لايمكن أن يكون التناقض بين مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي أوضح ما هو عليه الان. فأحدهما يلجأ الى تخفيض أسعار الفائدة بشكل هجومي، والآخر قام فقط بتخفيض أسعار الفائدة بتردد كبير بمعدل ربع نقطة مئوية، لكن الحجم الصغير للتغيير والضغط الخارجي الذي احتاجه للوصول الى هذا التخفيض الضئيل يشيران الى انه لايعي ما يحدث للاقتصاد العالمي. لقد قام البنك المركزي الأوروبي بخفض مستوى توقعاته للنمو الاقتصادي الأوروبي مرتان في عام 2001. ففي بداية خريف عام 2000، كان يتوقع نمواً اقتصادياً بمعدل 3.6%. وبحلول بداية العام 2001، تم تخفيض ذلك المعدل الى 3.2%. وقبل وقت قصير فقط تم تخفيض ذلك المعدل من جديد الى 2.8%. والحبل على الجرار! وفي ظل تخلف زمني يتراوح بين ستة الى تسعة أشهر، فان أوروبا مرشحة لان تواجه تباطؤاً دورياً يشبه الى حد كبير التباطؤ الموجود في الولايات المتحدة أي على الأقل ربع واحد بمعدل نمو يبلغ 1% أو أقل. ومن الممكن ان يكون أعمق من ذلك بسهولة. ومع ذلك، فان البنك المركزي الأوروبي يكتفي بالجلوس هناك دون ان يحرك ساكناً. كان البنك المركزي الأوروبي مصيباً في اشارته الى ان الآثار المباشرة من التباطؤ في أمريكا ستكون طفيفة، فمعدل النمو في الصادرات الأوروبية الى الولايات المتحدة سيتباطأ وقد يشهد هبوطاً، ولكن نظراً لان جزءاً بسيطاً فقط من الانتاج الأوروبي يتم تصديره الى الولايات المتحدة، فان الآثار المباشرة لايمكن ان تكون كبيرة. وبالمقارنة، فان الآثار المباشرة ستكون أكبر بكثير في الدول الآسيوية نظراً لأنها أكثر اعتماداً على مبيعات الصادرات في أمريكا، وقد شهدت كوريا الجنوبية ربع سنة بنتائج سلبية. ويبدو ان تايوان تغوص بسرعة بسبب انخفاض الصادرات ووجود أزمة مالية داخلية في قيم العقارات. وفي حين كان البنك المركزي الأوروبي مصيباً فيما يتعلق بالآثار المباشرة، إلا انه أخطأ في رضاه عن النمو الأوروبي. ويبدو انه لم يدرك ان العوامل نفسها التي سببت التباطؤ الأمريكي ستسبب تباطؤاً أوروبياً. وفي أمريكا إصطدم الاستثمار في المصانع والمعدات بجدار على حين غرة. فبعد ارتفاعه بمعدل 69 مليار دولار للربع الواحد منذ الربع الثالث من عام 1999 وحتى الربع الثاني من عام 2000، لم يرتفع الاستثمار إلا بمعدل 3 مليارات دولار للربع الواحد خلال الربعين الأخيرين من العام 2000 والربع الأول من عام 2001. وأدى هذا التوقف المفاجيء في الاستثمار بمجال الأعمال الى هبوط في معدلات النمو الأمريكية من ما يقارب 6% الى 1%. وبالنسبة لشركات الأعمال، فان قيمة الاستثمارات يمكن استرجاعها بطريقتين. فعلى المدى الطويل، يتوقع ان تكسب الاستثمارات في المصانع والمعدات أرباحاً كافية تدر على المستثمرين معدلات جيدة من العوائد المالية. ولكن على المدى القصير، فان الاستثمارات في المصانع والمعدات يمكنها استرجاعها أيضاً إذا رأى أولئك الذين يستثمرون أنفسهم وقد كوفئوا على الفور بأسعار أعلى في سوق الأسهم. وهذا هو بالضبط ما كان يحدث حتى ابريل من عام 2000. فأولئك الذين استثمروا أكثر من غيرهم في المصانع والمعدات إعتبروا الرابحون المستقبليون في صناعاتهم وأسعار أسهمهم ارتفعت أكثر من غيرها وبوجود أسعار أعلى للأسهم، كان بمقدورهم أن يتحملوا استثمار المزيد وأن يكونوا من المكافئين مرة اخرى. لم يكن تأثير سوق الأسهم هذا على الاستثمار أقوى مما هو عليه في قطاع الاتصالات. وسيكون أولئك الذين استثمروا مبالغ طائلة في البنية التحتية المطلوبة لخدمات اتصالات جديدة هم