لايختلف المجتمع العربي قبل الاسلام كثيراً عن المجتمعات الشرقية القديمة من ناحية شكل الملكية وإدارة الاقتصاد، فهو يحتوي على اشكال انتاج متعددة وانماط اقتصادية متنوعة ومتداخلة، فيه شكل من اشكال النظام الرأسمالي وخاصة التجاري، وفيه لمسات من النظام العبودي (العبيد) وفيه ايضا بعض المظاهر الاقطاعية، استخدام النقود والربا كانا على شكل واسع خاصة في المعاملات التجارية، وكلما زاد اعتماد الاقتصاد على التجارة والربا ازداد استغلال الطبقات الفقيرة، كانت طبقة التجار تستغل المجتمع من عدة نواح، فهي المالكة لرأس المال النقدي، وهي التي كانت تتقاضى عائده على شكل ربا أو فائدة، كما هو في حالة القروض أو على شكل ارباح كما هو الحال في التجارة (البيع والشراء) أو تقوم باستغلال طبقة الارقاء (العبيد) الذين كان ينحصر دورهم اساساً في حراسة القوافل التجارية وتسييرها خاصة بين بلاد الشام واليمن (رحلة الشتاء والصيف)، كان عدد العبيد في جزيرة العرب قليلاً مقارنة مع المجتمعات الاخرى، وبجانب كل هذه الانماط والاشكال الانتاجية المتنوعة وجد نمط من انماط الملكية القبلية (ملكية العشيرة والقبيلة) خاصة فيما يتعلق بمصادر الثروة العامة، كالمياه والمراعي والكلأ والغابات وما شابه. ان شكل كهذا من اشكال الانتاج المختلفة ينجم عنه اشكال توزيع متفاوتة ومعقدة. كان المجتمع العربي بلاشك ـ قبل الاسلام ـ مجتمعاً طبقياً تتعدد فيه الفئات والمراتب الاجتماعية وطبقة التجار كانت هي المسيطرة على النشاط الاقتصادي، والارض الزراعية في الجزيرة العربية محدودة للغاية (واد غير ذي زرع)، فكان من الطبيعي ان يكون النشاط التجاري هو المسيطر ليس على الاقتصاد وحسب بل وعلى مقاليد الأمور الادارية والسياسية وغيرها، يلي فئة التجار فئات الكسبة الصغار والحرفيين واخيراً العبيد، كانت المنازعات الداخلية والاطماع الخارجية تعمل على تفتيت المجتمع داخليا، لذلك لاغرابة ان شكل الاسلامي ثورة كبرى في التاريخ، لانه بدل هذا المجتمع المتخاصم سياسيا والمتناحر قبلياً والمفتت طبقياً والظالم اجتماعياً الى مجتمع العدل والكفاية. ان مصادر الفكر الاقتصادي الاسلامي تشتق اصلا من مصادر الفقه الاسلامي ثم من التطبيقات الاقتصادية الاسلامية، خاصة في عصر الخلافة الراشدة، واخيراً من اراء المفكرين الاسلاميين الذين ناقشوا المشاكل الاقتصادية وكان لهم دور بارز في هذا المجال امثال العلامة ابن خلدون، وأحمد بن علي الدلجي وابن سينا والفارابي، والمقريزي.. وغيرهم. وبالطبع عندما ناقش هؤلاء القضايا الاقتصادية وقدموا افكارهم كانوا يستندون على ادلة شرعية ومصادر فقهية. ان المصادر الفقهية وبالتالي الفكرية الاسلامية تنقسم الى مجموعتين رئيسيتين، اولها: «المصادر الاساسية والثانية المصادر التبعية، أو الثانونة، ويجب ان ندرك من الان ان المصادر التبعية ليست قليلة الاهمية، بل هي هامة، ويمكن الافادة منها على نطاق واسع لانها تلامس قضايا الحياة اليومية وتماشى روح العصر التي هي فيه. المصادر الاساسية بحسب ترتيبها الاعتباري. القرآن الكريم انه الكتاب الذي انزله الله عز وجل على نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) خاتم الانبياء ليكمل به الاديان السماوية وليكون نهاية المطاف في الرسالات السماوية، انه بمثابة الاطار الايديولوجي العام للاسلام، فهو لايتصدى للقضايا الجزئية الا قليلاً، وانما يقدم اسساً ومباديء عامة وتوجيهات عريضة لكل ما يتعلق بالكون (الطبيعة) والناس (المجتمع) والفكر البشري. انه الكتاب الفلسفي ليس للاسلام والمسلمين وحسب، بل ولشعوب الارض كافة. يرى البعض انه بمثابة الدستور في الشرائع الوضيعة لدى الامم، ولكن برأينا انه اعم من ذلك بكثير، فالدستور مهما بلغ من الرقى معرض للخطأ والتعديل ولايوجد دستور على وجه الارض لم يعدل، في حين ان القرآن الكريم كتاب لا يأتيه الباطل ابداً، وهو باق في شكله ومحتواه الى يوم يبعثون «نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون» اضافة الى ان القرآن الكريم في جوهره يتصدى لجميع مشاكل الحياة، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، ولكن على شكل توجيهات أو خطوط عامة، ولايدخل في التفاصيل الا في العقائد على حين انه يجمل الحقوق والعبادات والمعاملات مثل الصلاة والزكاة والعقود والتملك، وهذا الاجمال يضيف مزايا جديدة للقرآن الكريم على مزاياه الاخرى الاعجازية سواء من ناحية البلاغة أو الحكمة أو العلم أو المعرفة، ويقدم هذا الأجمال مرونة في مجال التطبيق العملي تتناسب والازمنة والظروف المختلفة. ولاشك ان المرونة من خلال الفهم الدقيق لجوهر الاسلام وروح القرآن تستطيع مجاراة العصر، والتكيف مع الظروف المستجدة فمثلاً، في السياسة، نص القرآن الكريم على مبدأ الشورى، وهو مبدأ عام وسام في الحياة السياسية وهو ارقى واعم قيماً من أفضل النظم الديمقراطية الحالية، ان هذا المبدأ (الاجمالي) يقرر على ان شكل الحكم ليس مهماً انما المهم المضمون، فلا يهم شكل الحكم ان كان ملكيا أو جمهورياً، نيابياً أو رئاسياً، انما المهم الا يكون استبدادياً، أو ديكتاتوريا «وامرهم شورى بينهم»، «وشاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل على الله»، آيتان كريمتان واضحتان، لاتقبلان الجدل، تؤكدان على الجماعية السياسية، وكذلك القضاء، فالاصل فيه هو «اقامة العدل» وليس المهم شكل القضاء ودرجاته، وفي الاقتصاد فقد رسم القرآن الكريم الخطوط العامة للقضايا الاساسية وبالطبع أهم قضية اقتصادية على الاطلاق شكل الملكية وإدارة الانتاج وتوزيع الناتج، فقرر القرآن الكريم بآيات عدة ان الملكية في الاسلام «ملكية استخلافية» وهي في رأينا تفوق وتميز كل اشكال الملكيات التي وجدت في العصور المختلفة فلا هي بالملكية الفردية المطلقة المتطرفة واحياناً الظالمة ولاهي بالملكية الجماعية المثبطة للحوافز، والمتراخيه في الهمة والنشاط في احيان كثيرة، ان شكل توزيع الناتج وانظمة التوزيع الاسلامية كثيرة ومتعددة لدرجة انه يندر ان يوجد نظام توزيعي وضعي آخر مشابه أو قريب لها سنتطرق الى كل ذلك ان شاء الله في الحلقات المقبلة. واخيراً فان المرونة هذه والعمومية تقدم تفسيرات مختلفة وهذا الاختلاف في التفسير يجب الا يفهم بأنه عجز بل العكس هو الصحيح، انه ميزة كبرى يقدمها القرآن والاسلام لان ذلك يعد ثروة فكرية كبرى، ان الاختلاف الكائن الوحيد في نظر الاسلامي هو الاختلاف في العقائد، وفي رأينا ان هذا الرد كاف على أقوال البعض وبالاخص المستشرقين الذين يعتبرون تعدد المذاهب الاسلامية نقطة ضعف في الاسلام. السنة النبوية تعرف السنة النبوية الشريفة بأنها كل قول أو فعل أو تقرير وهذا التعريف يكاد يجمع عليه كل أهل الفقه من الجماعة، ويعني ذلك بانها كل ما جاء منقولاً عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وينسحب المعنى ايضاً ليشمل التطبيق العملي الاسلامي في حياة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)والمقصود بالتقرير هنا في التعريف السابق هو كل ما اقره النبي (صلى الله عليه وسلم) من افعال أو حوادث جرت امامه أو سمع عنها. ان السنةالنبوية تابعة للقرآن الكريم ولاتخرج عن مبادئة من جهة، ومن جهة ثانية تستقل في حدود نظرتها ولكن حتى هذه الاستقلالية تكون انطلاقاً من النظرة الكلية للقرآن الكريم وشموليته للحياة اذن فهي من جهة تابعة ومن جهة اخرى تكون احياناً مستقلة. الاجمـاع هو اتفاق الفقهاء «المشهود لهم بدقة اجتهادهم وصحته» في عصر على حكم ما، ومن اقوال الرسول (صلى الله عليه وسلم) «لاتجتمع امتي على ضلالة» والاجماع اذا اجتمع على حق لابد ان يستند على دليل شرعي نابع من القرآن الكريم أو السنة النبوية، والمثل البارز على الاجماع في الاسلام ما استقر عليه الرأي في التعامل مع ارض العراق بعد فتحها زمن الخليفة عمر (رضى الله عنه). القياس هو الحاق امر بآخر في الحكم الشرعي لاتحاد بينهما في العلة، ويعتبر القياس من اغزر المصادر الفقهية وكثيراً ما يرجع اليه خاصة في المعاملات ـ والتي تضم تسعة اعشار الفقه الاسلامي ـ مثل البيع والايجار والوقف والوصية. بقلم: أ.د محمد عارف كيالي