تطلع الانسان الى الحقائق والظواهر الاقتصادية بعمق منذ أن بدأت المشاكل الاقتصادية تعترض طريق حياته.. وفي الواقع فان المشكلة الاقتصادية بدأت مع الانسان على سطح الارض، في البداية في عصر المشاعية الأولى.. كانت المشكلة فنية تقنية ـ البحث عن وسائل ادامة الحياة فقط، لكن المشكة تطورت مع تطور الحاجات وتزايدها وعندما بدأ الانسان بالاستقرار والتملك، فاصبحت المشكلة اجتماعية بالاضافة الى شكلها القديم (التقني والفني)، وازدادت المشكلة عمقاً واتسعت نطاقاً، نظراً لوجود موارد اقتصادية نادرة نسبياً.. مقابل الحاجات الانسانية غير المحدودة، ومازالت هذه المشكلة قائمة حتى يومنا هذا، والتي بموجبها ينبري علم الاقتصاد بكامله لمحاوله حلها، أو على الاقل تضييق الفجوة بينهما الى ادنى مستوى ممكن. لاشك ان حل المشكلة الاقتصادية تطلب فكراً اقتصادياً يضع علاجاً مناسباً، ان تطبيق بعض السياسات الاقتصادية عند الاقدمين مثلا في الانتاج والتوزيع واستخدام النقود، والتبادل.. الخ ما هي الا طرق لحل تلك المشكلة، بغية الافادة من الموارد الاقتصادية المحدودة وتوزيعها توزيعاً يتناسب مع القيم الاجتماعية والاخلاقية والدينية السائدة آنذاك. ومع تطور الانسان ـ التطور سنة من سنن الحياة ـ وقانون من قوانين الطبيعة والمجتمع والفكر ـ فقد تطور تفكيره عن القوى التي تحكم الظواهر الاقتصادية وتؤثر فيها، بل كان شأنه عند النظر الى الظواهر الطبيعية، واهتدى اخيراً الى تحديد العلاقة التي تحكم القوى في الظواهر الاقتصادية، مثل الانتاج والعرض والطلب والتبادل والاوامر.. الخ بعد ان جردها من الظواهر الاخرى التي كانت عالقة بها، كالظواهر السياسية أو الاجتماعية أو الاخلاقية، وبذلك توصل الى النظريات والقوانين الاقتصادية وهي بداية اكتشاف علم الاقتصاد بمفهومه الحديث. فكان ذلك منذ منتصف القرن الثامن عشر فقط. فالفكر الاقتصادي اذن يدرس التطور الذي لحق بالفكر الانساني حول تحديد القوى التي تؤثر بالظواهر الاقتصادية ومن ثم الكشف عن القوانين التي تحكمها وعن الاجراءات المتخذه للافادة من تلك النظريات والقوانين الموضوعية بعد تفسيرها وتحليلها ومن ثم الاخذ بالمذهب الاقتصادي المرغوب.. وبتعبير آخر فان الفكر الاقتصادي هو بيان نقدي (انتقادي) لتطور الافكار الاقتصادية، باحثاً في اصلها كاشفاً عن دوافعها، وموضحاً لعلاقاتها التبادلية. ومن هذا المفهوم يمكننا التمييز بين عناصر ثلاثة للفكر الاقتصادي وهي النظرية الاقتصادية والسياسة الاقتصادية والمذهب الاقتصادي: ـ النظرية الاقتصادية: هي ذلك الجزء من الفكر الذي يكتفي بتحليل وتفسير الظاهرة الاقتصادية، لمعرفة آليتها والقوى التي تحكمها وتؤثر عليها، بتعبير اخر تجيب عن سؤال لماذا؟ اي لماذا تحدث ظاهرة اقتصادية معينة عند توفر شروط معينة، وبالتالي ما هي العلاقة السلبية أو الدالية أو التركيبية بين الظواهر الاقتصادية المختلفة، وما هو التأثير المتبادل الذي يحدثه عامل من العوامل على العلاقة أو الظاهرة موضوع البحث، ومن امثلة ذلك اكتشاف قوانين العرض والطلب، وقوانين الأسواق ونظريات التجارة الخارجية وقوانين الاحتكار.. الخ، ان علم الاقتصاد بدأ مع اكتشاف هذه القوانين والنظريات في حين ان الافكار الاقتصادية كانت موجودة قبل اكتشاف العلم، وبالطبع هي التي مهدت وسهلت هذا الاكتشاف. ـ السياسة الاقتصادية: هي مجموعة الاجراءات والسبل التي تضعها السلطات العامة بغية تحقيق هدف معين وغاية محددة، فهي اذن غائبة تهدف الى الوصول لأمر مرغوب من وجهة نظر القائمين عليها وليس بالضرورة ان تكون مرغوبة من قبل الناس جميعاً، ان كل التشريعات والقوانين الوضعية التي تهتم بالمشاكل الاقتصادية والتي تسنها الدولة تندرج تحت هذا المفهوم، ان سياسة التدخل لمنع ارتفاع الاسعار أو سياسة الدعم لسلع معينة أو لصناعات معينة أو سياسة الاشغال العامة التي تلجأ اليها الحكومات عادة أيام البطالة.. كل هذه امثلة على السياسة الاقتصادية. ان القوانين الاقتصادية لوتركت تفعل لوحدها كما يدعي المتطرفون من أصحاب المذهب الحر وبدون تدخل في مسيرتها لاحدثت آثاراً سلبية وعلى كافة الاصعدة، لذلك فان اجراءات السياسة الاقتصادية هي بالتحليل النهائي حرف للعملية الاقتصادية عن مجراها التلقائي والعفوي الى مجرى آخر مرغوب المذهب الاقتصادي هو ذلك الجزء من الفكر الذي يقوم الظواهر الاقتصادية ويصدر عليها احكاماً ذات قيمة.. وهذه الاحكام اما تؤيد ذلك الحدث او ترفضه. ان الرفض والتأييد لظاهرة اقتصادية او سياسة اقتصادية معينة يتطلب ادخال عوامل غير اقتصادية في التقويم وهنا تدخل الاعتبارات الاجتماعية والسياسية والاخلاقية والدينية في الحكم على الظاهرة الاقتصادية. ان البشر بطبيعتهم وظروف حياتهم يختلفون في تفضيل قيمة على اخرى. وفي تأييد ظاهرة ورفض اخرى. وذلك نابع من اختلاف تفكيرهم ونظريتهم إلى الحياة من جوانبها الثقافية والسياسية والاجتماعية.. الخ ان نظم الاصلاح المختلفة التي نادى بها الفلاسفة والمفكرون عبر العصور ما هي الا انعكاس لمواقفهم المذهبية الخاصة بهم. ولابد من التنويه بان عناصر الفكر الثلاثة هذه ليست منعزلة عن بعضها اطلاقاً، لكنها مترابطة مع بعضها بحيث يصعب احياناً الفصل بينها.. بل ان الفكر الاقتصادي لا يعيش وينمو وحده مجرداً عن الفكر الانساني العام.. ان النظرية الاقتصادية ما هي الا نتاج فكري معين تبدأً في الذهن وعند تطبيقها على الواقع تصبح مذهباً اقتصادياً وأداة التطبيق هي التشريع ـ او السياسة الاقتصادية ـ ولا شك ان هناك مذاهب اقتصادية متعددة كانت ومازالت حتى يومنا هذا.. منها مذاهب حرة ومنها مذاهب جماعية ومنها فردية واخرى مختلطة. وبرأينا انه لم تبذل جهود علمية هامة لتحديد طبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي الذي كان سائداً في العالم الاسلامي في زمن مضى.. وان ذلك يعود إلى اسباب كثيرة اهمها ان الدين الاسلامي يعتمد على فلسفة متكاملة للحياة، وان الافكار الاقتصادية التي جاء بها كانت ومازالت وستبقى ممزوجة مع مفاهيم الدين واصوله واسسه.. تلك التعاليم التي تتصف اكثر ما تتصف بالعمومية والاجمال في الكثير من القضايا. ان ادراك مغزى الفكر الاقتصادي الاسلامي يقودنا بالضرورة إلى البحث والتنقيب في مباديء الدين الاجتماعية وتطبيقات المسلمين الاوائل للقضايا الاقتصادية، هذا من جهة ومن جهة اخرى فإن المشكلة الاقتصادية لم تكن بارزة على السطح بشكل مؤثر. وذلك لسببين اولهما ان الدين الاسلامي تصدى للمشكلة الاجتماعية بحزم، واستطاع ان يذيب الفوارق الطبقية بين المجتمعات وداخل كل مجتمع بدرجة كبيرة. كما ان المشكلة بجانبيها التقني (الندرة) لم تكن خطيرة.. خاصة بعد الفتح الاسلامي لبلاد الشام ومصر. ان طرق الانتاج ووسائلها كانت كافية لسد متطلبات المجتمع المحدودة.. خاصة وان المجتمع الاسلامي اعطى اهتماماً متساوياً للجانب الروحي مع الجانب المادي والمعاشي ـ او ربما قدم ارجحية الاول على الثاني. لذا فإن التاريخ الاقتصادي للعالم الاسلامي في العصر الوسيط بتقديرنا ـ لم يكتب حتى الآن ـ ومازالت معلوماتنا عن اقتصاديات الدول الاسلامية في تلك الازمنة محدودة. وربما كان اهمال المؤرخين العرب لهذا الجانب المهم من تاريخنا وتركيزهم على الجانب السياسي والحزبي يعود لاسباب موضوعية بالدرجة الاولى واليوم فإن مسئولية ذلك الانتباه إلى هذا الموضوع الاقتصادي من تاريخنا هي من مسئوليتنا نحن، وليست مسئولية المفكرين الغربيين. وسنحاول في الحلقات القادمة ـ ان شاء الله ـ ان نسلط الضوء على اهم القضايا الفكرية الاقتصادية ـ وموقف الاسلام منها ـ مبتدئين بمصادر الفكر الاقتصادي الاسلامي: لانها هي وحدها المرشحة لتزويدنا بالارضية الفكرية والسند الشرعي لهذا العمل.