نشاط مضاد للفيروسات وخاصة منع التليف التي تساعد في علاج مرض الكبد للمصابين بفيروس «ب» و«سي» والمستحضر الثاني هو «لوكونيل» ويستخدم لتحفيز كرات الدم البيضاء وهو يقوي ايضا جهاز المناعة في الجسم وفي العلاج الكيميائى ومرض «الايدز»، وهذه المستحضرات تسمى مستحضرات مجففة او مجفدة بالتبريد اي تحويل المستحضر إلى بودرة، واتفقنا ايضا على انتاج المستحضر الثالث وهو «الاريثروبيوتين» الذي يساعد مرضى فقر الدم المتعلق بالفشل الكلوي والعلاج الكيميائى. تدريب وتربية «الكوادر» يقول الدكتور زين العابدين الكيلاني المدير العام لقطاع البيوتكنولوجي: «ان هذا القطاع هو الاحدث في كل شركات الادوية في مصر لاستخدامه التكنولوجيا الحيوية في تصنيع الدواء وهذه التكنولوجيا تحتاج خبرة ذات مستوى عال، لاننا نستخدم «المايكروف» كمصنع انتاج المادة الخام (والمايكروف هو المجال الذي ينبع فيه كل ما يستخدم في البيوتكنولوجي» فنحن نبدأ بانتاج المادة الخام من البكتريا ونقوم بعملية تفنين لها ثم نحولها إلى منتج صيدلي اي دواء يستخدم بواسطة الحقن، وتزمع الشركة في المستقبل القيام بانتاج معظم المستحضرات الدوائية التي تستخدم فيها التكنولوجيا الحيوية، وعلى المدى الطويل فإن مثل هذا الانتاج هو الذي سوف يميز شركات الادوية عن بعضها وخاصة بعد تطبيق اتفاقية الجات. فإن الذي يستطيع ان يعمل في هذا المجال ويقدم منتجات باسمه هو الذي سيكون له تواجد في أسواق هذه المستحضرات الدوائية، وهذه تعتبر بداية لصناعة الدواء في مصر الآن، لأنها المرة الأولى التي يتكون فيها فريق يعمل في هذا المجال وهو غير متواجد في أي شركة أدوية أخرى في مصر، والاستفادة الكبرى من هذا المشروع هو تربية وتدريب «كوادر» أو فريق متخصص ذو خبرة في مجال هام جدا وهو تصنيع هذه المستحضرات لأن الأجهزة والمعدات يمكن شراؤها من الخارج، لكن كيفية ادارة مثل هذه المشروعات والحصول على المنتج بأجود المواصفات هذه هي القيمة العالية لهذا المشروع. تحقيق: أحلام الريدي