في الحلقة الماضية كان حديثنا مدخلا عاما للتنمية البشرية تلك التي بدأ الاهتمام بها بشكل جدي وعلى مستوى عالمي منذ اوائل التسعينات في القرن الماضي وعندما افردت الامم المتحدة لها تقريرا خاصا وسنويا ، يعرف باسم «تقرير التنمية البشرية» وقد عرفت التنمية البشرية فيه بانها توسيع لخيارات الناس.. وقد نقدنا هذا التعريف بكل موضوعية ولكننا لا ننكر اهمية التقرير والدراسات المستنبطة منه والتي تعد مؤشرا جيدا لمستوى ما وصلت اليه الدول في هذا المجال. في هذه الحلقة سنحاول ان نبين الاسباب الجوهرية التي دعت الدول عامة الى الاهتمام بالتنمية البشرية ودول مجلس التعاون خاصة.. لأن معرفة الاسباب تسهل على الاخرين وبالتخصيص اصحاب القرار مهمة ايجاد الوسائل الملائمة والسبل الصحيحة لمعالجة هذه الظاهرة.. انطلاقا من تفادي اسبابها اولا ومعالجة اثارها ثانيا. لاشك ان التنمية البشرية هي اساس ونتاج التنمية الاقتصادية. ولا يمكن تصور تنمية اقتصادية حقيقية دون تنمية بشرية. والعكس صحيح.. ومادام ان هذا المصطلح قد ظهر حديثا والاهتمام به جديدا فان الوقوف على اسباب التنمية الاقتصادية يقدم صورة اوسع واوضح للموضوع الذي نحن بصدده. لقد قيل عن حق.. الحرب قاطرة التاريخ تحمل معها متغيرات لا تحملها السلم بعشرات السنين ان الحروب بين الدول الرأسمالية الأوروبية نفسها خاصة في القرنين الماضيين حروب في جوهرها من اجل السيطرة على الاسواق والمستعمرات ثم حروب فيما بينها وبين الدول الاشتراكية (سابقا) سواء اكانت حروبا ساخنة ام باردة.. هذه الحروب دفعت الدول جميعا للاهتمام بالتنمية.. ان مشاركة النمو الاقتصادي في نمو القوة العسكرية كان امرا ضروريا.. وبدونه تضعف الطاقة الحربية للامة.. وبشكل عام فإن قوة الاقتصاد السلمي هي ايضا قوة وعصب للاقتصاد الحربي. ان العصب الاقتصادي وقت السلم مصطلح يشير ببساطة الى الموارد المنتجة لكل القطاعات والتي تتضمن المخزون للسلع الاستهلاكية الدائمة والسلع الاستثمارية وحقوق الدول الصافية على الدول الاخرى وباستثناء الاخيرة فان هذه الموارد (الثروة) تتكون لا من الحقوق على الورق (النقود والتأمين وما شابه.) ولكن من اشياء حقيقية من موارد طبيعية وشعب ماهر. ان الاقتصاديات الناضجة في دول اوروبا الغربية والولايات المتحدة اصبحت تعاني ـ خاصة بعد الحرب العالمية الثانية ـ من الركود ولفترات طويلة احيانا وعدم الوصول الى حالة الاستخدام الشامل.. ولمعالجة هذا الوضع تطلب الامر التوجه نحو التنمية الاقتصادية لمعالجة تلك الظواهر السلبية. ان النمو الاقتصادي السريع للاتحاد السوفييتي (سابقا) أثار بعد الحرب العالمية الثانية ولغاية اواسط الثمانينات من القرن الماضي فزعا متزايدا لدى الغرب. كان العالم حتى وقت قريب يراقب باهتمام السباق في التقدم الاقتصادي بين الغرب الرأسمالي والشرق الاشتراكي.. ان نمو الاقتصاديات الشرقية ـ احيانا ـ والمؤسسة الخاصة في اليابان ازعجا الدول الغربية. كما ان نمو حركات التحرر الوطني في البلدان النامية، خلقت متاعب جمة للدول الاستعمارية وعلى كافة الاصعدة الاقتصادية والسياسية والعسكرية.. مما اضطرت هذه الدول الى الاهتمام بالمشكلة المركزية للتنمية الاقتصادية. مشكلة تراكم رأس المال والاستثمار في الاقطار المتخلفة ـ هذا من جهة ومن جهة اخرى فان اغلب الدول النامية اليوم، كانت في وقت مضى دولا كولونيالية تحت السيطرة الاجنبية، عانت الامرين وتخلفت كثيرا عن ركب الحضارة، وتتطلع اليوم للالتحاق بالركب الانساني المتقدم، ومن الانصاف ليس الاعتراف بآمال هذه الدول وحسب وانما مساعدتها على ما فقدته في الماضي.. ان دول اقطار مجلس التعاون واجهت في الماضي ظروفا معقدة ومركبة للغاية.. فبالاضافة الى شح الطبيعة وقساوتها وندرة الموارد الاقتصادية الاخرى فيها.. فانها وربما اكثر من عانت من النظام الاستعماري الدولي الحديث وبالاخص الدول المطلة على مضيق هرمز (عمان والامارات). ان اهمية الخليج كممر مائى دولي كانت ومازالت كبيرة فانه نقطة الوصل والارتكاز بين الغرب والشرق وبسبب هذا الموقع الجغرافي المتميز عانت دول الخليج اكثر ما عانت منه دول العالم الثالث.. وتكاد تكون كل الدول الاستعمارية الأوروبية قد حلت واستقرت في هذه المنطقة لفترة تطول او تقصر طبقا لظروف الصراع الدولي الاستعماري. ومنذ القرن السادس عشر.. فان الاستعمار البرتغالي الذي كان من اوائل الانظمة الاستعمارية حط رحاله في دول الخليج.. وما الحروب الدامية والتضحيات الجسام التي بذلتها شعوب هذه الدول وبالاخص شعبي عمان والامارات والتي استمرت قرونا من الزمن لخير دليل على تلك المعاناة.. ثم تبع ذلك كل من الاستعمار الهولندي والفرنسي.. الى ان استطاع الانجليز في نهاية المطاف بسط سيطرتهم على كامل المنطقة.. بدءا من مضيق باب المندب وعدن وانتهاء بالكويت مرورا بعمان والامارات والبحرين وقطر.. كانت منطقة الخليج القاعدة المتقدمة للدفاع عن شبه القارة الهندية التي كان الانجليز يسيطرون عليها.. وبقيت اهمية الخليج محصورة بعوامل الجغرافيا والاستراتيجية الى ان بدأ النفط يتدفق منه منذ الثلث الأول من القرن الماضي وحتى يومنا هذا.. اضاف هذا الاكتشاف السعيد بعدا هاما اخر فتضافرت عوامل الجغرافيا مع عوامل الجيولوجيا لتضع الخليج العربي، كأهم منطقة استراتيجية في العالم سواء من وجهة نظر اقليمية او عالمية. يحتضن الخليج العربي حوضا نفطيا يقدر بأكثر من 50% من الاحتياطي العالمي المؤكد هذه الاحتياطيات قادرة على تزويد العالم بهذه المادة الحيوية لفترة تربو على النصف قرن في حين ان الاحتياطات الأمريكية على سبيل المثال لا تكفي لسد حاجات مواطنيها فقط لفترة عقد من الزمن. مع بدايات الانتاج التجاري لهذا المنجم النفطي ولغاية الربع الأول من السبعينات.. (قرابة اربعة عقود) فان العوائد النفطية للدول المضيقة ـ المالك الحقيقي لهذه السلعة الحيوية كانت ضئيلة بسبب سيطرة الشركات النفطية الكبرى على صناعة النفط العالمية ولكل مراحلها.. تصرفت تلك الشركات بأنانية مطلقة.. اذ اضاعت فرصاً تنموية كبيرة على دول المنطقة ومع تحرير هذه السلعة من سيطرة الشركات ـ بعد عام 1973 وانطلاق الاسعار بالمنطق الاقتصادي تراكمت عوائد مالية معتبرة في كل دول مجلس التعاون.. واستطاعت هذه الدول ان توظف هذه العوائد توظيفا عقلانيا.. من خلال متاجرة النفط بالتنمية الاقتصادية.. كانت السياسة النفطية لهذه الدول ـ بشكل عام ـ ترتكز على الاسس والاركان التالية: ـ احداث تنمية اقتصادية بوتائر عالية وبصورة دائمة. ـ تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على سلعة واحدة ـ كي لا يوصف اقتصادها بانه اقتصاد منكفيء الجانب. ـ زيادة القيمة المضافة لتلك السلعة الأولية (النفط والغاز) من خلال الدخول في العمليات اللاحقة للانتاج ومن بابها الواسع (الصناعات النفطية والبتروكيمائية..). ـ تطوير البنى الاساسية وجعلها مواكبة للعصر باستمرار. ـ واخيرا وربما اهمها عى الاطلاق.. الاهتمام بالتنمية البشرية (الصحة والتعليم.. والرفاه المادي والمعنوي..!) وربما كلمة صاحب السمو الشيخ زايد رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ في هذا المجال خير معبر عن هذه الفكرة. «ان أثمن ثروة لهذا البلد هي الانسان الذي يجب ان نعتني به كل العناية ونوفر له كل الرعاية»