لم يعد الوضع يحتمل مجرد كلام او مواصفات لانشاء السوق العربية المشتركة، وانما اصبح يتطلب تحركات عملية عاجلة، بعد ان اقر مؤتمر القمة العربية بعمان ضرورة الانتقال السريع الى مرحلة متقدمة من التعاون والتكامل الاقتصادي العربي، من خلال اقامة السوق العربية المشتركة وإعداد الخطوات التنفيذية العاجلة لانشائها. لقد كان اول تحرك اوروبي ظهر على طريق التمهيد لانشاء السوق الأوروبية المشتركة، يتمثل في انشاء الهيئة الأوروبية طبقا لمعاهدة روما، والتي كانت تعتبر الجسد التنظيمي الذي يتمتع بدرجة من الاستقلال عن الحكومات القومية، وان كانت الهيئة في بدايتها مصدر خوف للذين فقدوا الثقة في حكمة اي من المنظمات الدولية التي سيطرت عليها البيروقراطية ومنعتها من تحقيق اهدافها. غير ان الهيئة الأوروبية ادت الدور المطلوب منها في التخطيط السياسي للجماعة الأوروبية، وفي الوساطة بين المصالح القومية المختلفة، ثم في القيام بتنفيذ قرارات البنية الاساسية للسوق والتي كان يصدرها مجلس الوزراء الأوروبي، كما كانت الهيئة تتابع هذه القرارات وتقوم بعرض النتائج على مجلس الوزراء والى ان تم انشاء السوق. وبهذا الشكل نجد ان الهيئة الأوروبية قامت بجهود كبيرة في التمهيد لانشاء السوق الأوروبية المشتركة فأقامت الهياكل المالية والانتاجية والاجتماعية اللازمة، والتي تمثلت في الصندوق الاجتماعي الأوروبي والصندوق الزراعي الأوروبي، وصندوق التعاون النقدي الأوروبي، وصندوق التنمية الأوروبية، والصندوق الأوروبي للتنمية الاقليمية، كما ساعدت على انشاء مجلس الوزراء الأوروبي والبرلمان الأوروبي، ولم تكن هذه الجهات اجهزة ادارية فقط وانما كانت اجهزة اقتصادية ومالية، وهي التي قامت بتمويل كل القواعد الاصلية التي اسست السوق الأوروبية المشتركة. ومن هنا فان المطلوب لانشاء السوق العربية المشتركة قرارات تنفيذية، وليس توصيات، وعلى ان تصدر من اعلى السلطات العربية للتمهيد العملي لقيام السوق العربية المشتركة، وان تتجه القرارات فورا الى جامعة الدول العربية ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية والمنظمات العربية المشتركة للتنفيذ الفوري، وهي الجهات التي يتعين ان تشترك في تشكيل وتحديد مجموعة خبراء من داخل اجهزتها ومن خارجها. ومن القطاعين العام والخاص، ومن رجال الاعمال والمال العرب، ومن علماء الاقتصاد في المنطقة العربية وعلى ان ينشأ لها سكرتارية نشيطة تواصل العمل ليلا ونهارا، وعلى غرار ما كانت تقوم به السكرتارية الفنية التي شكلت لانشاء السوق الأوروبية المشتركة برئاسة وزير المالية الفرنسي في بداية التسعينات. لقد نجح مجلس جامعة الدول العربية المجتمع من خلال قمة عمان خلال الشهر الماضي في تأكيد اهمية اصدار القرارات اللازمة لانشاء السوق العربية حيث كلف الأمين العام الجديد باتخاذ الخطوات اللازمة لاعادة هيكلة الامانة العامة بما يمكنها من الاضطلاع بمهام اتخاذ الخطوات اللازمة وإعداد القرارات المطلوبة مع الدول الاعضاء والآليات القائمة، وطلب من الأمين العام تقديم تقارير انجازات تعرض على مؤتمر القمة الاقتصادي الذي ينعقد بالقاهرة في نوفمبر المقبل ان شاء الله. ومن هذا المنطق يمكن القول ان المؤشرات التي تشير الى نجاح قيام السوق العربية المشتركة قد بدأت، ومن المتوقع ان تقوم الجامعة العربية في ثوبها الجديد وبالتعاون مع مجلس الوحدة الاقتصادية العربية باعداد القرارات اللازمة لذلك واعتمادها من مؤتمر القمة الاقتصادي المقبل ان شاء الله وعلى ان تمتد هذه القرارات الى المجالات التالية: ـ تسهيل اجراءات الدخول والخروج للمواطنين العرب الى كل دولة عربية، مع التركيز على بحث وتذليل العقبات التي تضعها حاليا بعض الدول العربية واعطائها فرصة زمنية لتنفيذ ذلك طالما تعذر التنفيذ الفوري، وعلى ألا يتعارض ذلك مع الاعتبارات الامنية. ـ الغاء القيود الجمركية والكمية والنقدية على تبادل السلع والخدمات بين الدول العربية، واذا كانت منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى قد الغت حتى الآن ما يقرب من 40% من الرسوم الجمركية فإن الباقي منها مطلوب الغاؤه خلال فترة لا تزيد على سنتين على الاكثر. ـ وضع خطة تتضمن مشروعات انتاجية وخدمية وتعليمية وصحية لتنمية الدول العربية الفقيرة في ضوء خطة تكامل عربي، يشترك في تنفيذها رجال الأعمال العرب في ضوء المزايا التي تمنحها لهم هذه الدول، كما يساهم في انشاء هذه المشروعات المواطنون العرب عن طريق الاستثمار المباشر او بشراء الاسهم. ـ عرض الاسهم الجديدة المطروحة لانشاء شركات مشتركة داخل المنطقة العربية على كافة الاشخاص الطبيعيين والمعنويين في كل الدول العربية دون استثناء على ان تأخذ الصيغة العربية المشتركة، وبما يؤدي اليه ذلك من انشاء فروع لهذه الشركات في مختلف الدول العربية حسب دراسات جدوى اقتصادية. ـ فتح الاسواق العربية امام كل المهنيين والحرفيين العرب لانشاء صناعات صغيرة حسب متطلبات كل دولة وفي المكان الذي يتناسب مع الانتاج والتسويق فيه، وانشاء اجهزة جديدة لتدريب الحرفيين ومنحهم شهادات تتيح لهم انشاء مركز عمل في أي دولة عربية وعلى ان تقدم لهم الحكومات العربية كافة التسهيلات والمزايا التي تقدمها للأجانب والمواطنين الاصليين. ـ انشاء المشروعات الكبرى المطلوبة لتسهيل التنقلات بين الدول العربية ووضع البنية الاساسية لها من طرق وكباري وانفاق وكهرباء ومياه.. الخ على ان يقوم بانشائها شركات عربية متعددة الجنسية وان يشترك فيها رجال الاعمال العرب من داخل المنطقة ومن خارجها، ومشروع الربط الكهربائي بين مصر والاردن وسوريا مثالا جيدا في ذلك. ـ دمج البنوك العربية صغيرة الحجم بالاضافة الى الشركات العربية الصغيرة العاملة في مجالات انتاجية متشابهة، مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية