أكد البنك الدولي على ضرورة ان تعد البلدان النامية المزيج الخاص بها من السياسات اللازمة لتخفيض اعداد الفقراء، بحيث يعكس هذا المزيج الأولويات الوطنية والواقع المحلي. وسيتوقف الاختيار على السياق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والهيكلي والثقافي السائد في كل بلد على حده. وأوصى البنك في تقريره حول التنمية في العالم 2000/2001 باتباع نهج أشمل حيث يتعين تحديد الأولويات في الحالات الفردية استناداً إلى الموارد المتاحة وما يمكن عمله مؤسسيا. وبالامكان احراز تقدم في تخفيض بعض مظاهر الحرمان حتى وان ظلت المظاهر الاخرى بدون تغيير.. فعلى سبيل المثال، يمكن ان تؤدي حملات مكافحة الجفاف «فقدان السوائل من الجسم» المنخفضة التكلفة التي تستخدم محاليل تؤخذ بالفم إلى احداث تخفيض مهم في معدلات وفيات الرضع، حتى وان لم تتغير دخول الفقراء. ولكن الامر عادة سيتطلب اتخاذ اجراءات في كل المجالات الثلاثة ـ اتاحة الفرص، والتمكين من اسباب القوة، وتوفير الامن ـ نظراً للتكامل بين هذه العناصر الثلاثة. وستكون للاجراءات التي تتخذها البلدان المتقدمة والمنظمات المتعددة الاطراف اهمية بالغة. اذ ان الكثير من القوى التي تؤثر في حياة الفقراء خارجة عن نطاق نفوذهم او سيطرتهم. ولا يمكن للبلدان النامية بمفردها ان تحقق اشياء مثل استقرار الأسواق المالية الدولية، أو تحقيق تقدم كبير في مجال البحوث الصحية والزراعية، او توفير فرص التجارة الدولية. ولذلك ستظل للاجراءات التي يتخذها المجتمع الدولي وللتعاون الانمائي أهمية أساسية. وذكر التقرير السنوي للبنك المجالات المقترحة للعمل سواء على الصعيد المحلي أو على الصعيد الدولي. وأوضح ان السياسات والمؤسسات الأساسية اللازمة لخلق المزيد من الفرص تتطلب اتخاذ اجراءات متكاملة لتنشيط النمو العام، وجعل الأسواق تعمل لصالح الفقراء، وبناء أصول الفقراء ـ بما في ذلك معالجة مظاهر عدم المساواة المتأصلة في توزيع بعض المزايا الطبيعية مثل التعليم. وقال التقرير ان الاستثمار والابتكار التكنولوجي هما المحركان الرئيسيان للنمو في فرص العمل ودخول العمال كما يتطلب تشجيع الاستثمار الخاص تخفيض المخاطر التي يتعرض لها مستثمرو القطاع الخاص ـ من خلال تطبيق سياسة مالية ونقدية مستقرة، وتطبيق أنظمة استثمار مستقرة، واتباع أنظمة مالية سليمة، وانشاء بيئة اعمال واضحة وشفافة، ولكنه يتطلب أيضاً ضمان سيادة القانون واتخاذ اجراءات لمكافحة الفساد ـ بالتصدي لبيئات الأعمال المستندة إلى الرشاوى، وتقديم دعم مالي لكبار المستثمرين، وعقد الصفقات الخاصة، والسماح بقيام احتكارات مفضلة. وأوضح التقرير انه كثيراً ما تكون هناك ضرورة لاتخاذ اجراءات خاصة لضمان ان تكون مؤسسات الاعمال الصغيرة والبالغة الصغر، التي كثيرا ما تكون معرضة بشكل خاص للمضايقات البيروقراطية وشراء الامتيازات من جانب من يتمتعون بصلات قوية، قادرة على المشاركة الفعالة في الأسواق. وتشمل مثل هذه الاجراءات ضمان امكانية الحصول على الائتمان بتشجيع تعميق الأسواق المالية وتخفيض مصادر انهيار الأسواق، وتخفيض تكاليف المعاملات الخاصة بالوصول إلى أسواق التصدير عن طريق زيادة امكانية استخدام تكنولوجيا الانترنت وتنظيم معارض الصادرات وتوفير التدريب على أساليب إدارة