مازال موضوع التجسس الاقتصادي بأخذ بعداً مهماً وأهمية كبرى لدى صناع القرار الاقتصادي في مختلف الدول ولاسيما لدى الدول الصناعية في ظل الرغبة والنزعة الى السيطرة والهيمنة والقيادة الاقتصادية في عالم يشهد صراعاً اقتصادياً محتدماً وشديداً، واذا كنا قد تناولنا في الحلقة الماضية الأسباب والدوافع والأهداف لهذا التجسس أو الفعل فإننا نحاول هنا الاشارة الى وسائل وآليات دول التجسس الاقتصادي. ان دول العالم الصناعي وفي اطار سعيها للتجسس الاقتصادي تبذل جهوداً كبيرة وتنفق اموالاً ضخمة وترصد ميزانيات كبيرة لهذا النشاط التجسسي من اجل تحقيق اغراضها من التجسس وأهدافها الاستراتيجية طويلة المدى، وهي من اجل تنفيذ مخططاتها التجسسية تلك تعمد الى وسائل وآليات وطرق مشروعة وغير مشروعة، وهي لاتتوانى عن تجنيد شبكة من العاملين في المؤسسات الاقتصادية للدولة المستهدفة سواء كانوا مواطنين يحملون جنسية الدولة نفسها أو من جنسيات اخرى كما هو الحال بالنسبة للدول الخليجية التي يعمل فيها عدد كبير من جنسيات عديدة. وحيال هذا الأمر فإنها تقدم المغريات والمكافآت والاجور العالية، وكثيراً ما نسمع ان رئيساً في مجلس إدارة شركة كبرى، أو مسئولاً تنفيذياً في مؤسسة اقتصادية أو شركة كبرى في احدى الدول قد وقع في فخ شبكة مكافحة التجسس الاقتصادي بعد ان تم اكتشافه كعميل لصالح دول اخرى وانه متورط في شبكة تجسس اقتصادي اجنبية وانه يوفر معلومات وبيانات اقتصادية عن مشاريع الشركة أو المؤسسة والتي تخدم أهداف التجسس المخطط له من قبل دول اجنبية، وسهلت تلك المعلومات والبيانات للدول الاجنبية من اختراق اقتصاد هذه الدولة وربما تدميره من العمق كما حدث في دول آسيا، ودول افريقية اخرى. ومن خلال التقنيات الحديثة والشبكات الالكترونية والانترنت المصنعة أصلاً تمكنت دول التجسس من اختراق اقتصاديات دول العالم الثالث التي لم تشارك في صياغة الفكر التكنولوجي وصناعة الشبكات تلك وانما تعاطت لتلك التقنيات من خلال التعامل مع شاشات وأجهزة دون معرفة التقنية التي وضعت بالأساس من قبل شركات دول التجسس وهذه الاخيرة تعرف رموز تلك التقنيات دون غيرها. ومن هنا أصبحت دول العالم الثالث خاصة والتي تتعامل مع التقنية الحديثة هذه مهددة في أوضاعها الاقتصادية واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بسبب اقتنائها لشبكات التقنية الحديثة دون معرفة أو المشاركة في صياغة تركيبتها وكثيراً ما نسمع ان هناك فيروساً قد شل حركة العمل في انظمة الحاسب الآلي في مؤسسة حكومية أو شركة اقتصادية وانتاجية كبرى أو مصرف تجاري ما، ورأينا كم هي المبالغ التي دفعتها دول العالم الثالث لمواجهة مشكلة مفتعلة والتي اطلق عليها بـ (علة القرن) وبالتالي حجم المبالغ التي حصدتها الشركات المصنعة لشبكات الكمبيوتر من جراء تسويقها ونجاحها في تسويق علة القرن هذه، وكم عاش العالم الثالث قلقا حقيقياً في نهاية العام 1999. لقد أصبحت دول العالم الصناعي أكثر هيمنة وسيطرة على اقتصاديات العالم الثالث وعلى الاقتصاديات الاخرى بحكم امتلاكها لوسائل التجسس الاقتصادي الحديثة سواء البشرية من خلال تجنيدها لكوادر مدربة ومهيئة وقادرة أو من خلال امتلاكها لزمام الامور في أجهزة التقنية الحديثة، وهي بالتالي امتلكت مفاتيح الفصل الاقتصادي في شركات ومؤسسات ودوائر الانتاج في مختلف دول العالم، ولم يعد هناك فكاك لدول العالم الثالث ومنها دولنا العربية من الهيمنة التجارية والتبعية الاقتصادية في ظل الاستسلام التام في مواجهة فعل الدول الكبرى ضد دولنا في هذا العالم. لقد اصبحت دولنا العربية جزءاً من الدول الخاضعة لشبكات التجسس الاقتصادي التي صنعتها دول النفوذ الكبرى حينما أصبحت دولنا أكثر قابلية لزرع عناصر التجسس الاقتصادي فيها سواء من خلال مواطنين ينتمون للدول العربية، أو لمواطنين عرب تم زرعهم كجواسيس يعملون لصالح دول التجسس الاجنبية، أو من خلال مراكز البحوث والمعلومات التي أصبحت تخدم أهداف التجسس الاقتصادي للدول الاجنبية. ولقد اتخذ التجسس الاجنبي في اقتصادياتنا العربية اشكالا عديدة منها ما جاء على هيئة تجسس اقتصادي على أسواقنا سواء سوق الانتاج، أو سوق الاستهلاك ونتيجة لذلك أصبحت اسواقنا مشرعة امام السلع والمنتجات الاستهلاكية المصنعة في بلاد الغرب خاصة وأصبحت هذه السلع تزاحم السلع والمنتجات الوطنية بل تخرجها احيانا من السوق وأصبحت اسواقنا وخاصة الخليجية مشرعاً للسلع والمنتجات الاجنبية التي في كثير من الاحيان فقيرة الجودة، أو مقلدة وامام تزايد السكان واستشراء الاستهلاك وغياب الوعي الاستهلاكي والاقتصادي أصبح المواطن العربي يشتري سلعاً يكتشف في بعض الاحيان انه لا حاجة له فيها. ولم يكن هدف التجسس الاقتصادي الاجنبي في دولنا العربية من خلال انتهاجه لهذا الشكل من منطلق تسويق منتجات دولة فحسب، وانما بضرب اي محاولات للتنمية الاقتصادية، أو التخلص من التبعية، وتحقيق الاستغلال الاقتصادي، وأصبحت أسواقنا مغرقة بالمنتجات والسلع الاجنبية فيما يتراجع الانتاج المواطن امام الواردات الاجنبية التي أصبحت تتدفق وبشكل كبير وأصبح الميزان التجاري يميل وبحدة لصالح دول أجنبية مارست تجسسها الاقتصادي في دولنا ونجحت. وهاهي أسواقنا مشرعة امام السلع الاجنبية، وها هي صناعاتنا ومنتجاتنا تسجل فشلاً ذريعاً من جراء المنافسة غير المتكافئة، فيما سجلنا نحن العرب عجزاً كبيراً امام تسويق منتجاتنا وسلعنا في أسواق الدول الكبرى!! وتأكد لنا بأن في ظل هذا العجز والاستسلام التام له فإن مشاركتنا في ساحة الانتاج الاقتصادي خلال الألفية الثالثة سوف تكون مشاركة هامشية، وهذه احدى نتائج افساح المجال امام التجسس الاقتصادي الاجنبي كي يمارس فعلته في الاقتصاد العربي دون ان يجد مقاومة حقيقية فعلية، وفيما فشل العرب في معرفة حقيقة التطورات الاقتصادية في المنطقة والعالم، نجد ان (اسرائيل) استطاعت ان تسجل اختراقاً حقيقياً للأسواق العربية حينما تمكنت من ايصال سلعها الى المستهلك العربي سواء بشكل مباشر بتصديرها لهذه السلع الى أسواق عربية، أو بشكل غير مباشر من خلال حرص المستهلك العربي على شراء سلع (اسرائيلية) من أسواق أوروبية أو أمريكية أو حتى (خليجية)، بعد أن أصبح مدمنا لهذه السلع متجاوزاً لحدود الانتماء العربي، والعداء الاسرائيلي للعرب. اما الشكل الآخر للتجسس الاجنبي في دولنا العربية فقد جاء على نحو زرع دول التجسس لعملائها من الخبراء والمستشاريين وشركاتها واستثماراتها بهدف اختراق المجتمع الاقتصادي العربي ومحاولة تخريب محاولات التنمية والتطور واي استراتيجية يتم وضعها من قبل دولنا في اطار السعي نحو تحقيق هدف التخلص من التبعية، وقد جندت دول التجسس خبراء اجانب ينتمون لها أو عملاء عرب موالين لها ويعملون لحسابها ويعملون في مؤسسات اقتصادية وشركات انتاجية وسواء في المستوى التنفيذي أو الاشرافي أو حتى في الوظائف الدنيا وتمكن هؤلاء العملاء من الحصول على معلومات وبيانات كافية وتصديرها للدول التي تدفع لهم، واستغلت دول التجسس أصحاب الحاجة أو ذوي النفوس المريضة في تجنيدهم كعملاء يعملون لصالحها على الرغم من انفتاح أسواقنا ومؤسساتنا. ثم جندت تلك الدول عدداً من بعثات المنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمنظمات التي تسير في فلك هاتين المنظمتين أو المنظمات التابعة للأمم المتحدة بهدف قيام هذه البعثات بتزويد دول التجسس عن ادق التفاصيل عن أوضاع اقتصادياتنا العربية لاسيما ونحن العرب نشرع دوماً سجلاتنا وملفاتنا لتلك البعثات لاستقاء المعلومات الهامة منها ومناقشتها دوماً في خططنا واستراتيجياتنا وطموحاتنا وأهدافنا المستقبلية دون ان ندرك حقيقة تلك البعثات التي تخدم أهداف دول التجسس الاستعمارية والتي سوف تحول كما كانت دوماً من تنمية اقتصادنا العربي!! بقلم: نجيب عبدالله الشامسي