أطلقنا، على مر السنين، أوصافاً عديدة لبلدان مثل البرازيل فقلنا على سبيل المثال انها من دول «العالم الثالث»، والدول «النامية» و«الناشئة» و«الصناعية الجديدة»، ومع ذلك، فان زيارة قصيرة لي لهذه الدولة أظهرت الى أي مدى تم تجاوز مفرداتنا. فما تجده في هذا البلد هو شيء من العالم الأول وشيء من العالم الثالث والكثير بينهما. والتحول الاقتصادي للمناطق الفقيرة في العالم ـ المسمى الان «بالعولمة» ـ يعتبر أحد أعظم التحولات في عصرنا. لكن فوضويته لاتترك مجالاً لتكوين صور نمطية سهلة. تعتبر مدينة ساو باولو المركز التجاري والصناعي والمالي للبرازيل. واستناداً الى الأرقام المتوفرة، فانها تحتل مرتبة معينة بين ثالث وسادس أكبر التجمعات السكانية في العالم. انها بالتأكيد أصغر من طوكيو الكبرى (33 مليوناً) ونيويورك (20 مليوناً) وبعدد سكانها البالغ قرابة 18 مليون نسمة، فانها تعتبر في المحيط العام لمدن سيئول ومكسيكو سيتي وبومباي. ومع ان المدينة ليست جميلة بشكل خاص، الا انها ليست بالقذرة ويبدو ظاهرياً ان الجانب الأكبر من السكان يتجه نحو النزعة الاستهلاكية الخاصة بالطبقة الوسطى من الناس. ويحتضن وسط المدينة أبراج المكاتب والشقق السكنية والمحلات والمطاعم الفخمة. الهواتف الخلوية منتشرة على نطاق واسع. وفي ساعات الذروة، يكون هناك اختناقات مرورية معهودة. ويعترف البرازيليون من ابناء الطبقة الوسطى بأنهم مضطرون الى الاقتراض على بطاقاتهم الائتمانية بسعر فائدة مذهل يصل الى 8.5% في الشهر. وفي خارج مركز المدينة، تبدو بعض أحياء الطبقة العاملة مثل احياء مدينة برونكس الأمريكية، صفوف من البيوت الصغيرة والشقق والمحلات وورشات الصيانة والمخازن. في عام 2000، شهد الاقتصاد البرازيلي توسعاً نسبته 4.2%، مما غذى التفاؤل باحتمال استمرار النمو القوي. وقد تحدثت مع محررين عديدين في «إكسام» وهي المجلة الاقتصادية الرئيسية في البلاد، الذين أوردوا أسباباً عديدة للثقة. وأهم هذه الأسباب هو قهر التضخم المفرط، والذي بدا وكأنه لايقهر حتى أواخر التسعينيات. ففي عام 1994 كانت نسبته 2.076%. وقد أنهك التضخم المفرط معنويات البرازيل وطاقتها. وكان الناس يتسوقون يومياً قبل ان ترتفع الأسعار. وعلى نحو مماثل، فان الناس كانوا ينقلون أرباحهم على الفور الى حسابات تشير الدلائل الى تضخمها، وأدى فرض عملة جديدة في أواخر عام 1994 الى ترويض الوحش بشكل تدريجي. وفي العام الماضي، كانت نسبة التضخم 7%. والسبب الثاني هو القدرات الكامنة في البرازيل، فبعدد سكان يبلغ 170 مليون نسمة، تعتبر البرازيل خامس أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان (بعد الصين، الهند، الولايات المتحدة واندونيسيا). وحتى عام 1985، كان دخل الفرد في البرازيل والبالغ 5500 دولار يعادل تقريباً دخل الفرد في كوريا الجنوبية. وبحلول عام 1998، أصبح يوازي نصف دخل الفرد في كوريا الجنوبية والبالغ 13300 دولار (وللمقارنة فان دخل الفرد في الولايات المتحدة يبلغ 32 ألف دولار). ولقد تسببت «أزمة الديون» في أمريكا اللاتينية في الثمانينيات اضافة الى التضخم المفرط فيما بات يعرف بـ «العقد الضائع». ومن ناحية نظرية، هناك طلب هائل غير مستغل على البيوت والسيارات واللوازم المنزلية والطرق والمدارس أو كل شيء تقريباً. ان طموح البرازيل الطويل الأمد هو تحقيق مكانة دول العالم الأول حسبما يقول لينكولن جوردون في كتابه «فرصة البرازيل الثانية» واعتماداً على الرخاء الذي تتمتع به ساوباولو، فان الحلم يبدو ممكن التحقيق ولكن وكما يشير جوردون، السفير الأمريكي السابق لدى البرازيل، فانه أمر غير محتوم. فالفقر في المناطق الريفية يعتبر ساحقاً، والمدن محاطة بأحياء فقيرة. وقام مراسلان من صحيفة «أو إستادا» الصحيفة الأكبر في المدينة بتنظيم جولة لي في أحد أحياء ساوباولو الفقيرة. ان هذا الحي المحشور بين طريق سريع وأحد مستودعات الأغذية عبارة عن حارات بطرق غير معبدة. ويعيش حوالي 1000 شخص في 200 مسكن صغير. وأسوأ هذه المساكن عبارة عن أكواخ بواجهات خشبية وسقوف من الزنك وأفضلها مصنوع من طوب طيني. تقول ابيرانيد، مرشدتنا البالغة من العمر 30 عاماً، ان الحياة أفضل في المدينة بكثير من المناطق الشمالية الشرقية التي هاجرت منها قبل عام. انها محقة على الارجح فمعظم الأكواخ لديها أجهزة تلفاز ومواقد للتدفئة والطبخ ومع ذلك فانها فقيرة بدرجة يائسة. الكثير من هذه الأحياء يعيش على حافة القانون ففي عام 1999، شهدت مدينة ساوباولو الكبرى 9000 جريمة قتل. وهذا يعادل نصف العدد الخاص بالولايات المتحدة تقريباً (حوالي 17 ألفاً في عام 1998) تحاط البيوت والشقق في الاحياء الغنية بالأسواق والبوابات عادة، وغالباً ما يكون هناك حراس أمن لحمايتها. وتعتمد الآفاق المستقبلية للبرازيل بقوة على الاستثمار الخارجي، الذي يعتمد بدوره على الاقتصاد العالمي والاستقرار السياسي. الأول يتداعى، حيث عملت أزمة اقتصادية شهدتها الجارة الارجنتين على تعقيد حالة الشك القائمة. وفي غضون ذلك، تبقى السياسة علامة استفهام كبيرة. ففي الفترة ما بين منتصف الستينيات ومنتصف الثمانينات، كانت البرازيل تخضع لحكم الجيش. وحتى انتخاب فيرناندو هنريك كاردوسو في عام 1994 ـ أعيد انتخابه في عام 1998 ـ كان الرؤساء المنتخبون بشكل شعبي يتعثرون. لكن كاردوسو لايمكنه أن يرشح نفسه مرة اخرى في عام 2002. يقول لوريفال سانتينانا، وهو صحفي محترم: «نحن البرازيليين نعتقد أننا بلد واعد، ولكن زمن الوعود ينقضي دائماً أبواي كانا جزءاً من جيل الخمسينيات الذين شعروا أنهم يبنون البلد لكنهم أصبحوا يعانون من خيبة الأمل بسبب الجيش والتضخم العالي والعقد الضائع». الدرس الأكبر هو انه لا يوجد طريق واحد الى العالم الأول. فكل دولة تختار طريقها الخاص الذي يحدده التاريخ والثقافة والحظ. ولا يمكن دائماً توقع العواقب بشكل تام، وهو السبب الذي يجعل التعميمات لاتنطبق عادة مع الحقائق على الأرض. بقلم: روبرت صامويلسون