في الحلقة الأولى من هذه الدراسة انصب اهتمامنا على تعريف التنمية الاقتصادية عموما والتنمية البشرية خصوصا.. وانتقدنا تعريف الامم المتحدة للتنمية البشرية على انه توسيع لخيارات الناس.. لان الخيارات عامة ونسبية وتختلف من مجتمع لآخر.. ومع ذلك فاننا لا ننكر أهمية تقارير الامم المتحدة السنوية بهذا الخصوص. وفي الحلقة الثانية وقفنا على الاسباب الحقيقية التي قادت الى التوجه نحو التنمية الاقتصادية على المستوى العالمي فوجدنا انها تكمن بعيدا في الحروب او المنافسة او المباراة الاقتصادية العالمية. لكن الامر مختلف في دول مجلس التعاون.. حيث كانت اسباب التنمية فيها غالباً تعود الى اسباب اقتصادية واجتماعية بحتة. تقع على قمتها مسألة متاجرة النفط بالتنمية ومن ثم متاجرة التنمية بالانسان. الذي هو اغلى قيمة اقتصادية واجتماعية على السواء. ان احوال الناس اليوم تعتبر اكثر اهمية من اعتبارات النمو الاقتصادي التقليدي ولذلك تخلص دراسات التنمية البشرية اليوم الى نتيجة مفادها.. انه مع اي تقدم في النمو الاقتصادي يجب وبالضرورة ان يرافقه اهتمام متزايد بقضية تنمية هذا النمو وطبيعته ونوعيته وآليته.. لضمان توجيهه الى دعم التنمية البشرية وحماية البيئة واستدامة التنمية نفسها (او ما يعرف به حديثا التنمية البشرية المستدامة). والاخيرة هي المرحلة الراقية من مراحل التنمية الاقتصادية والبشرية على السواء.. لانها اولا تضمهم بجناحيها وتضيف لهما ابعادا جديدة اخرى تتعلق بالطبيعة.. وبمستقبل الاجيال ايضا واليوم سيناقش دليل التنمية البشرية المعتمد من قبل الامم المتحدة. وموقع دول مجلس التعاون فيه. ما معنى دليل التنمية البشرية؟ منذ ان بدأ تقرير التنمية البشرية بالصدور عام 1995 في ادبيات الأمم المتحدة فقد استخدم عدة ادلة مركبة لقياس الجوانب المختلفة للتنمية البشرية.. ودليل التنمية البشرية العام دون ادخال تفصيلات او جوانب اخرى (غالبا سياسية). وهو الذي سنعالجه اليوم وهو ما يطلق عليه فقط دليل التنمية البشرية. وهو مؤشر جيد ولكنه غير كاف لقياس متوسط الانجازات في مجال التنمية البشرية والمعبر عنها بثلاثة تعابير: دليل العمر المتوقع (الذي يعتمد على العمر المتوقع عند الولادة لكل انسان) ودليل التعليم والذي بدوره يشتمل على مؤشر اخر ومعدل معرفة القراءة والكتابة عند البالغين) و(نسبة القيد الاجمالية في التعليم الابتدائي والثانوي والعالي معا) ويرجح المؤشر الأول بثلث والثاني بثلثين، اما الدليل الثالث والأخير فهو دليل الناتج المحلي الاجمالي والذي يعتمد على نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي بالدولار وحسب تعادل القوة الشرائية للسنة التي هي مدار البحث ولابد من التنويه هنا ان مفهوم التنمية البشرية اعمق واشمل بكثير مما تحتويه هذه الادلة السابقة المعتمدة من قبل الأمم المتحدة و(الامم المتحدة نفسها تعترف بذلك) ورغم هذا فانه لابد من اداة ترصد التقدم الحاصل في ميدان التنمية البشرية ولو حتى كانت اداة بسيطة.. والبساطة هنا مطلوبة لاعتبارات جمة منها امكانية قياسها وثانيا.. سهولة فهمها.. واخيراً.. اجراء المقارنات بواسطتها بين الدول المختلفة وتصنيفها على هذا الاساس. اذن نستطيع ان نلخص دليل التنمية البشرية بانه المعبر عن الانجازات التي تتحقق فيما يتعلق بالقدرات والامكانات البشرية الاساسية والمهمة للغاية وهي ان يعيش المرء اطول فترة ممكنة مقترنة بمعرفة مقبولة وبحد ادنى من ثقافة معتبرة وان ينعم بمستوى معيشي لائق.. ومن هنا يمكن تبرير اختيار الدولة السابقة في معرفة مدى الشوط الذي قطعه بلد ما في مجال حيوي بمجال التنمية البشرية وقيمة هذا الدليل (دليل التنمية البشرية) تتراوح ما بين الصفر والواحد الصحيح، وتظهر لاي بلد مقدار الشوط الذي قطعه بالفعل في مجال التنمية البشرية.. وكلما كان الدليل قريبا من الواحد الصحيح دل ذلك على ان البلد قد قطع شوطا كبيرا ومعتبرا في مجال التنمية البشرية.. وعلى هذا صنفت بلدان العالم بثلاثة مستويات. الأول مستوى التنمية البشرية العالية وتكون قيمة الدليل فيها من (1 ـ 0.80) وبلدان ذات التنمية البشرية المتوسطة وقيمة الدليل لديها تقع بين (0.79 ـ 0.50) واخيرا الدول ذات التنمية البشرية المنخفضة والذي يكون دليلها بقيمة اقل من 0.50. هذا من جهة ومن جهة ثانية، فان الفارق بين القيمة التي يحققها بلد ما والقيمة القصوى (الواحد الصحيح) يظهر مقدار قصور هذا البلد (او الشوط الذي يتعين عليه ان يقطعه) في ميدان التنمية البشرية.. ويمثل التحدي امامه في ايجاد الوسائل والسبل الممكنة للحد من قصوره وتلافيه مستقبلا. ومنذ عام 1995 فان تقرير الامم المتحدة المختص بالتنمية البشرية قد عرض بجانب الدليل السابق دليلين اخرين هما دليل التنمية المرتبط بنوع الجنس والذي يعتبر عن الانجازات في مجال التنمية البشرية ولكنها ومعدله لاظهار الفوارق بين الجنسين وبالتالي لمراعاة انعدام المساواة فيما بينهما.. والثاني دليل التمكين المرتبط بنوع الجنس وهذا الدليل يقيس الفوارق بين الجنسين او ما تطلق عليه الامم المتحدة (انعدام المساواة من الجنسين) في الفرص الاقتصادية والسياسية.. واخيرا قدم تقرير التنمية البشرية لعام 1997 مفهوم الفقر البشري.. وهو مفهوم مقابل لمفهوم التنمية البشرية ففي الوقت الذي يقيس فيه دليل التنمية البشرية متوسط الانجازات للظواهر الاساسية للتنمية البشرية فان دليل الفقر البشري يقيس نواحي الحرمان من تلك الظواهر. نأمل ان نستطيع التطرق الى كل هذه المقاييس والادلة مستقبلا.. اما اليوم فاننا في الدليل الأول فقط. رصد دليل التنمية البشرية: يبين دليل عام 1995 وصول البحرين والامارات الى المرتبة (44) و(45) على التوالي من ضمن (174) دولة اجرى عليها القياس من دول العالم، ولاشك ان هاتين المرتبتين معتبرين وهامتين للغاية.. ليس لكونهما تحتلان الدرجة الأولى على منطقة الخليج وحسب، وبل ولانهما سبقتا كل الدول العربية وكل الدول النامية مجتمعة. وبالتالي دخلنا نادي الدول المتقدمة في هذا المجال (التنمية البشرية) وهذه الخطوة لاشك رائدة وليست في صالح الدولتين وحسب بل وفي صالح دول العالم الثالث عموما والدول العربية خصوصا.. ودول مجلس التعاون تخصيصا تلي هاتان الدولتان قطر والكويت.. بترتيب (56) و(61) على التوالي.. ورغم تخلفهما بعض الشيء عن البحرين والامارات الا ان هذه الدول الاربع تقع كلها في خانة التنمية البشرية العالية والتي فيها قيمة دليلها اكثر من (0.80) ورغم ان دولتي السعودية وعمان لم تصلا بعد الى مرتبة اشقائهما، لانهما بقيتا في خانة اخرى اقل منزلة وهي خانة (الدول ذات التنمية البشرية المتوسطة) لكنهما بقيتا افضل حالا من غالبية الدول العربية والدول النامية على السواء.. وللمقارنة فان قيمة الدليل في السعودية مثلا كان (0.762) هو اعلى بكثير من نظيره في مصر (0.613) او في المغرب (0.554). ان الفارق بين الدول ذات التنمية البشرية العالية وبين دول مجلس التعاون مع الدول المتقدمة التي احتلت المراتب الاولى في قيمة الدليل (كندا واليابان والولايات المتحدة الامريكية) ليس كبيرا. وللمقارنة ايضا فان قيمة دليل التنمية البشرية في الامارات بلغ (0.861) والبحرين اكبر بفارق ضئيل جدا (0.862) هما قريبان من قيمة دليل كندا (0.950) وهي الدولة التي تتربع على عرش العالم في مضمار التنمية البشرية.. ولا يتعدى الفارق 9% فقط. في حين انه يزيد على 80% مع الدول النامية والاقل نموا.. وهذا يدل على جهود طبية ومباركة في مجال تنمية الانسان. خاصة في حالة الامارات. الدول الغنية التي لا يزيد عمرها الاتحادي على ثلث قرن.