الكرة الآن في ملعب الفعاليات الاقتصادية فالتوجهات والتشريعات الاقتصادية في الاردن الآن في حالة تسمح لرجال الاعمال والفعاليات الاقتصادية بالعمل الحر والآمن. بهذه الكلمات يتجه الآن الخطاب الاردني الرسمي لدى الحديث عن الاقتصاد الاردني الراهن والمتوقع، والخطوات الرسمية التي تسعى الى انتشاله من الفوضى التي يعاني منها والتي ادت الى شعور المواطن الاردني بأنه غير آمن، وانه ما عاد يقدر حتى على توفير عشاء اولاده. ورغم ان نسبة كبيرة من الاردنيين ينامون وفي مطابخهم الكثير من الخيارات واصناف الطعام، إلا ان نسبة غير قليلة من هؤلاء لا تجد ما يسد جوعها. وفي تبرير توصيفي لهذه الحالة يفرق احد المحللين الاقتصاديين الاردنيين بين الاقتصاد الوطني الكلي، والذي بات ينهض من المشاكل والعقبات التي دكته بنيانه في الماضي من جهة والحالة الاقتصادية الفردية للمواطن الاردني العادي والشركات من جهة اخرى. ويسعى د. فهد الفانك بكل ما اوتي من فصاحة وسبل اقناع الى القول بأن شعور المواطن الاردني بالضغط الاقتصادي الهائل الذي ما عاد يقدر على التصدي له، ما هو إلا حمل كاذب ليس إلا. ويستطرد د. الفانك جامعا المقنعات من كل حدب وصوب فالحساب الجاري لميزان المدفوعات يظهر فائضا بعد عجز مستمر، وعجز موازنة الدولة يتقلص عاما بعد آخر، ومعدل التضخم يقل عن 1% لمدة سنتين متواليتين.. باختصار كل شيء على ما يرام .وفي المقابل يؤكد الفانك ان الحالة الاقتصادية للمواطن العادي والشركات ليست على ما يرام، او هي تبدو كذلك بحسب ما اشار اليه، فالبطالة بقيت عند حد 14% من القوى العاملة، علما بان الارقام الرسمية تصل 15% اضافة الى الارقام الاخرى التي تقدمها الشخصيات المعنية، ومنها وزير التنمية الاسبق الدكتور محمد خير مامسر الذي اعلن مؤخرا ان نسبة البطالة في الاردن تجاوزت الـ33%. وعودة الى تحليل د. الفانك فان خط الفقر على ماهو عليه، وان ارباح الشركات المساهمة اقل ما كانت عليه واسعار الاسهم في الاكثرية تشكو مما تسميه الركود والاوضاع الصعبة. اما لماذا كل هذا التضارب بين مشهد اقتصاد الدولة الكلي واقتصاد الفرد والشركات؟ تضم سلة الاجابات التي استأنس اليها د. الفانك مجموعة من الاسباب منها: ارتفاع مستوى التوقعات وزيادة عدد السكان وتخصيص جزء مهم من فوائد الاقتصاد الوطني لخدمة الديون الخارجية، واختلاف قوانين اللعبة في السوق المحلية بعد سياسة الانفتاح، وتقليص الحماية والغاء الدعم المباشر. على انه ليس صعبا ان نجد بعض المبررات التي تفسر حالة التفاؤل المشوبة بكل تلك )الخسارات الفردية( لدى د. الفانك فما يدفع الاقتصاديين الاردنيين الى التفاؤل تلك التحركات الواسعة التي تقوم بها الحكومة الاردنية باشراف مباشر من القصر وبدفع منه، وما تحمله هذه التحركات حسب وجهة النظر الرسمية من آفاق رحبة للمستثمرين الاردنيين والعرب والاجانب على حد سواء. ويشير الخطاب الاقتصادي الرسمي كنموذج الى منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة التي وضعت على خارطة الاستثمار العالمي، والتي دعا هذا الخطاب على اثرها القطاع الخاص الاردني للتخلي عن تردده، وان يبادر الى الاستفادة من هذه الفرص الهائلة التي تمنحها العقبة الاقتصادية الخاصة لنشاطاته الاقتصادية، خصوصا وان سلة القوانين الحديثة باتت حقيقة واقعة. وتطمح الحكومة الاردنية من انشاء هذه المنطقة تنشيط الحركة الاقتصادية وتخفيض البطالة والتخلص من البيروقراطية وجذب الاستثمارات في مجالات السياحة والصناعة والنقل. على ان احد تجار مدينة العقبة القدماء أشار الى ان سكان مدينة العقبة )تقع على الحدود مع اسرائيل ومصر والسعودية( غير متفائلين كثيرا بالوعود الخارقة التي اشهرت عليهم على حين غرة وقول التاجر جميل عبدالسلام ان الوضع الضريبي الخاص الذي تمتعت به المدينة منذ فبراير الماضي ليس وضعا استثنائيا فخفض الضرائب الى حد معين ليس هو المطلوب فحسب، ويمضي عبدالسلام بالقول ان الطموحات التي نسمع بها عبر الاعلام عن مستقبل العقبة حلم يحتاج الى كثير من العمل فالبنية التحتية للعقبة غير مؤهلة حتى الآن لاستيعاب كل تلك التوقعات، وعلى المسئولين عن هذا الجانب مراعاة ذلك والا فإنهم سيقعون فيه كلما خططوا لأمر واسمعونا بأنه سينشلنا من المعضلة التي نحن فيها. ويشير التاجر الاردني الى ان مدينة العقبة لم تشهد ازدهارا منذ حرب الخليج الثانية، مشيرا الى ان ما بين الأعوام 1980 و1988 شهدت العقبة ازدهارا استثنائيا وهي أعوام الحرب العراقية الايرانية عندما تحولت العقبة الى عصب بغداد بعد تهديد السفن العراقية المبحرة في الخليج. الا ان عبدالسلام أشار الى ان عددا متزايدا من السعوديين والعرب الخليجيين بدأوا يتسوقون في المدينة مع توفر السلع المعفاة من الجمارك. من جهة القصر فلم يدخر جهدا في توفير الدعم لمدينة العقبة الا ان المطلوب من الحكومة في المقابل العمل على ازاحة جميع العقبات التي من شأنها اعاقة الحلم الاردني في الجنوب. وبالرغم من ان الحكومة استطاعت فصل مولدها الجنوبي الجديد )منطقة العقبة( عن أي تأثير سلبي فرتبت لها قوانينها الخاصة ورفدتها بدعم سياسي على أعلى المستويات، وبالرغم من انها انتبهت الى ان البلد يتهدده فيروس الفساد الذي يخشى ان يطيح بآمال المهندس، كما فعل بمن سبقه، الا ان البعض لا يقرأ تلك التوجهات قراءة جدية فإلى أي درجة يمكن ان ينجح صانع القرار الاقتصادي في القضاء على الفساد أو الحد منه الى حدوده الدنيا؟ المشكلة لدى بعض من تحدثوا في هذا الموضوع أن هناك متنفذين يقفون سدا منيعا ضد سياسة الاصلاح. ومن هؤلاء الذين يحملون هذا الرأي النائب الاردني محمود الخرابشة أشار الى هذا الموضوع قائلا: «إن ملف الفساد المالي ومشتقاته وأبرزها على الساحة الاردنية )التنفيع( الذي يمارس دون وجود محاسبة أمر في غاية الخطورة ويستحق من المؤمنين بخطوات النهوض بالاقتصاد الاردني اعارته كل اهتمامهم». ولدى تعريفه للتنفيع يشير الخرابشة الى انه اعطاء شخصية ما ميزات خاصة لم يستحقها الا لكونه في هذا الموقع أو ذاك لضمان ممارستها لنهج معين، أم الفساد فهو كل مخالفة ادارية أو مالية تتم بسوء نية. والمشكلة في مشتق الفساد هذا انه أصبح نمطا لا يستغنى عنه، خصوصا لدى من بات يطلق عليهم مصطلح «الحرس القديم» الذين مازالوا في بعض المواقع المهمة حتى الآن، وان أشد ما يخشاه دعاة الاصلاح ان يتم توريث هذا الاسلوب للجيل التالي. النائب محمود الخرابشة أشار الى مشكلة التنفيع وانه قادر على التشكيل وفق الظروف التي بين يديه وبالتالي فإن هذا النمط يزيد من صعوبة السيطرة عليه، الا ان الخرابشة يؤكد في المقابل ان من شأن تطبيق القوانين والانظمة بصورة عادلة ان يكون الناجع لكافة المشكلات، مشيرا الى ان هناك أشخاصا اشتهر عنهم مخالفتهم للقانون واعتداءهم على المال العام الا اننا نسمع بعد ذلك انه يتسلمون مواقع مهمة في الدولة، الأمر الذي يخلق يأسا كبيرا لدى المواطن لدى سماعه عن نية التوجه الرسمي بمحاربة الفساد. ويؤكد النائب الاردني ان البعض في مجلس النواب الاردني ليسوا بعيدين عن ممارسة الفساد، الا انه يرد الاتهام على الحكومات المتعاقبة مثل التصريح لهم بفتح مكاتب التاكسي وافساح المجال لهم للعمل على تعيين بعض من المقربين لهم مما يدفع الى اعتبار النائب خدمات ولكنه ذلك النائب الذي يخدم المحيط المقرب له وليس الوطن. ولكن في المقابل، ماذا عن المواطن نفسه في سلة هذه التوقعات المتفائلة؟ هناك تفاوت كبير بين رأي الحكومة من جهة والمتخصصين من جهة اخرى حول أوضاع المواطنين الاردنيين رغم ان الطرفين يجمعان بأنه يعاني من مشكلة حقيقية على الجميع التكاتف لحلها، الا ان التباين يتأتى من خلال نسبة هذه المعاناة، فعلى سبيل المثال فإن نسبة البطالة في الاردن تتراوح بين 33% الرقم الذي أعلن عنه وزير التنمية الاسبق الدكتور محمد خير مامسر مؤخرا في حين تشير النسبة الرسمية الى ان البطالة في الاردن لا تتجاوز الـ 15%. على ان المراقبين والمهتمين بالاحوال الاقتصادية للمواطنين يؤكدون ان خطورة الاوضاع الاقتصادية ليست في كونها كذلك الآن وإنما في كونها في تزايد مما يعني مزيدا من الفقر والبطالة واتسعت الفجوة بين طبقتين في الهرم المجتمعي الأولى في القمة وتشكل النسبة الأقل والتي تتربع على منجم المال الاردني، اما فيما يتعلق بالمساحة المتبقية من الهرم فإنها تعاني من سوء الحال والجري وراء الرغيف وبالكاد يحصلون عليه. واضافة الى كل ذلك فإنه كما ان الطبقة الغنية من المتوقع ان تزيد غنى من عمليات الخصخصة خصوصا فإنه في المقابل فإن من شأن استمرار انحدار الاوضاع الاقتصادية افقاد المواطن نفسه القدرة على اللحاق باعباء الفواتير الكثيرة والعتيدة دوما، اضافة الى متطلبات الأسرة نفسها. وفيما يعاني المواطن الاردني من ضعف القيمة الشرائية لراتبه الصغير والذي ينحدر يوما بعد يوم أصلا تتعملق أمامه سلسلة قوانين الخصخصة واعادة الهيكلة ووحش طرد آلاف العمال، وحتى يتم توضيح ذلك يمكن عرض نموذج مدرس مدرسة في القطاع الخاص مثلا فإن معظم هؤلاء لا تزيد رواتبهم الشهرية على 200 دينار أردني، فإذا ما أراد هذا الشاب الاستئجار في شقة صغيرة في أي من المدن الاردنية فإنه بحاجة الى 100 دينار كمعدل وسطي مما يعني انه مطالب بالاكتفاء بـ 100 دينار طوال الشهر، فاذا ما أصابه طاريء ما فإن ذلك يعني الدوران في حلقة الديون التي ستقضي عليه بالتأكيد لو ان الفرد الاردني بحاجة حتى يعيش حياة عادية الى 100 دينار شهريا أي ان العائلة الاردنية التي يبلغ عدد افرادها خمسة فإنها بحاجة الى 500 دينار كحد أدنى، علما بأن متوسط الدخل الشهري للأسرة الاردنية يقل عن ذلك بكثير. عمان ـ لقمان إسكندر:
الحكومة الاردنية تطرح بدائلها لتنشيط الحركة الاقتصادية، إلغاء الدعم المباشر واختلاف قوانين السوق يزيدان المشهد سوءاً
