تحذيرات عديدة أطلقها خبراء الاقتصاد والمتخصصون قبل عام دفعت الحكومة المصرية إلى تجميد خصخصة شركات الأسمنت خوفا من سيطرة الاحتكارات الدولية على السوق المحلي لاسيما بعد استحواذ الأجانب على 34% من السوق المصري للأسمنت عن طريق شركات (سيمكس) المكسيكية (وسيمبور) البرتغالية و( لافارج) الفرنسية و(بولسيركل) الإنجليزية التي اشترت أسيوط والعامرية وبني سويف والاسكندرية للأسمنت على التوالي، وفي محاولة من جانبها لتكريس التوازن وردع أية محاولات احتكارية للتلاعب في سوق هذه السلعة الاستراتيجية وتطمين العاملين والمستثمرين المحلين في قطاع الأسمنت الذي تتجاوز استثماراته 4 مليارات دولار موزعة على 11 مصنعا تنتج نحو 26.5 مليون طن أسمنت سنويا نجحت الحكومة المصرية العام الماضي في بيع طره للأسمنت الذي يبلغ إنتاجها 3.8 ملايين طن إلى شركة السويس للأسمنت الأمر الذي أدى ليسطرة المصريين على 60% من السوق. المخاوف لم تعد مقبولة ولكن يبدو أن حكومة الدكتور عاطف عبيد رئيس الوزراء المصري قد رأت أن المخاوف من مواصلة خصخصة شركات الأسمنت لم تعد مقبولة في ظل إختلاف ظروف السوق والتغييرات التي لحقت بصناعة الأسمنت والخطط الحالية التي تنفذها الشركات الوطنية لإضافة طاقات محلية جديدة تصل لحوالي 11 مليون طن خلال الأعوام الأربعة المقبلة عن طريق توسعات الشركات القائمة وتأسيس شركات جديدة في سيناء والوادي الجديد وقنا والمنيا.. فضلا عن قرب صدور قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار الذي سيقضي على أية محاولات لاحتكار سوق الأسمنت المصرية. وبعد التأجيل لعدة مرات، وتحت وطأة الأوضاع الراهنة والحاجة لتفعيل برنامج الخصخصة، وضخ بضاعة جديدة وجيدة تنعش التداول في سوق الأوراق المالية قررت الحكومة المصرية بيع 12 مليون سهم تمثل 48% من أسهم رأسمال شركة أسمنت حلوان البالغة 25 مليون سهم لمستثمر استراتيجي وبدأت تتلقى عروض الشراء اعتبارا من مطلع الشهر الجاري.. وقد تزامن هذا القرار مع طروحات أخرى من شركات السويس وبنى سويف لزيادة رأس المال بنسبة 25% لكل منهما.. وكذا تنفيذ شركتي العامرية والإسكندرية لعمليات توسع لزيادة الإنتاج باستثمارات تتجاوز 700 مليون جنيه الأمر الذي جدد مخاوف سيطرة الأجانب على سوق الأسمنت حيث أن حسم صفقة حلوان للأسمنت لصالح شركة أجنبية يعني زيادة حصة الأجانب إلى 41% كما أن نجاح شركتي )فولر( الأمريكية و ) E.L سميث( الدنماركية في شراء 10% من أسهم شركة بني سويف المعروضة للبيع في إطار سعى الشركة لزيادة رأسمالها بمقدار 25%.. بالإضافة إلى وجود مفاوضات مع مجموعة أوروبية لبيع الحصة المتبقية من زيادة رأس المال البالغة 15% ضاعف هذه المخاوف.. كما ان المنافسة الشديدة المتوقعة على شراء شركة أسمنت حلوان أسهم زيادة رأسمال السويس للأسمنت سيكون لها تأثير مباشر على خريطة إنتاج الأسمنت في مصر والتوازنات بين الأجانب والمستثمرين المحليين فضلا عن أن إدراج الشركتين في مؤشر مورجان ستانلي للأسواق الناشئة ضمن الوزن النسبي لسوق الأوراق المالية المصرية في المؤشر الذي يضم 14 شركة سيكون له تأثيره البالغ في إقبال الشركات وسعيها لحسم هذه الصفقه لصالحها.. وقد ظهرت بوادر هذه المنافسة مبكرا بين شركات )سيمكس( المكسيكية و)بولسيركل ( الإنجليزية و)الشركة المصرية(. قطاع صناعة الأسمنت المصرية حسبما تشير دراسة لإتحاد الصناعات المصري يوضح أن الإنتاج بلغ العام الماضي 26.5 مليون طن وأنه من المتوقع أن يتجاوز مع بداية العام المقبل 33 مليون طن ثم يقفز إلى 38.2 مليون طن عام 2003 بعد إستكمال كل مشروعات التوسع في مصانع الأسمنت القائمة .. كما رصدت الدراسة زيادة حجم الإستهلاك في العام الماضي إلى 27.5 مليون طن قبل أن يزداد إلى 30.6 مليون طن عام 2003 ثم 32 مليون طن عام 2004 ونحو 33.7 مليون طن عام .2005. وتشير الدراسة إلى أن الإنتاج المصري من الأسمنت موزع بواقع 8% لشركتي بني سويف والاسكندرية مقابل 32% لشركة السويس و15% للشركة المصرية التابعة لمجموعة أوراسكوم ثم 15 % لأسمنت أسيوط و12% لكل من القومية وحلوان للأسمنت و6% لشركة العامرية للأسمنت. يتناول رئيس شركة السويس ونائب رئيس الاتحاد العربي للأسمنت الكمييائي محمد دسوقي تلهف الشركات العالمية على شراء مصانع الأسمنت المصرية المطروحة للبيع من خلال برنامج الخصخصة موضحا أن مسألة تحرير التجارة الخارجية إجبارية ولا تتضمن أية خيارات أخرى.. والأوضاع الاقتصادية العالمية تفرض على كافة القطاعات الإنتاجية المصرية لاسيما المتطورة أن تتواءم مع المستجدات الاقتصادية الدولية والإقليمية وبالتالي كان دخول الشركات العالمية لقطاع الأسمنت المصري متوقعا.. مشيرا إلى أن برنامج الخصخصة الذي تنفذه الحكومة المصرية يعد أنسب وسيلة لهذه الشركات الباحثة عن توظيف استثماراتها خاصة بعد أن حظرت أوروبا إقامة مصانع للأسمنت أو النسيج باعتبار أنها صناعات ضارة بالبيئة. ورفض مصدر مسئول بوزارة قطاع الأعمال المصرية هذا التفسير مبررا تدفق الشركات العالمية تجاه سوق الأسمنت في مصر والدول العربية باكتمال أعمال البنية التحتية في الدول الأوروبية وانعدام الزيادة في الطلب على الأسمنت نظرا لضآلة معدلا ت النمو السكاني وعدم وجود طلب مناسب على المساكن الجديدة الأمر الذي جعل هذه الشركات توجه استثماراتها للخارج وفي المناطق التي تتميز بارتفاع الطلب على الاسمنت ومازالت جهود التنمية بها متواصلة. مشيرا الى أن هذه الشركات ذهبت في وقت مضى إلى منطقة جنوب شرق آسيا حيث كان معدل النمو عاليا وعندما اضطربت الأوضاع الاقتصادية هناك حولت الشركات استثماراتها إلى مصر والمنطقة العربية حيث مؤشرات معدلات النمو المرتفعة وزيادة الطلب المستمر على مواد البناء التي ترتفع سنويا بمقدار 11% مؤكدا أن خصخصة شركات الأسمنت تتم وفق خطة مدروسة لن تسمح للأجانب بالسيطرة على هذه السلعة الاستراتيجية خاصة في ظل خطط زيادة طاقات الإنتاج المحلية الحالية التي ستضيف نحو 7 ملايين طن العام المقبل. ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور حمدي عبد العظيم أن الأرباح التي يمنحها الاستثمار في قطاع الأسمنت المصري وتصل لحوالي 63% في بعض الشركات، وكذلك الأرباح التي تحققها الشركات المصرية في هذا القطاع وتتراوح من 160 مليون جنيه و270 مليون جنيه.. فضلا عن طرح برنامج الخصخصة لمصانع جاهزة ورابحة ومدرجة ضمن أحد أبرز مؤثرات الاستثمار العالمية )مورجان ستانلي للأسواق الناشئة( كل عوامل تحفز الشركات على العرولة تجاه هذا القطاع والمنافسة على شركاته.. ويعلل الدكتور حمدي سعي الشركات العالمية وراء المصانع القائمة بدلا من ضخ استثمارات في مشروعات جديدة بأن المصانع القائمة تمتلك قدرات تؤهلها للتوسع في المستقبل كما أن لها أسواقها الجاهزة.. وبضاعتها كلها مباعة لا تخزن وبالتالي تضمن للمستثمر الأجنبي أرباحاً فورية بدلا من الإنتظار 3 سنوات لحين تدشين عمليات الإنتاج حال الاستثمار في مشروعات جديدة. وحذر الدكتور حمدي من تداعيات إقبال الشركات الأجنبية على شراء نظيرتها المصرية موضحا أن الأسمنت سلعه استراتيجية وتعد احدى أهم مدخلات قطاع العقارات والإسكان الذي يهم قطاع عريض من المستهلكين لاسيما محدودي الدخل كما أنه يمس أبرز المشكلات في المجتمع المصري وهي الإسكان وبالتالي يجب أن يظل هذا القطاع تحت سيطرة ورقابة الدولة وأن تكون عملية الخصخصة بحساب بحيث تظل الاستثمارات الوطنية مستحوذة على الحصة الأكبر في سوق الأسمنت. وأضاف أن الأوضاع الحالية في قطاع الأسمنت المصري غير مهيئة لتحرير تجارة هذه السلعة الحيوية بالكامل موضحا أن مصر بحاجة إلى 90 مليون طن أسمنت لبناء 3 ملايين وحدة سكنية لتخفيف وطأة مشكلة الاسكان الأمر الذي يعني ضرورة وجود شريحة كبيرة من الشركات الوطنية المنتجة للأسمنت والقادرة على توفير هذه الكمية دون مغالاة للمساهمة في هذه المهمة الوطنية.. مشيرا إلى أن الشركات الأجنبية لن يكون لديها الاهتمام الكافي للمشاركة في هذه المسألة قدر اهتمامها بالأرباح التي ستحصل عليها دون مراعاة لأية جوانب اجتماعية تهم المستهلك المصري. ورصد بعض رؤوساء شركة الأسمنت المصرية مشاكل أخرى يعاني منها القطاع في مقدمتها الاستمرار في استيراد الأسمنت من الخارج وطرحه في الأسواق بأسعار لا تخدم المنافسة وكذا إعفاء الاستيراد من أعباء عديدة يتحملها المنتج المحلي وتقلل من فرصة في المنافسة وتضعف أرباحه علاوة على أنها تحرم المصانع من العمل بكامل طاقتها التصميمية واقترحت شركات الأسمنت المصرية في مذكرة رفعتها لرئيس الوزراء الدكتور عاطف عبيد حزمة من الحلول لتجاوز هذه المشكلة تتلخص في ضرورة مراجعة الأعباء الضريبية والجمركية المفروضة على الصناعة وتحميل الاستيراد بنفس الأعباء الضريبية والجمركية التي تتحملها الصناعة الوطنية وتشجيع التصدير ومنح حوافز للمصدرين والتنسيق من الحكومة وصناع الأسمنت في أية قرارات مستقبلية تخص الصناعة ضمانا لاستقرار أوضاع السوق. طاقات إنتاجية معطلة وتضمنت المذكرة المطالبة بمنع الاستيراد نهائيا لتشبع السوق المحلية ووجود مخزون راكد وكذلك للإرتفاع الكبير في فاتورة واردات الأسمنت التي بلغت 100 مليون دولار سنويا محذرة من أن استمرار استيراد الأسمنت في ظل التوسع في الإنتاج من خلال المشروعات التي تنفذها الشركات القائمة سيؤدي إلى وجود طاقات إنتاجية معطلة تتزايد عاما بعد عام. وأشارت إلى أن حجم الطاقة المعطلة بلغ العام الماضي نحو 2.8 مليون تمثل الفارق بين المعروض من الأسمنت وحجم الاستهلاك.. كما توقعت المذكرة أن يصل حجم الطاقات الإنتاجية المعطلة في المصانع القائمة العام الجاري إلى 7.3 ملايين طن تزداد إلى 9.1 ملايين طن العام المقبل.. وأوضحت المذكرة انه يمكن تدارك الموقف وخفض حجم الطاقات الإنتاجية المعطلة إلى 7.6 ملايين طن عام 2003 ثم 6.2 ملايين طن عام 2004 وحوالي 4.5 ملايين طن عام 2005 حال توقف الاستيراد تماما وزيادة الطلب على الأسمنت. القاهرة ـ يوسف شاكر: