اقترنت الميزة التنافسية بالتخطيط الاستراتيجي للمؤسسات التجارية لتضع خدماتها وبضائعها في موقف تنافس استراتيجي بالنسبة لذلك السوق والمنافسين الآخرين، يضمن لها الاستمرارية ، بجني أعلى ربحية وحصة من السوق، هذا بالنسبة للمؤسسات التجارية أما بالنسبة للدول والمجتمعات والمدن فما الذي يجعلها تتطور وتزدهر عن غيرها؟ ولماذا ينجح في ذلك بعضها ويفشل البعض الآخر تحت وطأة المنافسة الدولية؟ أو بالأحرى لماذا بعض الدول تكون مقراً للمؤسسات الدولية الناجحة؟ لقد عجزت النظريات الاقتصادية في التجارة الدولية والتي تعتمد على التخصيص في الموارد الأولية كأساس للمنافسة الدولية لزيادة الدخل القومي والازدهار العام، مقارنة بتلك الدول التي لاتمتلك هذه المقومات ولكن اداءها الاقتصادي والتنافسي افضل بكثير. فاليابان والمانيا خرجتا من الحرب العالمية الثانية باقتصاد مدمر واستطاعتا ان تصلا الى المرتبة الثانية والثالثة على التوالي في الاقتصاد العالمي، وهناك دول على الرغم من محدودية مواردها الاقتصادية وخلفيتها الصناعية استطاعت ان تفرض نفسها على خارطة العالم، وفي المقابل هناك دول اخرى تربعت على العرش الاقتصادي العالمي إلا انها اضمحلت واصبحت في موقف غير تنافسي كالمملكة المتحدة على سبيل المثال. الإطار الاستراتيجي في محاولة لوضع نظرية جديدة لفهم هذا الارتقاء والانخفاض في مستوى التنافس الدولي، قام مايكل بورتر عميد الاستراتيجية التنافسية في كتابه «الميزة التنافسية للدول» بتناول هذا الموضوع، حيث يرى ان الميزة التنافسية للدول تعتمد بالدرجة الاولى على خلق المناخ التجاري والمؤسسات الداعمة للارتقاء وتطوير الكفاءة الانتاجية، وانه بزيادة هذه الكفاءة تستطيع الدول زيادة ازدهارها (مستوى الدخل للفرد) ويتم ذلك باستطاعتها ان تنتج قيمة أكبر من الموارد نفسها، وللحكومة الدور الجوهري في خلق هذا المناخ وكما للقطاع الخاص له دوره في الاستثمار للارتقاء بتلك الكفاءة. وبصفة عامة فإنه يرى الميزة التنافسية لدول تكمن في النمو المستمر في الكفاءة والارتقاء المستمر في الاقتصاد من التطور في قطاع أو القطاعات الاقتصادية المعنية. مقومات التنافس ان مفهوم التنافس للمؤسسات التجارية يجب ان يكون ذا طبيعة استمرارية ويعتمد هذا على ثلاثة عوامل: ـ هيكل الموارد التنافسية (الموارد الدنيا تتكون من الموارد الرخيصة كالعمالة والمواد الخام والعليا المتكونة من اقتناء الموارد المتخصصة كالتكنولوجيا وخدمات متميزة والعلامة التجارية). ـ امتلاك المؤسسة لعدد اكبر من الميزات التنافسية. ـ الارتقاء والتطوير المستمر في الميزات التنافسية. أما المفهوم التنافس للدول فيعتمد على اربعة عوامل: ـ عامل الموارد ويشكيل من عوامل الانتاج بالدولة كالعمالة المؤهلة والبنية التحتية التي يحتاجها القطاع المعين للتنافس. ـ عوامل الطلب وهي طبيعة الاستهلاك المحلي لبضائع وخدمات هذا القطاع. ـ عامل القطاعات المساندة والداعمة في الدولة لهذا القطاع ودرجة تطورها على المستوى التنافسي الدولي. ـ عوامل الاستراتيجية المؤسسية والهيكل الصناعي ودرجة التنافس بينها والتي من خلالها تستطيع الدولة من تنظيم وادارة هذه الطبيعة التنافسية بها. ان ترابط هذه العوامل مع بعضها البعض تحدد طبيعة المناخ التنافسي لتكوين ذلك المستوى من التنافس، وتكون الدولة في موقف تنافسي دولي أكبر كلما كان القطاع اكثر تقدما ومتطورا فنيا، ويعزز هذا ما توليه الدولة من المفاخرة لهذه القطاعات مما يجذب العمالة المهرة ورأس المال، وكذلك عدد الشركات الجديدة التي