الأعمال الحديثة، وبناء طرق فرعية لتخفيض الحواجز المادية امام الوصول إلى الأسواق. كما ان خلق بيئة أعمال سليمة للأسر الفقيرة والشركات الصغيرة قد يتطلب تخفيف القيود التنظيمية واجراء اصلاحات مؤسسية مكملة، على سبيل المثال تخفيض القيود المفروضة على القطاع غير الرسمي، خاصة القيود التي تؤثر في النساء، ومعالجة النواقص في أنظمة حيازة الاراضي والعقارات وتسجيل ملكيتها وهي النواقص التي تثبط أصحاب الاستثمارات الصغيرة. وقال التقرير انه سيتعين اكمال الاستثمار الخاص باستثمار عام لتحسين القدرة على المنافسة وخلق فرص جديدة في الأسواق. ومن الأمور ذات الأهمية الخاصة تنفيذ استثمارات عامة مكملة في توسيع مرافق البنية الأساسية والاتصالات وتحسين مهارات القوى العاملة. وحول التوسع في الأسواق الدولية قال التقرير ان هذه الأسواق تمثل فرصة هائلة لنمو فرص العمل والدخول ـ في مجالات الزراعة والصناعة والخدمات. فكل البلدان التي حققت تخفيضات كبيرة في الفقر الناجم عن انخفاض الدخل استفادت من فرص التجارة الدولية. ولكن الانفتاح التجاري يمكن ان يخلق خاسرين وفائزين على حد سواء، ولن يحقق منافع كبيرة الا اذا كانت لدى البلدان المعنية مرافق البنية الاساسية والمؤسسات التي تستند اليها الاستجابة القوية في جانب العرض. ولذلك يجب ان يصمم الانفتاح تصميما جيدا، مع توجيه اهتمام خاص للاوضاع الخاصة بالبلد المعني والاختناقات المؤسسية وغيرها من الاختناقات. ويفترض ان يؤدي ترتيب تسلسل السياسات إلى تشجيع خلق فرص العمل والتحكم في عملية القضاء على بعض فرص العمل. وتحرير التجارة الذي يكون محابيا بدرجة أكبر للفقراء لا يكون بالضرورة أبطأ حركة، فالتحرك بسرعة يمكن ان يخلق مزيدا من الفرص للفقراء. ويفترض ان تعوض السياسات الصريحة التكاليف الانتقالية العابرة التي يتحملها الفقراء. وأكد التقرير انه يجب ان تدار بحكمة عملية انفتاح حساب رأس المال ـ بما يتماشى مع تطور القطاع المالي المحلي ـ وذلك لتخفيض مخاطر ارتفاع درجة التقلب في تدفقات رؤوس الأموال. والاستثمار المباشر الطويل الاجل يمكن ان يجلب عناصر خارجية ايجابية، مثل نقل المعارف، ولكن التدفقات القصيرة الاجل يمكن ان تجلب عناصر خارجية سلبية، خاصة درجة التقلب. ولذلك يجب ان تعالج السياسات هذين الوضعين كلاً على حده. وقال التقرير ان بناء اصول الفقراء، يتطلب بناء الاصول البشرية والمادية والطبيعية والمالية التي يمكن ان يمتلكها أو يستخدمها الفقراء اتخاذ اجراءات على ثلاث جبهات. أولا، زيادة تركيز الانفاق العام على الفقراء بوجه خاص، وزيادة المعروض من الخدمات الاجتماعية والاقتصادية الأساسية، وتخفيف القيود في جانب الطلب «مثلا من خلال تقديم منح دراسية للأطفال الفقراء». ثانياً، ضمان تقديم خدمات جيدة النوعية من خلال اتخاذ اجراءات مؤسسية تنطوي على تطبيق نظام ادارة سليم واستخدام الأسواق والعناصر الفاعلة المتعددة. ويمكن ان يعني هذا اصلاح نظام تقديم الخدمات العامة كما هو الحال بالنسبة للتعليم أو خصخصة تقديم الخدمات بطريقة تضمن زيادة الخدمات المقدمة للفقراء، وهو أمر معقول في كثير من الاحيان في مجال توفير المياه ومرافق الصرف الصحي في المدن. ثالثاً، ضمان مشاركة المجتمعات المحلية والأسر الفقيرة في اختيار وتنفيذ الخدمات ومراقبتها لجعل مقدمي الخدمات مسئولين أمام الفقراء، مثلما حدث في مشروعات في السلفادور وتونس واوغندا، وتشمل برامج بناء اصول الفقراء التوسع عريض القاعدة في خدمات التعليم مع مشاركة أولياء الأمور والمجتمعات المحلية في ذلك، والبرامج المشجعة على البقاء في المدارس «مثل تلك المطبقة في بنجلاديش والبرازيل والمكسيك وبولندا»، وبرامج التغذية، وبرامج الرعاية الصحية للأمهات والأطفال، وبرامج التحصين باللقاحات والاجراءات التدخلية الصحية الأخرى، والخطط المستندة إلى المجتمعات المحلية لحماية موارد المياه وغيرها من عناصر البيئة الطبيعية. وأوضح التقرير ان هناك عناصر تكامل قوية بين الاجراءات التي تتخذ في المجالات المختلفة. فنظرا لوجود روابط وثيقة بين الاصول البشرية والمادية، على سبيل المثال، فان تحسين امكانية حصول الفقراء على الطاقة أو وسائل النقل يمكن ان تزيد امكانية حصولهم على التعليم والعوائد المتحققة منه. وتحسين البيئة يمكن ان تكون له آثار كبيرة على الفقر. وهذا الأمر موثق بقوة من حيث المكاسب الكبيرة التي تتحقق في مجال الصحة نتيجة تخفيض تلوث الهواء والماء ـ الذي له تأثير قوي على بعض أهم الأمراض التي يصاب بها الفقراء. وقال التقرير ان معالجة مظاهر عدم المساواة في الاصول على أسس جنسية وعرقية وعنصرية واجتماعية. يتطلب اتخاذ اجراءات خاصة في كثير من المجتمعات للتصدي لمظاهرعدم المساواة المستندة الى اسباب اجتماعية في مجال حيازة الاصول وعلى الرغم من ان المصاعب السياسية والاجتماعية كثيرا ما تعرقل التغيير، فان هناك أمثلة عديدة على الآليات التي تعمل بنجاح، باستخدام مزيج من الانفاق العام، والتغيير المؤسسي، والمشاركة، احدى هذه الآليات هي الاصلاح الزراعي التفاوضي الذي تسانده اجراءات عامة لمساندة صغار المزارعين، كما حدث في شمال شرق البرازيل وفي الفلبين. وثمة آلية اخرى هي حفز البنات على الانتظام في الدراسة، مثلا عن طريق تقديم مبالغ نقدية أ مواد غذائية مقابل الانتظام في الدراسة، كما حدث في بنجلاديش والبرازيل والمكسيك، وتعيين مزيد من المدرسات، كما حدث في باكستان، وثمة آلية ثالثة هي مساندة مشروعات توفير الائتمان البالغ الصغر للنساء الفقيرات. وقال التقرير ان ايصال مرافق البنية الرئيسية والمعرفة الى المناطق الفقيرة ـ الريفية والحضرية. يستدعي ايضا اتخاذ اجراءات خاصة في المناطق الفقيرة، حيث يمكن ان يؤدي مزيج الحرمان من الاصول ـ بما في ذلك على مستوى المجتمع المحلي أو المستوى الاقليمي ـ الى تقليص الاحتمالات والفرص المادية امام الفقراء. ويتطلب التصدي لهذا الوضع ايضا مساندة عامة ومجموعة متنوعة من المناهج المؤسسية والاشراكية. ويتطلب توفير مرافق البنية الاساسية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق النائية الفقيرة، بما في ذلك مرافق النقل، والاتصالات السلكية واللاسلكية والمدارس، والخدمات الصحية، والكهرباء، كما حدث في برامج المناطق الفقيرة في الصين، كذلك يتطلب توفيرا واسع القاعدة للخدمات الحضرية الاساسية في احياء المدن الفقيرة، في اطار استراتيجية حضرية عامة، ومن الامور المهمة ايضا زيادة امكانية حصول القرى الفقيرة على المعلومات، لتمكينها من المشاركة في الاسواق ومن مراقبة عمل الحكومة المحلية.