توضح البيانات المنشورة في عدد كبير من المراجع الاحصائية ان قيمة الصادرات العربية البينية تتناقص ولاتتزايد، تسوء ولا تتحسن، ولا تساير حتى التنمية الطبيعية للسكان، وقد بلغ النقص بين عامي 1997، 1998 على سبيل المثال حوالي 6.3% بينما انخفضت الواردات العربية البينية خلال نفس السنتين بمعدل 2.3%، حيث بلغت الصادرات البينية في عام 1998 حوالي 14.6 مليار دولار أمريكي من جملة الصادرات العربية البالغ قيمتها 134 مليار دولار أمريكي، بينما بلغت الواردات البينية 12.6 مليار دولار أمريكي اي بنسبة 9% من اجمالي الواردات الخارجية للدول العربية والبالغ قيمتها 147.5 مليار دولار أمريكي. هذه النسب هي السائدة منذ عشرات السنين لم تتحرك ولم تتزايد، رغم المطالبات العديدة بدعم التعاون الاقتصادي العربي وتفعيله، ورغم التزايد الكبير في سكان المنطقة العربية، وهو ما يثير التساؤل عن أسباب التردي في قيمة التجارة العربية البينية بالرغم من اتساع حركة التجارة الخارجية العالمية وزيادة التبادل التجاري الاقليمي في كثير من مناطق العالم والتي أدت الى نجاح التنظيمات الاقتصادية الاقليمية خارج الدول العربية. ولاشك ان تناقص التبادل التجاري بين الدول العربية يؤكد عدم جدية التعاون الاقتصادي العربي الذي بدأ بقوة في الخمسينات، ثم أخذ يتردى تدريجياً ولم نعد نسمع عن انجازات مؤكدة له الا في الخطب السياسية وفي الاجتماعات الرسمية، وفي المؤتمرات العربية المشتركة، كما ان انشاء منطقة التجارة العربية الحرة التي انشئت منذ ثلاث سنوات ولم ينفذها الا حوالي أربع عشرة دولة، فهو نجاح محدود لايصل الى مستوى طموحات الشعب العربي التي ينتظرها بعد ان تفكك الى 22 دولة، كان يمكن لو توحدت ان تصل الى مستوى الولايات المتحدة الأمريكية. ان التبادل التجاري الدولي يمكن ان ينتعش اذا ما توافرت شروط هذا الانتعاش وفي مقدمتها حاجة الدول الى سلع لاتنتجها، أو تنتجها بكميات لاتكفي الاستهلاك المحلي، مع ضرورة توافر الأموال التي تشتري بها هذه السلع، وهما عاملان رئيسيان لزيادة التبادل التجاري بين الدول المختلفة، وان كان من الضروري ان يصاحبهما عوامل فرعية كسعر السلعة وجودتها والقيود التجارية والجمركية على تبادلها.. الخ، وهي عوامل تحدد التوجه التجاري للدول التي تنتج هذه السلعة، خاصة وانها في الغالب تنتج عند أكثر من دولة، قد تكون عربية وقد تكون أجنبية. واذا كانت الدول العربية لم تدرس أسباب تناقص التبادل التجاري العربي البيني، فإن ذلك يرجع الى عدم الاهتمام بتغليب المصلحة العربية على المصلحة الاجنبية، وعدم توافر رؤية مستقبلية في هذه الدول، وهو ما أدى الى عدم انشاء سوق عربية مشتركة خلال النصف قرن الأخير بالرغم من صدور قرار انشائها في عام 1964، خاصة وان انشاء هذه السوق كان يمكن ان يؤدي الى توجهات تجارية عربية تختلف تماماً عن التوجهات الحالية وان ترفع نسبة التبادل التجاري العربي البيني في مجموع التجارة الخارجية للدول العربية من 9% الى 50% على الأقل كما حدث في السوق الأوروبية المشتركة. وبتحليل العاملين الرئيسيين للتبادل التجاري وهما الحاجة الى السلعة ودفع قيمتها، نجد ان العامل الأول يتزايد مع زيادة سكان الدول العربية الذي ارتفع على سبيل المثال من 230 مليون نسمة في عام 1991 الى 270 مليون نسمة في عام 1998 أي بنسبة تزايد تصل الى حوالي 3% سنوياً وهو ما ادى الى زيادة جملة واردات المنطقة العربية من 105 مليارات دولار عام 1991 الى 147.5 مليار دولار أمريكي عام 1998. وهذه الزيادة في الواردات التي وصلت الى حوالي 50% في حوالي سبع سنوات فقط، اتجهت الى العالم الخارجي بعيداً عن المنطقة العربية، وكان يمكن لو اتجهت الى الدول العربية ان تؤدي الى حركة انتعاش اقتصادي عربي يساعد على تنمية الدول العربية، وعلى معالجة المشاكل الاقتصادية التي تواجهها، بل كان يمكن ان يؤدي الى تكوين الكتلة الاقتصادية العربية التي تقف أمام كل الاعداء وفي مقدمتهم اسرائيل التي تعبث بكل المقدسات العربية دون استحياء ولا خوف. ولاشك ان توجيه التجارة الخارجية للدول العربية الى العالم الخارجي وبهذه النسبة المتزايدة يعود الى عوامل عديدة بعيداً عن التعاون الاقتصادي العربي الذي اصبح يتم بالكلام والشعارات فقط، وقد تمثلت أهم العوامل التي أدت الى التوجهات الاجنبية للدول العربية في تجارتها الخارجية، في جانبين: جانب سياسي، وجانب نقدي ومالي. الجانب السياسي كان نتيجة علاقات دولية فرضتها الانظمة السياسية للدول الكبرى، فالاتحاد السوفييتي حاول أن يكون له الجانب الأكبر في العلاقات التجارية والاقتصادية مع الدول العربية، بما يؤدي اليه ذلك من سيطرة سياسية تدريجية على هذه الدول، معتمداً على فكرة ترويج مؤداها ان النظام الاشتراكي هو أنسب الانظمة التي تناسب الأوضاع الاجتماعية لهذه الدول، بعد ان سيطر عليها الاقطاع منذ عهد العثمانيين وخلق فيها طبقة فقيرة أصبحت النسبة الغالبة من السكان العرب. وقد نجحت السياسة السوفييتية الشيوعية التي قامت على هذا الافتراض مع بعض الدول العربية كمصر وسوريا والعراق وليبيا، وخاصة في مجال التجارة الخارجية بدعوى معاونة هذه الدول على تنفيذ خطتها التنموية وزيادة المشروعات الصناعية التي تعتمد أصلاً على سلع رأسمالية وسلع وسيطة، مع مساعدة الخبراء والفنيين الروس، وقد فرض الاتحاد السوفييتي على مصر بعض المشروعات التي أصبح من الصعب التخلص منها حتى الان عن طريق الخصخصة أو غيرها، ومازال الأمر يتطلب استمرار استيراد السلع الوسيطة لهذه المشروعات وان كانت قد انخفضت بعض الشيء. وقد أدى ذلك التخطيط الخاطيء على سبيل المثال الى زيادة واردات مصر من 4860 مليون دولار أمريكي في عام 1980 الى 11739 مليون دولار أمريكي في عام 1995 «احصائيات تقرير التنمية في العالم 1997 التي يعدها البنك الدولي» كما وصلت جملة المدفوعات عن الواردات الى 13182.6 مليون دولار أمريكي في 99/2000 أي بزيادة ثلاثة أضعاف كانت عليه في الثمانينات وكانت النسبة الغالبة لهذه التحويلات للسلع المستوردة من الاتحاد السوفييتي. وقد كانت المعونة الأمريكية أحد العوامل الرئيسية التي أدت الى التحولات التجارية للدول العربية، كما كانت سبباً رئيسياً في توقف التنمية في مجال التبادل التجاري بين الدول العربية، وذلك نتيجة للشروط القياسية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على بعض الدول العربية خاصة لمصر، وقد وصف بعض الاقتصاديين العرب المعونة