علاقة الانسان بالحاسوب وتقنيات الاتصالات ونظم المعلومات تفتقت ـ بعد صداقة دامت قرابة خمسين عاما ـ عن أسلوب عبقري ومذهل في تسخير هذه التقنية لصالح الانسان، حتى أضحت قدرات هذا الأسلوب على ايجاد حلول مثالية للكثير من الصعوبات التي تواجه الانسان مثارا للعجب، وأصبح الانسان يمارس حياته اليومية بشكل أقل مشقة وأكثر سرعة ودقة. بيد أن الأمر لم يخل من بعض السلبيات، فهذا الأسلوب ـ وهذا هو الغريب في الأمر ـ لا يزال لايملك القدرة على كتم الأسرار التي يؤتمن عليها، مما يجعل المعلومات المستودعة عنده مشاعا للغير وأكثر عرضة للسطو أو التجسس وحتى التدمير. أبصرت التطبيقات الالكترونية النور في المختبرات والسراديب العسكرية، وبعد بدايات خجولة وصعوبات بعضها تقني والآخر سيكولوجي تمكنت بعدها من تثبيت أقدامها وترسيخ وظائفها وإمكاناتها الهائلة في حياة البشر مع نهايات القرن العشرين، إلا انها خلال السنين العشر الماضية مرت بتحولات متسارعة: ـ كان أول ظهور لها تحت قناع ما يسمى بمستودع المعلومات. ـ ثم ظهر الانترنت ربيب العسكرية الأمريكية التي ابتدعته كبديل لشبكة الاتصالات التقليدية فيما لو تعرضت الأخيرة لضربة عسكرية. ـ رغم إمكانيات الانترنت المذهلة لكنه لم يكن أكثر من تمهيد للتطبيقات الالكترونية التي كان أول نتاجها التجارة الالكترونية. ـ ثم تطور الأمر الى أبعد من ذلك وجاء طور المؤسسات الافتراضية فظهرت الشركات والجامعات والحكومات والمصارف وغيرها من المؤسسات وكلها افتراضية أو تخييلية أو وهمية. ـ ثم انتقل الأمر الى الاجهزة الذكية فالمستقبل الموعود سيشهد منازل ومركبات وطائرات وعتاد عسكري وكلها ذكية تحسن التصرف من تلقاء نفسها ولن يتجشم الانسان عناء السيطرة عليها وتوجيهها الا بالنزر اليسير من الجهد. ـ ثم انتهى المطاف عند طور إعادة هندسة الكائنات الذي استهل بتعديل أساليب الانبات وانتاج الثمار ثم عرجت على الحيوانات فاستنسختها (بقرة بحجم فيل أو فيل بحجم نملة)، أما بغيتها الحقيقية فهي التحكم في انتاج الجنس البشري بأسلوب مختلف وبمواصفات خارقة تجعله قادرا على مجاراة آلته ذات الذكاء الخارق. ظاهرة أم طور حضاري؟ هذا الأسلوب أو هذه الظاهرة أو هذه الصرعة الحضارية أو أي شيء آخر، لأنه لايوجد في الواقع تشخيص دقيق ومتفق عليه لهذه الحالة، وهذا يرجع الى ان التطبيقات الالكترونية أو الافتراضية لم تتبلور بعد في صورتها الكاملة والشاملة ولم تتبين آثارها وأبعادها الحياتية الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية كلها، إلا انها تتمتع بسمات تميزها فهي: ـ افتراضية أو تخييلية أو ربما وهمية أو بمعنى أوضح ليس لها وجود مادي ملموس، فالتعامل معها يتم من خلال الحواسيب والاجهزة الالكترونية الذكية فقط، اما عالمها الخفي فقوامه منظومات من قواعد المعلومات والبرمجيات الشديدة التعقيد. ـ رغم ان البيئة التي نشأت فيها معروفة، الا ان كل البشر الذين يتقنون فن التعامل معها هم حملة هويتها، ولهذا فهي تخترق الحدود، وتعبر المسافات وتحطم الحواجز ثقافية كانت أم جيوبوليتيكية أم عرقية. ـ رغم ان الانسان هو الذي أسس بنيتها التحتية وهو الذي وضع البروتوكولات التي تحكم تصرفاتها (لاتزال إدارة الشبكات الالكترونية العالمية بيد الولايات المتحدة الأمريكية وبروتوكولاتها وضعت في غرف العمليات العسكرية الأمريكية)، فان الآلات هي التي تتخاطب فيما بينها وهي التي تنوب عن العقل البشري في اتخاذ القرار وانجاز العمل أو الخدمة، وتؤرشف التصرفات والبيانات التي تتعرف عليها، ثم بعد ذلك تعطي الانسان حلولا لمعضلاته ومآسيه. ـ تنتشر انتشار النار في الهشيم فخلال أعوام معدودة وبعد ان كانت مجرد ساع للبريد فرضت نفسها على الواقع ومدت أذرعها الأخطبوطية الى التجارة والاتصالات والإدارة الحكومية والتعليم والاعلام والفن ولم تسلم جميعها من الركوع خاضعة مذعنة لطغيانها المتجبر. ـ أبصرت النور توأما للعولمة، فقد ولدتا ورضعتا من لبان الفكر الأمريكي و«مدنيته» وترعرعتا في أكنافه وتشربتا من مناهجه الاخلاقية ومنه استلهمتا أحلامهما وتطلعاتهما وحملتا بكل غرور صك انتمائهما اليه، ولهذا فقد تطبعت بالكثير من سمات وأخلاقيات العولمة، واذا صح القول ان العولمة دين جديد تستعبد أمريكا به العالم، فإن التطبيقات الالكترونية هي حضارة العولمة. تلكم المقدمات المخيفة تجعلنا نكاد نجزم ان حقيقة التطبيقات الالكترونية ـ التي ستتكشف عما قليل ـ ليست أسلوبا كما انها ليست ظاهرة بل تحمل في أحشائها طورا جديدا من أطوار الثورة الصناعية، أو بالأصح تنطوي على حضارة جديدة تطل برأسها. حضارة بلا انسان بداءة يمكننا القول ان الحضارة الالكترونية ترتكز على ثلاثة عناصر الأول منها الانسان ويمثل وقود الحضارة أو محركها، والثاني الآلة التي تمثل بيئة الحضارة، أما العنصر الثالث منها فهو نتاج الحضارة وتمثله هنا المعلومة والقالب الذي تصاغ فيه. وعلى خلاف وظيفة الانسان في الحضارات السالفة بإمساك زمام المبادرة وتوجيه حركة البناء الحضاري باعتباره المحرك أو السيد الذي يمتلك ناصية الأمور، ورغم ان هذه الحضارة لا تزال حتى هذه اللحظة تعتمد عليه كعنصر رئيس، الا ان الترتيب المنطقي للعناصر وفقا لمبدأ الأهمية قد يأتي هذه المرة مغيراً للمفهوم السائد. الانسان وفقا لطبيعة العلاقة التقليدية بينه وبين الآلة انه هو الذي يبتكرها ويستخدمها أو يسيرها وفق أهوائه ورغباته، وقد يلجأ الى ان يعيد تصميمها وتركيبها وهو في ذلك كله انما يسخرها بما يتلاءم واحتياجاته الحضارية، أما هذه الحضارة فستعمد الى تبادل المراكز، اذ سيضع الانسان مصيره تحت مشيئة الآلة لكي تستكشف أسراره بيولوجيا ونفسيا وتتعرف على مكنونات خريطة مورثاته الجينية، وهو بذلك انما يعيد تصميم نفسه كما يزعم ويركبها بما يتلاءم واحتياجات آلته ذات الذكاء الخيالي حتى يجاريها ويسيطر عليها. هذا التنازل الشائن للانسان عن حقه القدري في الوجود لا أحد يدرك على وجه اليقين الى أي نعيم أو كارثة سيأول، فإذا ما تحقق ما يصبو اليه أذكى كائن يتحرك على وجه الأرض فإنه في حقيقة الأمر سيصبح مهددا بفقدان السيادة على آلته، لأنه في رأي مهندسي هذه الحضارة غير مؤهل ليكون ندا لها، فلربما استحال عبداً لها وباتت الآلة هي الآمرة الناهية وربما المدبرة أيضاً. ملامح المشهد الأخير ترى لو صدقت تلك التصورات أو التنبؤات أو التخرصات التي يهذي بها الانسان ـ كلها أو بعضها ـ فهل ينتهي الأمر به الى ان يبقى قعيد بيته يعيش حياة خاوية، فإذا خرج فإنه لايستمتع بقيادة مركبته لانها هي التي تقوده الى حيث يريد، ولايتسوق لأنه لاتوجد أسواق يتبضع منها حاجاته الشخصية فإذا احتاج طعاما فإن ثلاجته هي التي تتحادث مع البقالة المجاورة لتزوده بطعامه، ولا توجد مكاتب يدير منها أعماله ولا فصول دراسية يتلقى فيها العلم ولا ملاعب يستروح فيها باللهو ولا أصدقاء يتواصل معهم ويشاطرهم أفراحه وأتراحه ولا أموال يتداولها ويلمسها بأنامله، وعندما يمرض فلا حاجة لأن يزور طبيبه لأن رقاقته الالكترونية هي التي تشخص داءه وتصف له دواءه. هل تصبح كل الأشياء في الحياة يوما ما افتراضية يراها الواحد منا ويتعامل بها من خلال شاشة فضية لاتدرك إلا لغة الأرقام والحروف، أما العواطف والأخلاق والمباديء فلا تدرك منها إلا بقدر ما كان يؤمن به صانعها ومبرمجها، وبالتالي فإنه لا حاجة للانسان لأن يعمل وينتج لأن آلته الذكية جدا ستتولى أمر مزرعته ومصنعه وورشته ومحطات توليد الطاقة وأي شيء آخر يخطر لك على بال. ثم بعد هذه العاقبة التي قد تزلزل نمط العيش على الكوكب الحي في هذا الكون، يطرح السؤال الكبير نفسه بإلحاح وعنف كالموج المتلاطم على شواطيء العقل والبصيرة: وهل مأساة الانسان هذه هي نهاية المطاف؟ ما يتراءى في أفق الأحداث لا تزال تدخر طورا أخيرا خيوطه تحاك في مكان ما على ظهر هذا الكوكب، الا وهو طور العالم الواحد، أو طور القرية الواحدة، وسيبدأ أول ما يبدأ عندما تسيطر الحواسيب المترابطة بشبكة عالمية واحدة للمعلومات على المؤسسات الحكومية وعلى الشركات الجبارة المتعددة الجنسيات التي تندمج اليوم مع بعضها البعض في استباق يثير الريبة وعلى الأسواق مالية كانت أم غير مالية وعلى الجامعات ومراكز البحث العلمي والمستشفيات وعلى وسائل الاتصالات، وعلى كل شيء آخر من مقومات حركة الحياة، ثم يأتي دور البشر فترصد حركاتهم وسكناتهم وأصواتهم ورسائلهم الخاصة وربما مشاعرهم، كل ذلك عن طريق رقاقاتهم الالكترونية التي ستنظمهم وتسيرهم وتحافظ عليهم، وتردع من تسول له نفسه عصيان هذه المنظومة حتى يستتب الأمر في نهاية المطاف لزمرة تقف وراء هذه التراجيديا وتؤججها وتيسر أمر انتشارها من اجل أن تعلو في الأرض علوا كبيراً. إلا ان هذه الحضارة التي تفرض نفسها على واقع البشر ويسبح بحمدها بالليل والنهار آلاف «الدعاة والحواريين» الذين يحملون الى البشرية بشائر بركاتها وهم يخفون عن بسطاء الناس شرورها ووبالها، هذه الحضارة وبكل هذا الهيلمان الذي لها معرضة لأن تهوي دون سابق إنذار كما تهوي أسهمها اليوم في أسواق المال. أما لماذا يتوقع لها أن تهوي؟ فلأنها حضارة معلقة متأرجحة لا تملك مباديء تستمد ثباتها منها، وأيضا لأنها حضارة آلة.. والآلة ليست كالانسان الذي يستلهم ما يصلح حياته على هذا الكوكب من خالق الكوكب.. بل ان هذه الآلة وما سواها من الكائنات والمخلوقات أوجدها الله خاضعة مطواعة للانسان، فإن لم تكن تحت تصرف الله سيدها الأول، ولا للانسان خليفته في الارض، ترك شأنها للشيطان.. وهذا العدو لن يفرط في فرصة نادرة كهذه لكي يتلاعب بغريمه الانسان. في الفصول الأخيرة من المأساة ستنقلب الحواسيب والأنظمة والبرمجيات وشبكات المعلومات الجبارة وبالا على الانسان، فإذا ما أتيح له ان يفيق من الكارثة التي ألمت به، عندها فقط سيستيقن من أنه كان ـ كل ذلك الوقت ـ يسبح في الخواء أو «تهوي به الريح في مكان سحيق».. حينها فقط سيدرك ان نجاته من هذا المأزق لن تكون إلا بالعودة الى نقطة الصفر.. وممارسة تجربة البدء من جديد. بقلم: عبدالعزيز خليل المطوع