تدفع هذا القطاع للمنافسة والابتكار، وهذا كله يصب في دور الحكومة الذي يتمثل في ذلك القائد المتفهم لمتطلبات التطور الاقتصادي. نموذج التنافس ان القطاعات الاقتصادية بالدولة إما ان تكون في حالة ارتقاء أو توسع او اضمحلال، وهنا يعرض مايكل بورتر بوضع النموذج التالي: الموارد الاستثمار الإبداع الثروة النموذج اعلاه يوضح المراحل الدافعة لتطور الوضع التنافسي للدولة، فمرحلة الموارد تمر فيها جميع الدول وتتضمن تلك الموارد الطبيعية ونوعية العمالة المتوفرة، وفي هذه المرحلة يتأثر الاقتصاد بالتقلبات الاقتصادية الدولية، وتكون أكثر تأثراً عندما تكون هذه الموارد ذات طابع غير متقدم مما يعرضها لخسارة ميزتها التنافسية لدول اخرى، ولهذا فإنه قليل من الدول تتخطى هذه المرحلة. تتطلب مرحلة الاستثمار الرغبة والمقدرة في الاستثمار الشرس من الحكومة والقطاع الخاص في تطوير قطاعات معينة والارتقاء بها بحيث تكون بضائعها وخدماتها ذات خاصية علي المستوى التنافسي الدولي، وتتفاعل هذه المرحلة مع مرحلة الموارد حيث تزداد فيها نوعية العمالة الماهرة وتنتشر الجامعات والمعاهد ويتم تطوير التكنولوجيا الاجنبية المكتسبة، وبشكل عام تزايد تكلفة العمالة والموارد، وهنا تكتسب سياسات الحكومة اهمية خاصة لان هذه المرحلة لا تخلو من العثرات والعراقيل. وفي مرحلة الابتكار وكنتيجة لتلك الاستثمارات تصبح مؤسسات ذلك القطاع في وضع تقني متطور مما يسمح لها المنافسة الدولية وكذلك هذا التطور في تقنياتها يدفعها للابتكار في خدماتها وبضائعها ومع حجم المامها المتنامي وعلاقاتها بالسوق العالمي يجعلها في موقف يسمح لها بالاستثمار الاجنبي وتوسيع شبكة عملياتها العالمية، وهذا الزخم من الابتكار والنوعية العالية من العمالة الماهرة بحد ذاته يعظم عوامل الموارد والقطاعات الريفة والمساندة والتي بدورها تزيد لهب هذه المرحلة وهكذا تدخل في دوامه مستمرة تضع الدولة في وضع تنافسي دولي، ويتصف الاقتصاد في هذه المرحلة (نتيجة لزيادة الدخل والارتقاء في نوعية المستهلك العلمية) بميول المستهلك المحلي نحو الامور الترفيهية، ويكون اقتصاد الدولة في هذه المرحلة أقل تأثراً بتقلبات الاقتصاد العالمي، وتتجه سياسات الحكـومة بطريـقة غـير مباشـرة نحـو تطوير عوامل الموارد ومناخ المنافسة. اما مرحلة الثروة فتشكل نجاح الدولة في اجتياز المراحل الثلاث الاولى، ويكون الدافع في هذه المرحلة هي تلك الثروة الفائضة من الانجازات السابقة، وعادة ما يتم تحويلها نحو الاستثمارات المالية الاكثر اغراء بدلاً من الفرص الصناعية مما يسحب السجادة من الاستثمار المستمر في ابتكار الخدمات والبضائع وترفيه الوضع التنافسي للدولة، وهنا يبدأ الموقف التنافسي الدولي في الاضمحلال. هذا ويشير مايكل بورتر ان نموذجه ليس أحادي الاتجاه، بل هناك علاقة مشتركة بين العوامل والمراحل تقوى أو تضعف الواحدة الاخرى، كما انه من الممكن استخدام الفوائض المالية من مرحلة الثروة والبدء من جديد أو نحو مرحلة الاستثمار او الابتكار، والجدير بالذكر انه اوضح ان التنمية لا تأتي بصور منظمة بل على صورة زخات من الارتقاء السريع، واخيرا فانه يرى أية دولة مهما كانت فهي دائما تواجه التحديات المختلفة للانتقال نحو مستوى تنافسي وكفاءة أعلى. دبي: الاطار والنموذج لقد برز دور الحكومة منذ بداية الطريق متمثلا في شخص ذلك القائد المتفهم لمتطلبات التنمية الاقتصادية، في ظل المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم كانت الموارد محدودة إن لم تكن معدومة وكذلك كانت خياراته، الا انه بنظرته الثاقبه رأى في قطاع التجارة المنقذ الوحيد فجمع حوله التجار ليتفهم احتياجاتهم ومتطلباتهم، وعندما نصب حاكما لدبي ابتدأت شعلة التنمية والتطور، ففي بداية الستينيات اقترض لتوسعة الخور واضافة رافعة لتنزيل وتحميل البضائع (والتي مازالت شاهدا امام مكتب الحاكم القديم) وانشأ مطار دبي القديم، وشجع وشارك القطاع الخاص في تأسيس بعض المؤسسات الاقتصادية من بنك دبي الوطني الى شركة الكهرباء والتلفونات والمرطبات والتأمين، وبهذه الاستثمارات تعضدت مقومات الموارد التي بدورها جذبت مزيداً من التجار والتجارة، وباكتشاف النفط انشأ ميناء راشد والمطار الجديد وبطفرة اسعار النفط وسعت طاقة دبي الاستيعابية بتلك الاستثمارات الهادفة. هذا كله كان في مناخه محفزاً للتجارة والتجار والقطاعات المساندة والداعمة لها، وهكذا الاستثمار يعضد الموارد والتي بدورها تدفع الاستثمارات نحو شبكة اتصالات تجارية دولية اوسع ترقى بالاقتصاد ككل من مبان وسيارات وفنادق ومختلف القطاعات الداعمة والمساندة. واستمر هذا النهج بتوجيهات الشيخ راشد حيث قام سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بتكملة هذا المشوار بتعضيد التنافس الدولي لقطاع التجارة بالاستثمار في عوامل الموارد الدافعة، فسياسة الاجواء المفتوحة ادت الى سهولة الانتقال من والى دبي حتى زاد عدد شركات الطيرات التي تستخدم مطار دبي عن 100 شركة، وبابتكار المنطقة الحرة بميناء جبل علي اعطت الشركات العالمية افضل الخيارات بالتمركز بدبي وخدمة اسواقها في المنطقة في مناخ وفلسفة حكم تكاد ان تكون فريدة في المنطقة ككل. هذا واضاف سمو الشيخ محمد قطاعا اقتصاديا جديدا لدبي، فمن خلال السياسات الحكومية والاستثمار اصبحت دبي وفي غضون سنوات قليلة ذات ميزة تنافسية دولية في قطاع السياحة، واشارت مؤخراً مجلة ميدل ايست ترافل بان دبي استطاعت ان تجذب قسماً من السوق السياحي لجزر الكاريبي. من افضل النماذج التي مرت بمراحلها الثلاث هي اكتساب تقنية ادارة الموانيء وطورت وتم تصديرها واستثمار هذه التقنية دوليا وعلى سبيل المثال ادارة ميناء جدة وميناء جيبوتي وكذلك بالنسبة الى ادارة المعارض التجارية، وتمثل كذلك في طيران الامارات باقتنائها حصة في الطيران السيلاني والقيام بإدارتها. ومما يؤكد ان دبي في مرحلة الابتكار اطلاق سمو ولي العهد مشاريع المرسى والنخلة ومدينة الانترنت والمدينة الاعلامية، وكذلك انتشار مراكز الترفيه والمطاعم ودور السينما ومراكز التسوق، ومهرجان التسوق وحده خير دليل على أن دبي في مرحلة الابتكار ـ لقد فشلت العديد من الدول في تقليد هذا الابتكار، والسبب الرئيسي لذلك هو عدم تجاوزها المرحلة الاولى (الموارد) والثانية (الاستثمار) الى الان. واخيرا يطرح السؤال نفسه بعد 20 ـ 30 سنة هل ستتخبط دبي في مرحلة الثروة وتفقد ميزتها التنافسية الدولية؟ ان الذي يعرف دبي وحكامها سيراهن عكس ذلك، فهناك الكثير من القطاعات تتوق ان تبرز للوجود، فبجانب قطاع التجارة وقطاع السياحة التي اعطت دبي ميزتها التنافسية الدولية، فهناك مجالات كبيرة وواعدة، من ضمنها قطاع الخدمات المالية (إدارة الأموال) والقطاع الطبي وقطاع التعليم العالي، وهذه القطاعات مجتمعة ستجعل من دبي مركز الجذب الحضاري للعالم العربي والمنطقة، ومن يستطيع ان يرى خلف الجدار يرى اندلس العرب في انتظاره، وختاماً ليس هناك أجمل من المعاني العميقة لقوله تعالى «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» ندعو الله عز وجل أن يوفق الراعي والرعية