الأمريكية بأنها من الولايات المتحدة الأمريكية واليها. لقد وصلت قيمة المعونات الأمريكية الى مصر منذ بدايتها في عام 1975 وحتى الان الى ما يقرب من 21.1 مليار دولار أمريكي تم استخدام أغلبها في الواردات الاستهلاكية أو في مشروعات كانت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في مصر تحددها، وبالرغم من تقليص المعونة الأمريكية الخارجية في الوقت الحاضر فإنه حفاظاً على مصر كشريك تجاري للولايات المتحدة الأمريكية، فقد قررت الولايات المتحدة الأمريكية استمرار هذه المعونة خلال العشر سنوات المقبلة وان كانت قد خفضتها سنويا الى 750 مليون دولار أمريكي هذا العام وبواقع 40 مليون دولار سنوياً. لقد انتشرت التسهيلات الائتمانية التجارية في النصف قرن الأخير تحت مسمى تسهيلات الموردين وتسهيلات المشترين والقروض النقدية المباشرة وغيرها من الوسائل التي ساعدت على زيادة صادرات الدول المتقدمة اقتصاديا الى الدول النامية والفقيرة، وكلنا نعلم ماذا فعلت الديون الخارجية للدول الفقيرة والنامية والتي كان من بينها الدول العربية، حيث أدت الى انخفاض كبير في التبادل التجاري بين الدول العربية، وهو انخفاض لم يأخذ حقه في دراسة أسبابه ولا في التعرف على العوامل التي أدت اليها، بالرغم من الزيادة التدريجية في عدد المنظمات العربية المشتركة، وخاصة تلك التي اختصت بتنمية التبادل التجاري العربي البيني. على أن هناك سببا آخر ساعد على عدم تنمية التجارة العربية البينية، يتمثل في انتشار الشركات المتعددة الجنسية الأجنبية في الدول العربية، وهي الشركات التي كانت تقوم بالتبادل التجاري بالتوازي مع انشاء المشروعات الاستثمارية التي تقوم أصلا باستيراد احتياجاتها من الدول الأجنبية، وحتى اليوم مازال الكثير منها يخلق الحاجة الملحة لدى المستهلكين من ابناء الشعب العربي ليتعودوا على سلع أجنبية مستوردة وليست محلية، وسواء أكانت سلعة ضرورية أو غير ضرورية كما لا يتعين ان نغفل اتفاقية منظمة التجارة العالمية (الجات) التي انضم اليها أكثر من نصف الدول العربية والتي تدعو الى زيادة التجارة بين دول العالم المختلفة دون تمييز. صحيح ان اتفاقية منظمة التجارة العالمية لاتهدف الى الوقوف ضد تنمية التجارة العربية البينية ولاحتى ضد التجارة البينية للتنظيمات الاقليمية التي أثبتت نجاحا على الصعيد العالمي ومنها السوق الأوروبية المشتركة، ولكنها تهدف الى تنمية التجارة الخارجية على الصعيد العالمي دون تفرقة بين منطقة واخرى، وذلك بمعاونة الدعاية المكثفة وبالاعلان عن طريق كافة وسائل الاعلام وبالاتصالات الحديثة والتكنولوجيا والتجارة الالكترونية. أقول ان العوامل التي أدت الى عدم زيادة التجارة العربية البينية في النصف قرن الأخير والى عدم تفعيلها بين الدول العربية، هذه العوامل يتعين اعادة النظر فيها وتقليص فرصتها في القيام بدورها السلبي ضد التجارة العربية البينية، وهو ما يتطلب البحث عن عوامل دفع مضادة لتعويض هذه السلبيات ـ عوامل جديدة وغير تقليدية ومختلفة تماما عن المبررات التي تعتمد على الشعارات والنظريات، وعلى الخطب السياسية الفارغة. بقلـم: يحيـى المـصـري مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية