بعض من اهم الدروس في نظرية التجارة العالمية تلك التي يمكن ان تحللها الدول المتطورة والدول النامية معاً. اضافة الى الدروس الاكثر إثارة وقيمة هي تلك التي تقدم شيئاً غير متوقع أو على الاقل على العكس من الآراء الشهيرة والسائدة. عند تحليلنا للدروس التي يمكن استنباطها من نظرية التجارة العالمية سوف نتجنب الدخول في مشاكل تطبيق النظرية لان ذلك سوف يتطلب تحليلاً سياسيا، وذلك ليس اختصاصنا في هذه الدراسة. كما اننا لن ندخل في الحجج المقابلة لمؤيدي الحماية مثل مخاطر التخصص لان ذلك يتطلب تحليلا منفصلا وربما تطرقنا اليه في دراسة لاحقة. 1 ـ يقوم التأييد الرئيسي للتجارة الحرة على أن التجارة الحرة يمكنها رفع الكفاءة الكلية للاقتصاد: يوجد في معظم نماذج التجارة تحسن في الكفاءة الكلية وذلك عندما يتحول الاقتصاد مما يسمى بالاكتفاء الذاتي الى التجارة الحرة. وذلك مماثل للزيادة في الرفاهية القومية. بالامكان تحليل تحسن الكفاءة الى مؤثرين منفصلين: كفاءة الانتاج وكفاءة الاستهلاك تحسن كفاءة الانتاج يعني ان تتمكن الدول من انتاج بضائع وخدمات اكثر من نفس القدر من الموارد. بمعنى آخر أن ترتفع الانتاجية للموارد المتاحة للانتاج أو ان انتاج الكمية نفسها من البضائع والخدمات بموارد اقل وتكلفة أقل. تحسن الكفاءة الاستهلاكية يعني جوهريا ان يكون للمستهلكين مجموعة من البضائع والخدمات المرضية ليختاروا من بينها. 2 ـ تبين نظرية التجارة ان بعض الناس سوف يعانون من الخسائر في التجارة الحرة: المفهوم الخاطيء عن اقتصاد التجارة العالمية انها تهدف لأن يستفيد الجميع من التجارة الحرة. وكثيراً ما نسمع بان التبادل الاختياري بين الافراد أو بين الامم يجب ان يفيد طرفي المعاملة، او ألا تحدث تلك المعاملة اصلا.. وبالرغم من ان تلك الحجة صالحة اذا تم التبادل بين شخصين، فان النتيجة تتغير عندما نضع في الاعتبار دولتين تتكونان من عدد مضاعف من افراد. يعتنق الاقتصاديون انفسهم موقف ان التجارة الحرة تفيد الجميع «على الاقل المدى البعيد». اما في المدى القريب فان عوامل الانتاج قد تتجمد نسبيا عبر الصناعات. وفي وجود الجمود بإمكاننا ان نشاهد انه بينما تستفيد الصناعات المصدرة من التجارة الحرة، تخسر الصناعات المستوردة المنافسة. وعليه فان مشاكل تكيف الموارد تفسر الخسائر لبعض الفئات في المدى القريب. يقول بعض الاقتصاديون انه وفي المدى البعيد وحينما يكون بإمكان جميع الموارد التحول للصناعات البديلة، يستفيد كل فرد في الاقتصاد من التجارة الحرة. بينما يجادل آخرون ان بعض المجموعات ستستمر في الخسارة حتى في المدى البعيد. وهناك تعقيد آخر وهو انه ليس بإمكان الجميع الصمود حتى المدى البعيد. وكما اشار من قبل جون ماينارد كينيس «سنكون موتى في المدى البعيد». وإذا لم نمت، فحتما سيتقاعد بعض الافراد من القوى العاملة قبل حلول هذا المدى البعيد. وربما يكون من سوء حظ هؤلاء الافراد ان يعيشوا فقط سلبيات خسائر المدى القريب في الصناعة. وعند تقاعدهم، تمتد خسائرهم في المدى القريب الى خسائر في المدى البعيد. دائما ما يستبعد الاقتصاديون ما يتعلق بالخسائر المحتملة من تحرير التجارة بإيمائهم بان تعويضا سوف يقدم. ويقوم «مبدأ التعويض» على سحب بعض المكاسب من الفائزين واعطاؤها للخاسرين بالقدر الذي يجعل الجميع افضل حالا نتيجة للتجارة الحرة. وعلى الرغم من ان تصور هذا المبدأ صحيح، الا ان تطبيقه بفعالية يبدو غير ممكن وخصوصا عندما تكون عملية القرار السياسي متأثرة بمجموعات الضغط (الفائزون من التجارة الحرة) والذين سيحاولون إعاقة اي تعويض. 3 ـ ربما يستفيد قطر ما من التجارة الحرة حتى ولو كان اقل كفاءة من جميع الدول الاخرى وفي جميع الصناعات: يبدو معقولا ان تكون احدى المنشآت أنجح من الاخرى في السوق المحلي، اذا ما تمكنت من تصنيع انتاجها بكفاءة أكثر، اي بتكلفة اقل، عن المنشأة الاخرى، واذا ما كانت المنشأتان تنتجان نفس المنتجات فان المنشأة الاقل كفاءة ستتعرض للابعاد من السوق، مثقلة بالخسائر. واذا امتد هذا المثال للسوق العالمي سيكون معقولاً ان تمتص منشأة اجنبية أكثر كفاءة، السوق من اخرى محلية أقل كفاءة. وأخيرا فلنفترض ان جميع المنشآت وفي جميع الصناعات في السوق المحلي أقل كفاءة من جميع المنشآت وفي جميع الصناعات في الدول الاجنبية. سيبدو منطقيا استحالة نجاح اي منشأة محلية في منافسة المنشآت الاجنبية في السوق العالمي. وسيبدو للمنافسة العالمية فقط التأثير السلبي على المنشآت المحلية والبلد المحلي. ما يبدو استنتاجا منطقيا هنا تدحضه نظرية الافضلية النسبية والتي تعرض نتيجة مدهشة. هذه النظرية تدعي ان المنشآت الاقل كفاءة في بلد ما يمكنها بالتأكيد المنافسة مع المنشآت الاجنبية في السوق العالمي. وتدعي أكثر من ذلك انه وبالتحول للتجارة الحرة فإن دولة أقل كفاءة سوف تجني زيادة في الرفاهية للجميع في تلك الدولة. ستفيد التجارة الحرة تلك الدولة حتى ولو كانت اقل كفاءة في انتاج كل شيء مثال بسيط سيشرح لنا هذه النظرية. نعتبر اقتصادا عالميا بسيطا، به دولتان فقط (أ) و(ب) ولكل دولة قواها العاملة، ويستحيل على العمالة ان تهاجر من دولة الى اخرى. عامل الانتاج الوحيد هو العمالة، ولجميع العاملين في الدولتين نفس القدر من المهارات. وتنتج الدولتان صنفين فقط وهما سيارات وكمبيوترات. والآن دعنا نفترض ان الدولة (أ) تحتاج الى وحدة واحدة من العمالة لانتاج وحدة واحدة من السيارات ووحدتين من العمالة لانتاج وحدة واحدة من الكمبيوتر بينما تحتاج الدولة (ب) الى وحدتين من العمالة لانتاج وحدة واحدة من السيارات وثلاث وحدات من العمالة لانتاج وحدة واحدة من الكمبيوتر. عليه فإن الدولة (أ) لها أفضلية مطلقة في انتاج السيارات والكمبيوترات معا. ولذلك ربما يعتقد المرء ان الدولة (أ) ليس لها مبرر للتجارة مع الدولة (ب) بيد أن هذا الاستنتاج لن يكون صحيحا، وعلى الرغم من تخلفها في جميع خطوط الانتاج فإن الدولة (ب) يمكنها انتاج الكمبيوترات وتصديرها بربحية. لنعرف كيف يتم ذلك لابد ان نحدد الاسعار للمنتجين في كل دولة في غياب التجارة العالمية (الاكتفاء الذاتي). ولنتمكن من ذلك فلنفترض ان الاسواق تنافسية، والتي تشير ضمنيا الى ان كل منتج سوف يباع في كل دولة بتكلفته الهامشية. والتكلفة الهامشية لكل منتج وببساطة هي تكلفة وحدات العمالة التي تدخل فيه. والآن افترض ان عملة الدولة (أ) هي س وعملة الدولة (ب) هي ص ووحدات العملة في كل دولة تعادل سعر وحدة العمالة في الاكتفاء الذاتي وهي 1.0 ولذلك فان اسعار السيارات والكمبيوترات في كل دولة تساوي ما صرف عليها من عمالة. وعليه وبناء على الافتراضات السابقة فإن سعر وحدة واحدة من السيارات في الدولة (أ) هو 1.0 س وسعر الوحدة من الكمبيوترات هو 2.0 س بينما تكلف الوحدة الواحدة من السيارات في الدولة (ب) 2.0 ص وتكلف الوحدة الواحدة من الكمبيوترات 3.0 ص. انطلاقا من هذه النقطة في الاكتفاء الذاتي، تصور ان شخصا من الدولة (أ) يزور الدولة (ب) ويحضر معه سيارة. ويلاحظ ذلك الشخص اسعار السيارات والكمبيوترات في الدولة (ب)، ويصل الى حقيقة ان سيارته يمكن بيعها بما يكفي من العملة المحلية (2.0 ص) لشراء 2/3 وحدة من الكمبيوترات ومن ثم يقوم بأخذ الكمبيوتر إلى موطنه في الدولة (أ) ويبيعه بسعر يعادل 1.33 س (2/2.03 س) والشخص نفسه بإمكانه الان شراء سيارة جديدة بمبلغ وقدره 1.0 س ويظل معه مبلغ 0.33 س عبارة عن ربح ناتج عن هذه العملية. وبناء عليه يستطيع هذا الشخص تكوين مبلغ جيد من الارباح بتصدير الكثير من السيارات واستيراد الكثير من الكمبيوترات. نفس التحليل يمكن ان يعمل عكسيا اذا ما قام تاجر من الدولة (ب) بزيارة الدولة (أ) وبصحبته كمبيوتر كلفه 3.00 ص ثم باعه في السوق المحلي بمبلغ 2.00 س واشترى بهذا المبلغ سيارتين بسعر 1.00 س للواحدة ويعود بهما للدولة (ب) وبيعهما بمبلغ 2.00 ص لكل واحدة سيتحصل على 4.00 ص (2سيارة 2.00 ص). وهكذا فإن التجار من الدولة (أ) سيكسبون أموالا بتصدير السيارات الى الدولة (ب) لأن للدولة (أ) افضلية نسبية في انتاج السيارات. وسيكسب التجار من الدولة (ب) من تصدير الكمبيوترات الى الدولة (أ) لأن للدولة (ب) الافضلية النسبية في انتاج الكمبيوترات.