بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية خروج الاستعمار الغربي من الدول العربية، حدثت اجتماعات عربية على مستوى عال للنظر في مستقبل المنطقة العربية التي كان الاستعماران الانجليزي والفرنسي يسيطران عليها بعد انتهاء حكم العثمانيين، ونجحت هذه الاجتماعات في انشاء جامعة الدول العربية التي فشلت حتى الان في إقامة تنظيم عربي إقليمي يوصل الى وحدة أو اتحاد فيدرالي، أو حتى اتحاد كونفدرالي في خلال نصف قرن. لقد كان قيام جامعة الدول العربية وصياغة بروتوكول الاسكندرية في أكتوبر 1944، ثم المباديء التي تضمنها ميثاقها الذي تم صياغته في مارس 1945، ثم توقيع معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول جامعة الدول العربية عام 1950 كان ذلك يدل بوضوح على غياب فكرة الوحدة العربية أو حتى الولايات العربية المتحدة التي كان القوميون العرب يدعون اليها ويأملون في تحقيقها وتم الاكتفاء بالتعاون فقط، أو كما أطلق عليه البعض حينئذ «التعاون الوثيق» وتوضح النقاط التالية ذلك: ـ ان بروتوكول الاسكندرية كان ينص فقط على أنه لايجوز لأي دولة عربية ان تنتهج سياسة تضر بسياسة الجامعة العربية أو سياسة دولة عربية اخرى. ـ انتشار المطالبة بالمزيد من التنسيق والتكامل بين البلدان العربية علماً بأنه لم يكن هناك لاتنسيق ولا تكامل، وقد استمر ذلك الوضع حتى الان بالرغم من الاجتماعات العديدة. ـ ينص الميثاق على ان التكامل والتوحيد هما طريق الأمن العربي والتنمية العربية الشاملة، وهي عبارة عامة لم يعد لها اتفاقيات ملزمة ولاخطة محددة حتى الان. ـ اضفاء طابع التعاون غير المحدد على العلاقات بين الدول العربية، وهو ما كان يسمى بالدول العربية بالدور التعاوني غير العشوائي للجامعة والذي لم توضع له خطوات تنفيذية. ـ المجلس الاقتصادي العربي الذي نشأ بموجب معاهدة الدفاع المشترك لم توضع له أهداف يصل اليها بل طلب منه ان يعمل على التعاون الاقتصادي والتنسيق دون تحديد!! وظل الوضع العشوائي على ذلك، أي دون تحديد خطوات وحدوية معينة، الى ان نشأ مجلس الوحدة الاقتصادية العربية الذي جاء عام 1957 لتنفيذ الأهداف التي أوردتها مادته الأولى والتي تعتبر بحق من الأهداف التي كان يمكن ان تحقق دولة عربية متحدة اقتصادياً تبث رأيها وتنشر مبادئها وتدافع عن حدودها وتستطيع الوقوف بقوة ضد من يعتدي عليها، ولكن قيام اسرائيل وتلاعبها واستهزائها بالدول العربية على النحو الذي نشاهده الان، يعتبر أكبر دليل بأن هذه الأهداف لم يتحقق شيئاً منها. لم يتحقق أي هدف وحدوي لان الوسائل التي أوردتها المادة الثانية من اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية لم تنفذ، وهي عبارة عن عشر وسائل تم صياغتها بأمانة عربية خالصة، امانة لم تكن تتوقع ما سوف يطرأ على المنطقة العربية من تراخ وعدم اكتراث بالمطالب القومية خشية على المصالح القطرية، لم تتحقق هذه الوسائل ولابند واحد فيها، وهي وسائل الكل أصبح يحفظها!! ولا أتطرق هنا لأسباب عدم تحقيق الوسائل التي كان يمكن ان تؤدي الى قيام وحدة اقتصادية عربية، ولا لأسباب عدم انضمام كامل الدول العربية الى مجلس الوحدة الاقتصادية حتى الان، وان كانت هذه الدول قد ترجع عدم انضمامها بفشل المجلس في تنفيذ هذه الوسائل بالرغم من تعاقب عدد كبير من الامناء عليه، بينما لم يراع أحدهم أهمية تنفيذ هذه الوسائل في تحقيق الوحدة الاقتصادية التي نشأ المجلس من أجل تحقيقها، معللاً ذلك بعدم وجود ارادة سياسية عربية!! حيث كان كل منهم يجلس على المقعد ليأخذ أكبر مزايا مادية ممكنة قبل خروجه، ويخرج بعد ان يكون قد كسب الكثير!! بذلك فشل النظام العربي السائد منذ عام 1945 وتراجع التيار القومي الذي كان متحمساً في فترة سابقة والذي انسحب أمام قوة عربية مضادة وقفت تقاومه وشردت بعضه، وبشكل يفوق ما كان الاستعمار يقوم به ضد المواطنين المطالبين بالاستقلال وانهاء حكم الاستعمار. لقد كان يمكن الاستسلام والقبول باستمرار النظام العربي القائم مع تطويره أو تحديثه، لو لم نشاهد متغيرات دولية خارجية ضاغطة تهب في المنطقة العربية وتضغط على سكانها، وهل يمثل ما تقوم به اسرائيل ضد الفلسطينيين حالياً إلا الذل والاستعباد!! وان الجميع في الخارج أو في داخل المنطقة العربية يشاهدون الوطن بصورته المتردية حيث القتل والضرب والارهاب للفلسطينيين العزل دون عمل شيء جاد!! وبالتالي فإن النظام العربي الحالي مطلوب تغيره، عن طريق الأسرع بإقامة وحدة اقتصادية عربية يخططها وينفذها ويتابعها مجلس اقتصادي عربي مشترك يضم في قمته مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ويندمج معه المنظمات العربية المتخصصة التي تعمل في المجال الاقتصادي العربي الذي يجتمع دورياً ومن أهم أعماله دراسة وتقييم ما وصل اليه الاتحاد الاقتصادي العربي. يحيى المصري _ مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية