تحتضن الامارات خاصة ودول مجلس التعاون عامة عشرات المؤتمرات والندوات الاقتصادية سنويا، وتؤكد المؤشرات على ان الامارات تأتي في صدارة دول المجلس في عدد المؤتمرات التي تستضيفها مدن الدولة كل عام سواء تلك التي تنظم من قبل مؤسسات أهلية أو رسمية، وسواء تلك التي تنظمها مؤسسات تعليمية أو تجارية، ولا يكاد يمضي اسبوع الا ونجد ان هناك مؤتمرا اقتصاديا أو ندوة اقتصادية تحتضنها احدى مدن الدولة، بل ويحدث في بعض الأحيان تضارب في المؤتمرات الاقتصادية والتجارية حينما تعقد في الوقت نفسه وذلك في اطار التنافس بين امارات الدولة ومدنها على استضافة تلك المؤتمرات، ويتفاوت حجم المشاركين في هذه المؤتمرات وذلك وفقا لأهمية القضية أو الموضوع الذي يتبناه المؤتمر وحجم الامكانيات المتوفرة لدى الجهات أو المؤسسات المنظمة لهذا المؤتمر أو ذاك. ولقد جرت العادة على ان مؤسسات الدولة الأهلية منها والرسمية تستضيف نخبة من المفكرين والمحللين الاقتصاديين وفعاليات اقتصادية وباحثين عربا وأجانب للمشاركة في فعاليات هذه المؤتمرات والندوات حينما يكون موضوع المؤتمر قضية اقتصادية محلية أو اقليمية أو دولية. إن عقد المؤتمرات والندوات الاقتصادية في مدن الدولة تتصدى للظواهر الاقتصادية بالتحليل وتعالج مشكلة اقتصادية يعاني منها الاقتصاد الوطني إنما يعد أمرا ايجابيا ومهما وذلك في سياق متابعة مؤسسات الدولة للمتغيرات والتحولات والظواهر الاقتصادية المستجدة والحديثة والتي لها انعكاسات على مسيرة الاقتصاد الوطني والاقتصاد العالمي عامة، كما تأتي أهمية تلك المؤتمرات لتشخيص الواقع الاقتصادي ومسيرة التنمية الاقتصادية لتحديد المقومات لتعزيزها وتحديد المعوقات لمعالجتها وتذليلها وتحديد الفرص لتنميتها وتسويقها لاسيما بعد ان أصبح الاقتصاد يشكل شريان الحياة لدى الأمم والشعوب وعصب الحياة لها في عالم اليوم. ولكن تبقى هناك جملة من التساؤلات التي يأتي طرحها ومناقشتها في سياق تحديد الاولويات وتنصب تلك التساؤلات حول مدى أهمية وصدى وحصيلة تلك المؤتمرات والندوات التي تنظمها مؤسسات الدولة قياسا بالانفاق المادي الكبير الذي تنفقه مؤسسات الدولة قياسا بالانفاق المادي الكبير الذي تنفقه مؤسسات الدولة المحلية منها والاتحادية. ثم الامكانيات المعنوية والبشرية التي توظفها تلك المؤسسات من أجل نجاح تلك المؤتمرات والوقت الطويل الذي يستغرقه الاعداد والترتيب لتلك المؤتمرات. هل تحدد الجهات المنظمة للمؤتمرات الهدف من تنظيمها للمؤتمرات أو الندوة؟.. هل هناك معايير معينة لقياس نجاح المؤتمر أو الندوة؟.. ما هي شروط المشاركين في المؤتمر أو الندوة؟.. ما هي الموضوعات أو القضايا المطروحة في المؤتمر ومدى أهميتها وعلاقتها بالمكان والزمان؟ ما هي حصيلة المؤتمر أو الندوة وكيف يتم توظيفها في خدمة الهدف أو الأهداف؟ وهل يصار الى توصيلها الى سلطة القرار الاقتصادي في الدولة؟ وأخيرا لماذا تعقد المؤتمرات الاقتصادية في الامارات؟ إننا حينما نطرح تلك التساؤلات فإننا نبتغي منها مواجهة الذات ووضع النقاط فوق الحروف، حيث تشهد اماراتنا الكثير من الندوات والمؤتمرات الاقتصادية وينفق عليها الكثير من الجهد المادي والبشري والمعنوي، ونلاحظ ان هناك تنافسا كبيرا بين مؤسسات الدولة في تنظيم المؤتمرات الاقتصادية التي تتشابه في بعض الاحيان في موضوعاتها وطروحاتها وربما حتى في عناوينها! وكثير من تلك المؤتمرات تحمل في ظاهرها النجاح وفي داخلها الفشل ولا تخرج عن كونها مؤتمرات للتسويق الاعلامي دون ان يكون لها أثر مباشر في تصحيح الأوضاع الاقتصادية وتحقيق اصلاحات اقتصادية جذرية في مسيرة الاقتصاد الوطني، خاصة وان قليلا من تلك المؤتمرات تتوصل الى نتائج أو قرارات أو توصيات ومعظمها كما أشرنا لا تخرج عن كونها مؤتمرات بقصد الترويج الاعلامي أو بقصد تسجيل تلك المؤسسة حضورها من خلال تنظيمها لمؤتمر اقتصادي تنفق عليه الكثير؟ فيما هناك الكثير من القضايا الاقتصادية المحورية لا تجد المناقشة ولا تجد المعالجة في تلك المؤتمرات، وانها تفتقر الى المضامين والمناقشات الجادة، ويكون حرص الجهات المنظمة على حجم الحضور البشري والإعلامي أكثر من حصرها على منطقية الموضوعات المطروحة ونوعية المناقشات وأهمية التوصيات التي يتمخض عنها هذا المؤتمر أو ذاك! ونتيجة لذلك فإن المشاركين في المؤتمر لا يعوّلون على عقد هذه المؤتمرات والبعض يحضر أو يشارك من منطلق كسر روتين العمل أو خلق علاقة مصلحة! أو التعرف على أصدقاء! أو الحصول على مزايا السفر والمشاركة في تلك المؤتمرات لاسيما أولئك القادمين من خارج الامارة حيث انعقاد المؤتمر، أو من خارج الدولة. كما ان المنظمين لتلك المؤتمرات يكون حرصهم على نجاح التنظيم دون الاكتراث بمدى أهمية المؤتمر أو التوصيات التي تتمخض عنه! خاصة مع قناعتهم التي تتزايد مع كثرة حضور المؤتمرات بأنه لا جدوى من التوصيات ما لم يصار الى ترجمتها الى قرارات من شأنها تفعيل النشاط الاقتصادي وتحريك الفعل الاقتصادي وتصحيح مسارات الاقتصاد والتنمية في البلاد، وفي بعض الأحيان يصل المشاركون الى قناعة تامة بعدم الجدوى من عقد هذه المؤتمرات والندوات في ظل وضعيتها الحالية، طالما لا تجد توصيات المؤتمرات أو الندوات الصدى المناسب من قبل أصحاب القرار أو السلطة الاقتصادية في الدولة. إن المشاركين في المؤتمرات الاقتصادية في الامارات وباقي الدول العربية يشعرون بعدم جدوى تلك المؤتمرات ما لم تجد الصدى والترحيب من أصحاب القرار. واذا كان البعض يشارك بأوراق في تلك المؤتمرات فإن ذلك يأتي تجاوبا لدعوة المؤسسات المنظمة للمؤتمرات والتي تقدم لهذا (البعض) اغراءات مادية وعينية كالمكافآت المجزية وتذاكر بالدرجة الأولى، والاقامة في أرقى الفنادق، والبرامج الترفيهية، كما يجد هذا (البعض) فرصة للتسوق في أسواق الامارات، فيما يجد البعض الآخر من الحضور أو المشاركة في تلك المؤتمرات والندوات فرصة للابتعاد عن روتين العمل أو حضور مآدب الغداء والعشاء التي تنظمها الجهات المنظمة لتلك المؤتمرات! إن تنظيم المؤتمرات الاقتصادية والندوات ذات العلاقة بالوضع الاقتصادي التي تتطلب انفاقا ماليا كبيرا وجهودا بشرية عديدة، ووقتا طويلا ورعاية واهتمام من المسئولين يجب ان يتمخض عنها نتائج ايجابية تخدم الهدف منها لا أن تكون تلك الاهداف مقتصرة عى تحقيق مكاسب اعلامية للجهات المنظمة ومكاسب مادية للمشاركين فيها بأوراق.. فيما تفشل تلك المؤتمرات في تحقيق مكاسب حقيقية للمجتمع الاقتصادي بالدولة. إن أهم خطوات النجاح للمؤتمر أو الندوة في اختيار المنظمين للموضوع أو اقضية وتحديد الهدف من المؤتمر، ثم تأتي الخطوة التالية في تحديد نوعية المشاركين ومدى عطائهم الفكري ومدى قدرتهم على مس الواقع الاقتصادي والقدرة على المناقشة الجادة والتشخيص الدقيق لأوضاعنا الاقتصادية ومدى معرفة المشارك بورقة العمل وبطبيعة التركيبة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدولة دون ان يصار الى استضافة مشاركين من خارج الدولة وهم ليست لهم الدراية والمعرفة بحقيقة الأوضاع الاقتصادية وذلك كما يحدث في مؤتمراتنا حاليا! وإن دعوة الاقتصاديين الاماراتيين والعرب المقيمين في الدولة يشكل اضافة نوعية وأهمية كبرى في نجاح المؤتمر أو الندوة نظرا لمعرفتهم بشئون البلاد والأوضاع الاقتصادية تحديدا وهم أكثر قدرة ومعرفة بتشخيص الواقع وربط المتغيرات الاقتصادية بالاجتماعية بالسياسية. وإن حرص المؤسسات المنظمة للمؤتمرات على استضافة ودعوة خبراء أجانب من خارج الدولة إنما يشكل ذلك في كثير من الاحيان مضيعة للمال والجهد وتكبيد المؤسسات المنظمة والراعية لتلك المؤتمرات سواء من القطاع الحكومي أو القطاع الخاص للكثير من المال رغم عدم قناعتها بجدوى تلك المؤتمرات! كما ان توصيل التوصيات التي يتمخض عنها المؤتمر الى جهات أو سلطات القرار الاقتصادي يأتي في صلب نجاح المؤتمر لما لهذه التوصيات من أهمية في تصحيح الأوضاع الاقتصادية وتحقيق اصلاحات اقتصادية تتطلبها المرحلة الحالية والمستقبلية خاصة وان الاقتصاد الوطني يعاني من تحديات داخلية وخارجية تحتاج الى التشخيص والمعالجة.