تؤكد العصور العابرة على ان الصراع بين بني البشر كان ومازال قائما وسوف يستمر الصراع على مر الازمان والعصور الآتية، ولقد كان ومازال مبعث وسبب الصراع الآن هو محدودية الغذاء والموارد الطبيعية، واذا كان الصراع في العصور السابقة قد كان صراعا عسكرياً حصد البشر والزرع فإن الصراع في الزمان الحالي والآتي سوف يصبح صراعاً اقتصادياً في حين يبقى سبب الصراع قائماً الا وهو الغذاء والطعام والموارد الطبيعية، وتشير كل المعطيات والمؤشرات على ان هذا الصراع سوف يزداد ضراوة ويشتد عنفاً خلال السنوات المقبلة بسبب التزايد في سكان الارض، ثم التناقص الواضح في الموارد الطبيعية المحدودة ولاسيما السلع الاساسية، واصبح استقرار حكومات الدول مرهوناً بمدى توفير الغذاء والحاجات الاساسية لمواطنيها فيما اصبحت الصراعات الداخلية والحروب الاهلية على نطاق الدول مبعثها الاساسي الصراع على اسباب المعيشة ولاسيما بعد ان تفاقمت البطالة في هذه الدول لتشكل ظاهرة عالمية تقلق مضاجع القيادات والحكومات وتهدد مشاريع التنمية في دول العالم الثالث خاصة. لقد اصبح التجسس الاقتصادي يشكل اهمية كبرى لدى حكومات الدول الصناعية سواء بين الدول الصناعية نفسها، او تجسس الدول الصناعية على دول العالم الثالث وذلك من منطلق الرغبة لدى الدول الكبرى في السيطرة والهيمنة على دول وشعوب العالم الثالث التي تمتلك مخزوناً كبيراً من الموارد الطبيعية التي تعمل الدول الصناعية على استغلالها واستثمارها لصالحها او السيطرة عليها كلياً دون اي اعتبار للاوضاع المعيشية لشعوب العالم الثالث!! كما ان التجسس الاقتصادي اصبح يأخذ بعداً كبيراً واهمية كبرى في استراتيجيات الدول العظمى أو الكتل الاقتصادية في العالم وذلك في اطار الحرب الاقتصادية والتجارية المحتدمة فيما بينها من منطلق السيطرة على سوق الانتاج والاستهلاك ومن اجل التحكم في سوق السلع بحيث تدفع كل دولة او تكتل بسلعها إلى السوق العالمية لكي يصبح الاقبال على السلع الاجنبية اكبر من الاقبال على السلع الوطنية وهي بالتالي تحقق سيولة كبيرة لصالح اقتصادياتها او رفع معدلات الفائض في موازينها التجارية على حساب الدول الاخرى. لقد اصبح التجسس الاقتصادي ذا اهمية كبرى وذلك بعد ان تغير شكل الصراع بين دول وشعوب العالم من صراع عسكري إلى صراع اقتصادي واثر انحسار الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي. وبعد ان اصبح الاقتصاد والمال هو عصب الحياة لدى الشعوب والامم، وبعد ان اصبحت العلاقات بين الدول مرهونة بالمصالح الاقتصادية والتجارية خاصة في ظل معطيات المتغيرات الاقتصادية وما استجد عليها بحكم مفاهيم اقتصادية كالخصخصة، ثم منظمة التجارة العالمية، ثم العولمة الاقتصادية واخيراً التجارة الالكترونية. وفي ضوء تلك التطورات فإن الالفية الثالثة سوف تشهد تحدياً خطيراً وصراعاً شديداً بين الدول وخاصة الدول الكبرى على امتلاك المعلومات والبيانات الاقتصادية ومن اجل ذلك فإنها لن تدخر وسعاً في تجنيد اسراب من الجواسيس وزرعها في مختلف الدول ذات الاهمية الاقتصادية والاستراتيجية لها ومن خلال تلك الاسراب سوف تتمكن من اختراق انظمة المعلومات وملفات المؤسسات الاقتصادية خاصة في تلك الدول. والمعروف ان مؤسسات التجسس العالمية تنشيء لها شبكات وادارات خاصة تقوم باعداد دراسات وبحوث امنية دقيقة حول الاوضاع الاقتصادية في الدول المستهدفة وتجند افراداً ربما يحملون نفس جنسية الدول المستهدفة تحت مظلة التوظيف وصولاً إلى مكامن الاسرار الاقتصادية في تلك الدول لتحقق اهدافها. ومن ناحية اخرى فإن اهداف التجسس الاقتصادي واغراضه تختلف من دولة إلى اخرى ومن منظومة دولة إلى اخرى اذ يعتمد ذلك على الاهداف المستهدفة او المرسومة سلفاً، ففيما تعمد دول التجسس من خلال المعلومات والاحصاءات الاقتصادية التي تحصل عليها من قبل الدول المستهدفة من خلال التعرف على انماط الاستهلاك وطبيعة الاذواق والرغبات لدى الشرائح المستهلكة من المجتمع، ثم القوة الشرائية المتوفرة في هذه المجتمعات وتهدف من ذلك تسويق منتجاتها وخدماتها او تعمد اكتشاف اسواق جديدة لمنتجاتها وبالتالي تحقيق ارباح وعوائد كبيرة تنعكس على موازين مدفوعاتها واوضاعها الاقتصادية وحجم السيولة في سوقها النقدية. وفيما هي كذلك فإن الشريحة الاخرى بين الدول تستهدف من تجسسها الاقتصادي السيطرة والهيمنة على الاوضاع الاقتصادية ولربما امتلاك القرار الاقتصادي في الدول المستهدفة!! وهي لا تتوانى عن تجنيد موظفين كباراً ومسئولين يحملون جنسيات الدول المستهدفة نفسها من اجل الحصول على بيانات ومعلومات اقتصادية دقيقة وسرية واستراتيجية تمثل صلب السياسة الاقتصادية. وحينما تصل إلى هدفها فإنها تتعرف على اسرار القوة الاقتصادية، ونقاط الضعف في تلك السياسة وبالتالي تتمكن من اختراق اقتصاديات تلك الدول والعمل على تفكيك مصادر القوة والعمل على عزلها عن الاقتصاد، وربما تعمل على تدمير اقتصاديات هذه الدولة او تلك خاصة حينما تعمل على تجاوزها للخطوط الحمراء او في حال تمردها ورغبتها في كسر طوق السيطرة والهيمنة من قبل الدول الكبرى. ان دول التجسس الاقتصادي حينما تعمل على امتلاك رموز ومفاتيح القوة الاقتصادية في الدول او منظومات الدول في عالم اليوم انما تسعى ايضاً إلي تحقيق اهداف اخرى ربما غير منظورة وتدخل ضمن استراتيجياتها في مواجهة اي تكتل اقتصادي. فتدمير اقتصاد دولة ما من خلال شبكة التجسس التي تزرعها دولة كبرى انما لا يؤدي إلى اثار عكسية وسلبية على اقتصاد تلك الدولة وانما يتسع الاثر السلبي ليطال دول اخرى هي في حقيقة الامر تعتمد على اقتصاد تلك الدولة، فما حدث لدولة كنيجيريا مثلاً لم يدمر اقتصادها فحسب وانما انعكس على الاوضاع الاقتصادية لدول اخرى محيطة بها او ترتبط معها بعلاقات تجارية، كما ان حصار ليبيا والعراق والسودان وهي دول عربية لها عمق اقتصادي استراتيجي انما الهدف منه ادخال الاقتصاد العربي إلى غرفة الانعاش وهذا ما حدث فعلاً حيث كان للحصار ذلك آثار مباشرة على اقتصاديات الدول العربية، وقد اختارت دول التجسس تلك دولاً تمثل اهمية كبرى في الاقتصاد العربي!! كما ان ازمة آسيا في صيف 1997 لم تكن ازمة عابرة، او بفعل عوامل داخلية في الدول الآسيوية التي يطلق عليها (بالنمور الصفر)، وانما بفعل قوى خارجية استخدمت كل وسائل التدمير المباشرة وغير المباشرة في زعزعة وتدمير اقتصاديات تلك الدول، وقد فعلت ذلك بعد ان تمكن ولفترة طويلة جواسيسها معرفة اسرار القوة الاقتصادية في تلك خاصة بعد ان اكتسبت تلك الاقتصادات ثقة كبرى في الاسواق العالمية واستقطبت استثمارات اجنبية ضخمة كما كان من اهداف دول التجسس في خلق هزة عنيفة بتلك المنظومة هو خلق هزة في الاقتصاد الياباني حيث اثرت تلك الازمة وبشكل واضح في الاقتصاد الياباني وهذا الهدف يدخل في اطار الحرب الاقتصادية الدائرة بين مجموعات الدول الاقتصادية الكبرى. كما تركت تلك الازمة آثاراً مباشرة وواضحة على مجموعة الدول النفطية ولاسيما دول مجلس التعاون والتي تعتمد على صادراتها النفطية لمجموعة الدول الآسيوية وذلك حينما انخفض الطلب وبشكل جاد على النفط الخليجي. كذلك حققت دول التجسس اهدافها حينما اضعفت من قوة منظمة الدول المصدرة والمنتجة للنفط (اوبك) بسبب ازمة دول آسيا، واصبحت الدول المستوردة (الغربية) هي المتحكمة في اسعار النفط وحجم المنتج وحجم الطلب!! وذلك في مفارقة غريبة بقانون العرض والطلب !! وهكذا استطاعت تحجيم اقتصاديات دول النمور الصفر بعد ان حاولت هذه الدول من تحقيق اهدافها في التحرر الاقتصادي وكسر طوق الهيمنة، واستطاعت ان تكون دول منافسة للدول الصناعية الكبرى وجاءت هذه الازمة على نحو انذار شديد لدول النمور وللدول الساعية للتحرر بعدم المحاولة في التحرر او الاستقلال الاقتصادي في ظل وجود دول صناعية كبرى!!