الكاسبون الكبار في المستقبل. فقد ارتفعت أسهمهم. ولكن عندما تنخفض قيم سوق الأسهم، فان الشيء الوحيد الذي يؤخذ بعين الاعتبار هو الأرباح المستقبلية المتوقعة ولكن هذه تأتي فقط، هذا ان أتت من أصله، بتأخير زمني كبير. واذا كان المرء لن يكافأ على الفور بأسعار أسهم أعلى، فان الوتيرة الصحيحة للاستثمار في البنية التحتية للهاتف تصبح أبطأ بكثير مما كانت عليه من قبل. ويزداد تأثير التباطؤ هذا تعقيداً بحقيقة أن أسواق الأسهم تعاقب أولئك الذين يقومون باستثمارات كبيرة. فالديون التي تحملتها الشركات للقيام بهذه الاستثمارات الكبيرة ينظر اليها باعتبارها عبئاً على النجاح المستقبلي. وما درج العرف على مكافأته بات الان يعاقب. وفي أوروبا، سيكون التباطؤ في الاستثمارات بقطاع الاتصالات أقوى مما كان عليه في الولايات المتحدة. ولقد نظم الأوروبيون مزاداتهم للجيل الثالث من تراخيص الهاتف (هذه المزادات لم تحدث حتى الان في أمريكا). ولقد اختفت العلاوات الكبيرة في سوق الأسهم التي ذهبت الى الفائزين وشركات الاتصالات الأوروبية غرقت الان في الدين الذي جلبته على نفسها للفوز بهذه التراخيص. وفي حين يعتبر التباطؤ الاقتصادي في أوروبا عرضة لان يكون بعمق التباطؤ في الولايات المتحدة وربما أعمق من ذلك، فان خطر حدوث تباطؤ طويل الأمد يعتبر أقل على الأرجح. وان ما يتعين ان يقلق مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي هو الركود الاقتصادي المطول الناجم عن نشر تأثير الثروة. في عام 1992 وفرت الأسر الأمريكية 9% من دخلها. وفي عام 1996 وفرت 5% من دخلها. أما في عام 2000 فلم يوفروا شيئا (كانت النتيجة سلبية فنياً)، والطريقة الوحيدة لتفسير هذا التراجع الحاد هي في الذهاب الى القول بأن الأمريكيين شعروا أنهم أكثر غنى مع ارتفاع قيم سوق الأسهم. وكانوا قد حققوا أهدافهم الادخارية، ونتيجة لذلك كانوا مستعدين لانفاق دخلهم بالكامل. غير أنه مع التراجع في سوق الأسهم خلال العام الماضي، مسح ما يزيد على 5 تريليونات دولار من الثروة. ولابد أن هناك الكثير من الأسر من اعتبرت نفسها ثرية العام الماضي واكتشفت انها ليست كذلك هذا العام. ونتيجة لذلك، فان هذه الأسر ستضطر للعودة الى ادخار جزء من دخلها. وهذا يعني تخفيض إنفاقها الاستهلاكي، وعندما تفعل ذلك، فان التباطؤ لا يصبح فقط تخفيضاً حالياً في الانفاق الاستثماري وانما يصبح أيضاً تخفيضاً مستقبلياً في الانفاق الاستهلاكي. وينجم عن تأثير الثروة السلبي هذا تباطؤاً أطول بكثير مما كان يمكن ان يحدث لو كانت القضية الوحيدة هي الاستثمار المفرط. لن يكون لهذا التأثير الاستهلاكي الاضافي المستقبلي وجود في أوروبا نظراً لأن معدلات الادخار لم تنخفض، فأسواق الأسهم لم ترتفع حيث ان شريحة صغيرة جداً من السكان هي التي تملك الأسهم. وفي أوروبا لا يوجد تأثير ثروة ايجابي لكي يتحول الى تأثير ثروة سلبي. لكن هذا يترك أوروبا مع ذلك تعاني من تباطؤ أولي سيكون أعمق قليلاً من التباطؤ الموجود في الولايات المتحدة. ومع الأخذ بعين الاعتبار تراجع الاقتصاد الياباني ونمو الاقتصاد الأمريكي ببطء أكبر، فان ذلك التباطؤ الأولي سيمتد بسهولة اذا لم يقم البنك المركزي الأوروبي بتخفيض أسعار الفائدة. فالوقت المناسب لتخفيض أسعار الفائدة لايكون بعد حدوث التراجع وانما قبل حدوثه. وأسعار الفائدة تؤثر على الاقتصاد بتخلف زمني، واذا انتظر المرء حتى يحدث التراجع، فان الأوان يكون قد فات لوقف التراجع وغالباً ما يكون قد فات أيضاً على تقصير طول فترة التباطؤ الاقتصادي.