اشار تقرير البنك حول التنمية في العالم 2000/ 2001 الى احتمال ان يتأثر تحقيق النمو الاقتصادي وتخفيض اعداد الفقراء تأثرا شديدا بمؤسسات الدولة والمؤسسات الاجتماعية. وتؤدي الاجراءات الرامية الى تحسين عمل هذه المؤسسات الى تحسين النمو والانصاف معا عن طريق تخفيض القيود البيروقراطية والاجتماعية التي تعيق العمل الاقتصادي وارتقاء سلم التقدم. غير ان تصميم وتنفيذ هذه التغييرات يتطلب ارادة سياسية قوية، لاسيما حين تمثل هذه التغييرات تحديا اساسيا للقيم الاجتماعية السائدة او المصالح المتأصلة. وبوسع الحكومات عمل الكثير للتأثير على الحوار العام لزيادة ادراك المنافع الاجتماعية التي تنجم عن الاجراءات العامة التي تتخذ لصالح الفقراء ولحشد التأييد السياسي لمثل هذه الاجراءات. واشار التقرير الى ان وضع الاساس القانوني والسياسي للتنمية الاشراكية يجب ان تكون مؤسسات الدولة منفتحة ومسئولة امام الجميع. ويعني هذا وجود مؤسسات شفافة ذات آليات ديمقراطية واشراكية لاتخاذ القرارات ومراقبة تنفيذها، تساندها انظمة قانونية تشجع النمو الاقتصادي وتعزز المساواة القانونية. ونظرا لان الفقراء لا يملكون الموارد والمعلومات اللازمة للوصول الى النظام القانوني، فان اجراءات مثل المساعدة القانونية ونشر وتوزيع المعلومات عن الاجراءات القانونية ـ مثل منظمة ثسء في بنجلاديش ـ تعتبر ادوات قوية بصورة خاصة لايجاد انظمة قانونية اكثر اشراكا واكثر عرضة للمساءلة. وطالب التقرير بوجود اجهزة ادارة عامة تشجع النمو والمساواة فأجهزة الادارة العامة التي تنفذ السياسات بكفاءة وبدون فساد او مضايقات تحسن تقديم القطاع العام للخدمات وتسهل نمو القطاع الخاص. ويستدعي الامر تقديم حوافز اداء ملائمة لجعل اجهزة الادارة العامة مسئولة امام المنتفعين بالخدمات ومستجيبة لاحتياجاتهم. والحصول على المعلومات مثل الموازنات، ووجود آليات اشراكية لاعداد الموازنات، وتقييم اداء الخدمات العامة تسهم كلها في زيادة قدرة المواطنين على صياغة ومراقبة اداء القطاع العام مع تقليل فرص الفساد وتضييق نطاقه. واصلاح اجهزة الادارة العامة وغيرها من الاجهزة مثل جهاز البوليس لزيادة درجة تحملها للمسئولية واستجابتها لاحتياجات الفقراء يمكن ان يكون له اثر كبير على حياتهم اليومية. ودعا التقرير الى تشجيع اللامركزية الاشراكية وتنمية المجتمعات المحلية فتحقيق اللامركزية يمكن ان يقرب الجهات المقدمة للخدمات من المجتمعات المحلية الفقيرة ومن الفقراء، مما يحتمل ان يزيد من قدرة الناس على التحكم في الخدمات التي يستحقون الحصول عليها. وسيتطلب ذلك تقوية القدرات المحلية ونقل الموارد المالية الى السلطات المحلية. ومن الضروري ايضا اتخاذ اجراءات لتفادي استيلاء النخب المحلية على هذه الخدمات لانفسها. ويجب ان تقترن اللامركزية بآليات فعالة للمشاركة الشعبية وممارسة المواطنين الرقابة على الاجهزة الحكومية. وتشمل الامثلة على ذلك اللامركزية التي تشجع الخيارات المستندة الى المجتمعات المحلية بالنسبة لاستخدام الموارد وتنفيذ المشروعات. وهناك ايضا مجموعة متنوعة من الخيارات لاشراك المجتمعات المحلية والاسر في الانشطة القطاعية ـ مثل اشراك اولياء الامور في شئون التعليم واشراك جمعيات المستخدمين في انشطة امداد المياه والري. واشار التقرير ايضا الى تشجيع المساواة بين الجنسين حيث تشكل العلاقات غير المتساوية بين الجنسين جزءا من القضية الاوسع نطاقا المتعلقة بمظاهر عدم المساواة الاجتماعية المستندة الى القواعد والمباديء والقيم الاجتماعية. ولكن اهمية المساواة بين الجنسين شاملة جدا لدرجة انها تستدعي تركيزا اضافيا. ومع ان انماط عدم المساواة بين الجنسين تتفاوت بشدة عبر المجتمعات المختلفة، فان اغلبية النساء والبنات في كل البلدان تقريبا محرومة من حيث قوتهن وسيطرتهن النسبية على الموارد المادية (في معظم البلدان، يقتصر حق ملكية على الرجال) وكثيرا ما يواجهن مظاهر عدم امن اشد حدة مما يواجه الرجال (على سبيل المثال، بعد وفاة ازواجهن). ولذلك فان درجة حرمان النساء الفقيرات تتضاعف. وعلاوة على ذلك فان افتقار النساء الى الاستقلالية تكون له عواقب سلبية كبيرة على تعليم الاطفال وحالتهم الصحية. ودعا التقرير ايضا الى مساندة رأس المال الاجتماعي للفقراء فالقواعد والمباديء الاجتماعية والشبكات الاجتماعية تعتبر شكلا رئيسيا من رأس المال الذي يمكن ان يستخدمه الناس للخروج من دائرة الفقر. ولذلك فانه من الاهمية بمكان العمل مع شبكات الفقراء ومساندتها وتحسين امكاناتها عن طريق ربطها بالمنظمات الوسيطة والاسواق الاوسع نطاقا والمؤسسات العامة. ويتطلب تحقيق ذلك ايضا تحسين البيئات القانونية والتنظيمية والمؤسسية للجماعات التي تمثل الفقراء. ونظرا لان الفقراء ينظمون انفسهم عادة على المستوى المحلي. سيحتاج الامر ايضا الى اتخاذ اجراءات لتقوية قدراتهم على التأثير على السياسة على مستوى الولايات والمستوى الوطني مثلا عن طريق ربط المنظمات المحلية بالمنظمات الاوسع نطاقا. وحول معيار الامن قال التقرير أن الامر يتطلب تحقيق قدر اكبر من زيادة التركيز على كيفية تأثير عدم الامن على حياة الفقراء والاحتمالات المستقبلية امامهم. كما يتطلب ذلك مزيجا من الاجراءات للتصدي للمخاطر على مستوى الاقتصاد بأسره أو على مستوى المناطق ولمساعدة الفقراء على مواجهة الصدمات المناوئة على المستوى الفردي. وقال التقرير أن صياغة نهج متكامل لمساعدة الفقراء على ادارة المخاطر يستدعي اتخاذ اجراءات تداخلية مختلفة، على مستوى المجتمع المحلي والسوق والدولة، لمعالجة المخاطر المختلفة وقطاعات السكان المختلفة. وقد يستدعي الامر اتخاذ مزيج من الاجراءات التداخلية لمساندة ادارة المخاطر التي تواجهها المجتمعات المحلية والاسر، ويتوقف ذلك على نوع المخاطر والقدرات المؤسسية لدى البلد المعني. ويمكن ان تكمل برامج التأمين ابلاغ الصغر برامج الائتمان البالغ الصغر الخاصة بالنساء الفقيرات، بحيث تستند الى المنظمات الخاصة بهن، مثلما هو الحال في المشروعات التي تديرها منظمة النساء العاملات لحساب انفسهن في الهند لمصلحة النساء العاملات في القطاع غير الرسمي، ويمكن ان تتوسع مشروعات الأشغال العامة استجابة للصدمات المحلية أو الوطنية. كما ان برامج تحويل المواد الغذائية والصناديق الاجتماعية للمساعدة في تمويل المشروعات التي تحددها المجتمعات المحلية يمكن ان تكون فعالة في التصدي للكوارث. وطالب ايضا باعداد برامج وطنية لمنع الصدمات العامة ـ المالية والطبيعية ـ والاعداد لمواجهتها والتصدي لها. كثيرا ما يكون التصدي للصدمات على مستوى الاقتصاد بأسره هو أصعب مهمة تواجه المجتمعات المحلية والاسر الفقيرة، خاصة حين تكون هذه الصدمات متكررة أو عميقة أو مستمرة. ويعتبر وجود سياسات سليمة للاقتصاد الكلي وأنظمة مالية قوية أمرا اساسيا لادارة المخاطر الناجمة عن الصدمات المالية وتغير معدلات التبادل التجاري، ولكن يجب استكمال ذلك بادارة حصيفة لانفتاح حساب رأس المال. وذلك لتقليل المخاطر الناجمة عن تقليل معدلات التدفقات القصيرة الاجل. كذلك يستدعي الامر اتخاذ اجراءات خاصة للتاكد من ان الانفاق على البرامج ذات الاهمية للفقراء، مثل البرامج الاجتماعية والتحويلات الموجهة، لا ينخفض خلال فترات الانكماش الاقتصادي، خاصة بالنسبة لارتفاع حجم الاحتياجات ولا يقل عن ذلك اهمية وجود شبكات امان لمواجهة التقلبات الدورية على اساس دائم بحيث تستخدم حين تواجه البلدان المعنية اي صدمات. وهذه الاجراءات وغيرها يمكن ايضا ان تساعد في التصدي للصدمات الطبيعية، اذ يمكن ان تمول «صناديق الكوارث». جهود الاغاثة في اعقاب وقوع كوارث طبيعية وان تساند تطبيق تكنولوجيات جديدة وتوفير تدريب لتحسين تقييم المخاظر. ويمكن ان يؤدي تنفيذ استثمارات ووضع ترتيبات تأمينية في الاوقات العادية الى تخفيض التكاليف الشخصية حين تقع الكوارث. ودعا التقرير الى اهمية التصدي للصراع المدني حيث يلحق الصراع المدني اضرارا مدمرة بالفقراء. وتحدث معظم هذه الصراعات في البلدان الفقيرة ومعظمها عبارة عن حروب أهلية، فقد وقعت نسبة 85% من كافة الصراعات داخل حدود البلدان المعنية فيما بين عام 1987 وعام 1997. وبالاضافة الى الخسائر المباشرة في الارواح، تحدث هذه الصراعات فوضى واضرارا اجتماعية واقتصادية وتخلف تركة رهيبة من الآثار النفسية والاجتماعية الضارة. ومع انه من الاهمية البالغة مواصلة التركيز على بناء المجتمعات المعنية بعد انتهاء الصراع، كما حدث في كمبوديا ورواندا، فلا يقل عن ذلك اهمية والحاحا اتخاذ اجراءات لمنع الصراع قبل حدوثه، وهناك ادلة على ان تقوية المؤسسات التعددية، مساندة حقوق الاقليات وتوفير الاساس المؤسسي لتسوية الصراعات سلميا، له تأثير بالغ. ومن الاهمية بمكان ايضا لتفادي وقوع الصراع بذل جهود لحمل الجماعات المختلفة على التفاعل مع بعضها البعض من خلال مؤسسات سياسية اكثر اشراكا وتشاركا ومن خلال انشاء مؤسسات مدنية. ومن الضروري ايضا اتخاذ اجراءات دولية لتقليل امكانية الحصول على الموارد اللازمة لتمويل الصراع وتخفيض حجم التجارة الدولية في الاسلحة. واذا تمكنت البلدان المختلفة من السير على طريق التنمية الاقتصادية الاشراكية فسوف تتاح لها الفرصة للتحول من دائرة العنف الشريرة الى دائرة حميدة. ولا يزال الصراع العنيف يمثل واحدا من اكثر المجالات صعوبة والحاحا من حيث ضرورة اتخاذ اجراءات تؤثر على بعض أشد الناس فقرا في العالم. وأشار التقرير الى أهمية التصدي لوباء نقص المناعة المكتسبة (الايدز)، حيث يعتبر وباء نقص المناعة المكتسبة بالفعل واحدا من أهم مصادر عدم الامن في البلاد المصابة به بشدة في افريقيا، ومع ان الآثار المدمرة المباشرة للوباء تحدث على المستوى الفردي ومستوى الأسرة، فإن عواقب المباشرة للوباء تحدث على المستوى الفردي ومستوى الأسرة، وان عواقب الوباء ونتائجه أوسع نطاقا من ذلك بكثير، ابتداء من فرض ضغوط لا تحتمل على الآليات التقليدية لرعاية الأطفال الايتام، وانتهاء بفرض ضغوط هائلة على أنظمة الرعاية الصحية وفقد العمالة المنتجة مما يؤثر على مجتمعات محلية وشعوب بأكلمها. وهناك أكثر من 34 مليون شخص مصابون معرض نقص المناعة المكتسبة (90% منهم في البلدان النامية) كما يصاب 5 ملايين آخرين كل عام. وقد توفي بالفعل أكثر من 18 مليون شخص من الامراض ذات الصلة بوباء الايدز. في كثير من الاحيان لن تكون الاجراءات على المستوى الوطني والمحلي كافية لتخفيض أعداد الفقراء بسرعة، فهناك مجالات عديدة تتطلب اجراءات دولية ـ خاصة من جانب البلدان الصناعية ـ لضمان تحقيق مكاسب للبلدان الفقيرة وللفقراء في البلدان النامية. وتمثل زيادة التركيز على تخفيف أعباء الديون والاجراءات المرتبطة بذلك لزيادة فعالية التعاون الانمائي من خلال المساعدات جزءا من هذه العملية. ولا يقل عن ذلك أهمية اتخاذ اجراءات في مجالات اخرى، ابتداء بالتجارب ومرورا باللقاحات وانتهاء بالاجراءات الضرورية لسد الفجوة في المعلومات والمعارف، وهي اجراءات يمكن ان تحسن الفرص المستباحة للفقراء وتمكينهم من أسباب القوة وزيادة أمنهم. الفرص المتاحة في اطار نظام تجاري يستند الى القواعد يمكن للبلدان الصناعية ان تزيد الفرص المتاحة بفتح أسواقها بصورة اكبر أمام الواردات من البلدان الفقيرة خاصة في مجالات الزراعة والمصنوعات المكثفة لاستخدام الايدي العاملة والخدمات. وهناك تقديرات تفيد بأن التعريفات الجمركية التي تفرضها بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاعانات التي تقدمها تسبب خسائر سنوية في الرفاهية تبلغ 20 مليار دولار في البلدان النامية، أي ما يساوي حوالي 40% من المساعدات التي قدمت في عام 1998. وتشعر بلدان نامية كثيرة بأنها رغم قيامها بتحرير انظمتها التجارية، فإن ابعادا رئيسية في انظمة التجارة في البلدان الغنية تضعها في وضع مناويء. وعلاوة على ذلك، بوسع البلدان المانحة للمساعدات تقوية قدرة البلدان النامية على متابعة جهود تخفيض اعداد الفقراء، عن طريق زيادة تدفقات المساعدات للبلدان التي تهييء بيئة سياسات سليمة مساندة لتخفيض ديون البلدان الفقيرة المثقلة بالديون بأموال اضافية غير تلك المخصصة لموازنات المساعدات. التمكين من أسباب القوة. يمكن اتخاذ اجراءات عالمية تمكن الفقراء والبلاد الفقيرة من أسباب القوة في المحافل الوطنية والعالمية. ويجب تقديم المساعدات بوسائل تضمن زيادة امتلاك البلدان المتلقية لها (أي قدرتها على التصرف فيها) ويجب ان توجه بصورة متزايدة لبرنامج تخفيض أعداد الفقراء التي تديرها البلدان المعنية والتي تكون موجهة نحو تحقيق النتائج والتي تعد بالاشتراك الفعال من جانب المجتمع المدني والعناصر الفاعلة في القطاع الخاص. ويجب ان يكون للفقراء والبلدان الفقيرة رأي أكبر في المحافل الدولية لضمان ان الاولويات والاتفاقيات والمعايير الدولية، مثلا في مجالات التجارة وحقوق الملكية الفكرية تعكس احتياجاتهم واهتماماتهم. ويجب ان تواصل المؤسسات المالية الدولية والمنظمات الدولية الاخرى جهودها لضمان الشفافية الكاملة في استراتيجياتها واجراءاتها وان تفتح حوارات منتظمة مع منظمات المجتمع المدني، لاسيما تلك التي تمثل الفقراء. ويجب ايضا ان تساند المنظمات الدولية الائتلافات العالمية القائمة للفقراء حتى تثري بذلك المناقشات العالمية. كما ان الاجراءات التي تتخذها الشركات متعددة الجنسية مثل التمسك بأساليب الاستثمار الاخلاقية واعتماد قواعد ومعايير للعمل يمكن ان تمنح جماعات الفقراء أسباب القوة.