لماذا لجأت الحكومة المصرية إلى اصدار قانون يمنح لوزير المالية اصدار سندات دولارية بقيمة مليار دولار؟ لم يكن هذا السؤال هو الوحيد الذي يشغل بال الاقتصاديين حول هذه القضية، ولكن البعض تساءل عن مبررات الإصدار في هذا التوقيت. وهل هو مناسب وفيما تستخدم عائد تلك السندات؟ وما هي المحاذير المرتبطة بتلك الخطوة؟ يؤكد الدكتور حسين شكري الممثل لمؤسسة مورجان ستانلي ورئيس شركة استن للأوراق ال مالية بأن التوقيت الآن مناسب لإصدار السندات بسبب إنخفاض أسعار الفائدة الأمريكية مشيرا إلى أنه سيؤدي إلى وفر في التكلفة قدره 2% مما لو كان الإصدار قد تم منذ عامين، وأضاف بألا تخوف من هذا الإصدار طالما انه في الحدود الآمنة مشيرا إلى أن أجل السندات سوف يتراوح ما بين 5 إلى 10 سنوات وأن تسعيرها يعتمد على مقارنة الاقتصاد المصري بعدد من الاقتصادات الناشئة مثل المكسيك وقطر، حيث تعد المكسيك من أكثر الدول تقاربا لمصر من جهة التصنيف الائتماني وكذلك قطر تعد الدولة الثانية التي يمكن مقارنتها بمصر لتسعير السندات وعلى الرغم من تفوق قطر في التصنيف الإئتماني إلا أن يمكن لمصر تسعير سنداتها في مستوى قطر أو في مستوى أفضل لندرة السندات المصرية وتأثر قطر الشديد بأسعار البترول وأضاف شكرى بأن تسويق السندات سيتم في سوق اليورو في أوروبا والشرق الأوسط بالإضافة إلى سوق المال في الولايات المتحدة والتي يبيع السندات دون تسجيلها بشرط أن يكون البيع فقط للمؤسسات الاستثمارية الكبرى ذات الملاءمة المالية والخبرة حتى أعمال التقييم والمخاطر، مشيرا إلى أن هذه المؤسسات تمثل حوالي 95% من المستثمرين المستهدفين للإستثمار في السندات. وعن مبرر ات دخول مصر سوق السندات الدولى يؤكد الدكتور شكري أن هذا الموضوع حظى بكثير من المناقشات والمداولات بين المهتمين بشئون الاقتصاد ما بين مؤيد ومعارض وأن أغلب الأصوات عبرت عن قلقها من هذه الخطوة نظرا لما تخلقه من أعباء جديدة في صورة فوائد وسداد لأصل الدين وأشار إلى أن كثيراً من المعارضين لعملية الإقدام الخارجي في ذهنهم تجربة مصر في السبعينات والثمانينات حين تفاقم الدين الخارجي إلى حدود هددت سلام الدولة حتى جاءت حرب الخليج لتنقذ مصر في هذه المشكلة حيث أعفتها من نصف الدين الخارجي. وذكر شكري أن وضع الاقتصاد الحالي يختلف عن اقتصاد مصر في السبعينات والثمانينات حيث تعبر المؤشرات عن وضع أفضل من الدول الأخرى، ويستعرض الوضع الاقتصادي لمصر حيث يعاني الاقتصاد من نقص في الموارد المالية ظهرت نتائجة في زيادة العجز في الموازنة العامة للدولة بالإضافة إلى وجود مستحقات متأخرة لصالح شركات القطاع العام قامت الدولة بسداد الجزء الأكبر لها فضلا عن تناقض احتياطي الدولة من النقد الأجنبي، كما يوجد عجز في الحساب الجاري، وأضاف بأن دين مصر الخارجي بلغ حوالي 27 مليار دولار والذي يمثل 30% من حجم الناتج القومي وتميز هذه النسبة في الحدود الآمنة طبقا لمعايير الشركات الدولية للتصنيف الإئتماني كما أن مصر تقوم بسداد أقساط الدين الخارجي بإنتظام والتي تبلغ حوالي 1.2 مليار دولار في العام وهو ما يعني أن مصر في حاجة لموارد إضافية لتمويل خطط التنمية وأن دخول مصر سوق السندات سيكون إيجابيا ويشير د. شكرى إلى الفوائد التي تعود على مصر من دخول سوق السندات والتي تتمثل في خلق معيار يمكن على أساسه قيام هيئات حكومية أخرى ومؤسسات مالية وشركات في القطاع الخاص بإصدار سندات دولارية في أسواق المال العالمية، حيث أن سندات الدولة تكون دائما المعيار الذي يتم تسعير السندات الأخرى على أساسه كما أن يضيف إلى احتياطي الدولة من العملات الأجنبية ويفتح للدولة نافذة جديدة على أسواق المال العالمية يمكن اللجوء إليها كوسيلة للتمويل إذا اقتضت الحاجة بالإضافة إلى المساعدة على جذب الاستثمارات الخارجية لمصر نتيجة عملية الترويج والتعريف بالإقتصاد المصري. بينما يختلف الدكتور مصطفى السعيد وزير الاقتصاد الأسبق مع ذلك الطرح مشيرا إلى أن الاقراض من الخارج قضية محل جدل ممكن أن تكون للصالح وممكن أن تكون في غير ذلك مشيرا إلى أن ذلك يتوقف على توقيت الاقتراض وعلاقة ذلك بالاقتصاد ويتساءل السعيد عن كيفية استخدام هذه الأموال المقترضة لما لها من تأثير على كل المتغيرات الأخرى سواء سعر السندات أو شروطها ويتساءل أيضا عن سر لجوء الحكومة إلى محاولة إصدار سندات دولارية وهل ذلك يتجه إلى وجود عجز في ميزان المدفوعات أو هل الطريقة الأمثل يكون بالإقتراض من الخارج بدلا من العمل الجاد لزيادة الصادرات أو جذب مزيد من الاستثمارات المباشرة؟ وأوضح السعيد أن يخشى أن يكون هذا الأمر أسهل على الحكومة من أن تلجأ للطريق الأصعب مثل الصادرات والاستثمارات. وأشار أيضا إلى أن الحكومة لم تفصح حتى الآن عن كيفية استخدام هذه القروض آملا أن تستخدم كموارد اضافية لزيادة مشروعات التنمية وليس أي مشروعات من أجل تقوية الاقتصاد المصري ودعمه لسداد هذا الدين وأكد أن هذا الإجراء يجعل الحكومة أكثر استرخاء في إيجاد حلول بديلة.. واشار إلى أن مصر لا تحتاج لسندات دولارية لزيادة الاحتياطي النقدي لأنه يزيد حاليا عن واردات سنة. أما الدكتور محمود محيي الدين مستشار وزير الاقتصاد ورئيس اللجنة الاقتصادية بالحزب الوطني فيقول أن القدرة الاقتراضية للإقتصاد المصري من الخارج تتراوح ما بين 1.2، 1.8 مليارات دولار سنويا دون أي تأثير سلبي على المؤشرات الأساسية الإيجابية التي يتمتع بها الاقتصاد حاليا مثل مؤشرات الدين الخارجي نسبة للناتج المحلي الإجمالي وحصيلة الصادرات والإنخفاض الشديد في الديون الخارجية قصيرة الأجل وفي معدلات التضخم، وأضاف بأن الإقتراض من خلال إصدار سندات دولارية يعد حالة متميزة من الاقتراض الخارجي حيث يهدف الإصدار إلى إيجاد معيار مرجعي لإقتراض القطاع الخاص والمؤسسات العامة والحكومية في المستقبل من الأسواق الدولية بتكلفة حالة تتراوح ما بين 0.2%، 0.8% وفقا لقدرة المصدر وقال أن مصر تقترض لأهداف محدده وأنها تتميز بحالة فريدة لعدم احتياجها في الأجل القصير لهذا النوع من الموارد وبالتالي فهي تعاني من مشكلة كيفية الاستخدام مقارنة بالدول الأخرى التي تستخدم الإصدار في تمويل ميزان المدفوعات أو دفع أقساط الديون الخارجية وهي مشاكل لا يعاني منها الاقتصاد المصري. ويرى مستشار وزير ا لاقتصاد أنه لا بديل عن السند الدولاري لهدف الترويج للإقتصاد المصري مضيفا أن هناك صناديق إقليمية تسعى لأن نقترض منها فإذا كانت مصر تعاني من مشاكل في تمويل العجز في ميزان المدفوعات كانت لجأت لمثل هذه الصناديق، فضلا عن وجود اقتراض طويل الأجل من البنك الدولي كان يمكن استخدامه. وتؤكد الدكتوره نجوى عبد الله الاستاذ بكلية الاقتصاد انه يجب أن يكون هناك أولوية سوق السندات المحلية وأن تقوم الهيئات العامة بطرح سنداتها في السوق المحلي وتقترض منه عندما تنشأ الحاجة إلى عملة أجنبية يمضي تعديل الأوضاع المحلية قبل اللجوء للإقتراض. بينما يشير د. نبيل حشاد الخبير المصرفي إلى أن سعر الفائدة على العملة المحلية أعلى بكثير من سعر الفائدة على الدولار وهو ما يثير القلق مؤكدا على أن قرار الاقتراض يجب أن يكون محسوبا ضمن سلسلة متكاملة من العوامل والبدائل المختلفة وعبء كل بديل متسائلا عن الحد الأمثل لحجم التداول نظرا لاختلافه من دولة لدولة ومن وقت لآخر فضلا عن أن المعيار الأساسي الذي سوف يدفع الهيئات الحكومية والقطاع الخاص إلى إصدار سندات ليس سعر الفائدة الذي وضعت مصر على سنداتها بل أن سعر الفائدة على الدولار في السوق مضافا إليه هامش يمثل المعيار والهدف من إصدار السندات ليس لسد العجز بميزان المدفوعات بل لمواجهة الركود. القاهرة ـ ماجدة خضر: