أثارت دعوة الحكومة المصرية بضرورة اعادة النظر بالكامل في أنظمة المساهمات والاستثمارات لأموال المعاشات والتأمينات نحو 117مليار جنيه خاصة أن زيادة عائد استثمارها عبر البورصة ، سيخفف الاعباء عن كاهل الحكومة في اصلاح أموال هذه الفئة وتفجر عدة تساؤلات بين أوساط رجال الأعمال، والمال، والاقتصاديين والبرلمانيين في مصر طالت تقييم هذا الاتجاه الحكومي، وتحديد مخاطر دخول هذه الأموال في البورصة، وسبل التغلب عليها للحد لأقصى درجة من مخاطر تقلبات التداول في البورصة على هذا الأموال حال تنفيذ هذا الاتجاه. والمعروف أنه في عام 1998 لجأت الحكومة المصرية برئاسة الدكتور كمال الجنزوري الى تكوين ثلاثة صناديق استثمار لأموال المعاشات قيمتها مليار جنيه أي مايمثل نحو 1% من اجمالي أموال التأمينات والمعاشات الا أن أحدث الاحصاءات التي صدرت مؤخرا كشفت انخفاض قيمة أموال التأمينات الاجتماعية المستثمرة بالبورصة بنحو 36% وذلك لانخفاض أسعار الأسهم بصفة عامة الا أنها حملت دلالة هامة حول مستقبل أموال التأمينات الاجتماعية والمعاشات في البورصة. وبالرغم من أن حكومة الدكتور عاطف عبيد استجابت منتصف العام الماضي لطلب اتحاد النقابات والعمال مصر على عدم المضاربة بأموال التأمينات الاجتماعية في البورصة أو المغامرة باستثمارها في النواحي التي قد تؤثر على مدخراتها الائتمانية باعتبارها أموالا تخص الايتام، والعجزة، وأصحاب الحقوق المتصلة بالمعاشات الا ان اتجاه وزير المالية المصري في هذا الشأن لا يأتي منفردا بل يجد اجماعاً من وزراء المجموعة الاقتصادية في الحكومة حاليا حسبما تقول وزيرة التأمينات الاجتماعية والمعاشات الدكتورة أمينة الجندي من أنه في اطار سياسة التحرر الاقتصادي وأعمال اقتصاديات السوق يفرض ضرورة استثمار جزء من فائض أموال الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي في أسهم الشركات التي يتم خصخصها وكذلك في الأوراق المتداولة في البورصة. وتضيف أمينة التي حلت مكان الدكتورة ميرفت التلاوي الوزيرة السابقة التي عارضت هذا الاتجاه وقتها أن ذلك بهدف تنويع الاستثمارات، وضمان استمرارية الصناديق في تأدية خدماتها وزيادة المعاشات دوريا (10%) والحصول على عائد حقيقي لاستثمار اموال التأمين الاجتماعي والمحافظة على تلك الأموال فضلا عن عدم انخفاض قيمتها الحقيقية، وتنمية موارد الصندوقين بما يمكن زيادة حقيقية في المعاشات والحد من أعباء الخزانة العامة. ويأتي الاتجاه متزامنا مع ضغوط دولية عبر صندوقي النقد والبنك الدوليين، وأمريكا التي ذكرت أن أموال صناديق التأمين والمعاشات في السوق الأمريكية تتعدى 5 تريليونات دولار يتم توظيفها واستثمارها بما يحقق الفائدة المرجوة منها للاقتصاد الأمريكي.. والتي تعد الركيزة الأساسية للاستثمار خاصة في أسواق المال. ويتفق مع الرؤية الدولية هشام توفيق مدير المجموعة المالية هيرمس لادارة المحافظ ويقول أن نظم المعاشات المصرية أظهرت بوادر مشكلة مالية كبيرة اذ أن الالتزامات المستقبلية لصناديق المعاشات العامة تتعدى حجم الاشتراكات بمبلغ تم تقديره في حدود تتراوح بين 40 الى 50 مليار جنيه سنويا بحلول عام 2010 أي مايعادل 10% من اجمالي الناتج القومي المحلي المقدر هذا العام. ويؤكد هشام أن دراسة مجموعة هيرمس أكدت أن اجمالي العجز المتراكم المتوقع في أموال التأمين والمعاشات وهو الفارق بين حجم الاشتراكات والمعاشات المدفوعة سيقدر بنحو تريليوني جنيه بحلول العام 2020 مطالبا بضرورة تشجيع قيام المزيد من صناديق التأمين والمعاشات الخاصة علما انه على المستوى الفردي فإن شريحة من الأفراد ذوي الدخول المرتفعة نسبيا من 1000 دولار فأكثر لا تعوضهم المعاشات العامة عن النقص الكبير في دخولهم عند التقاعد. ويشير هشام الى أن أقصى معاش لتلك الفئة 820 جنيها أي مايعادل 23% فقط من آخر مرتب لهم قبل التقاعد وتلك الشريحة تبحث اليوم عن أوعية ادخارية للتقاعد لزيادة معاشاتهم بما يسمح لهم بالاستمرار في ذات المستوى المادي والاجتماعي قبل التقاعد. ويوضح أن الحل الأمثل من وجهة نظره يتمثل في ضرورة تحفيز الأفراد خلال سنوات الانتاج على الادخار في صناديق تكميلية وان تمنح هذه الصناديق مزايا من الاعفاءات الضريبية كما انه من المهم توجيه تلك الأموال بواسطة المشترك الى صناديق متخصصة تتضمن مزيجا من الأدوات الاستثمارية كالسندات والأسهم التي تعظم على المدى الطويل من أموالهم خاصة أن العائد على رأس المال المستثمر من تلك الأموال بالبورصة يصل الى 10% ووجودها في صورة سندات يضمن عدم انخفاض قيمتها نتيجة أي ظروف. ومن جانبه يقول محمد حامد رئيس صندوق التأمين الاجتماعي للعاملين بالحكومة أن أهمية استثمار أموال التأمين الاجتماعي وتحقيق أكبر عائد من تلك الاستثمارات يستهدفان توفير تمويل للمزايا التي يكفلها هذا النظام بما يوفر أو يحقق التوازن بين الاشتراكات والمزايا التي يكفلها هذا النظام. ويعترض حامد علي أن أموال التأمينات المستثمرة في أسهم البورصة ليست بغرض المضاربة ولكنه استثمار طويل الأجل وعلى ذلك فإن الانخفاض الموجود حاليا بالبورصة لا يؤثر كثيرا على الأموال المستثمرة من جانب قطاع التأمين الاجتماعي في هذا المجال فضلا عن أن هذه الأموال تستثمر من خلال صناديق استثمار ذات خبرة عالية في اختيار الأوراق المالية التي يتم الاستثمار فيها. ويقول لا يوجد مايمنع من ضخ أموال أخرى بالبورصة مادامت هناك دراسة تحليلية دقيقة للمشروعات التي يتم التعامل مع الأسهم الخاصة بها موضحا أننا نتحسس الخطى في استثمار أموال التأمين الاجتماعي للمحافظة على هذه الأموال وتحقيق أكبر عائد. وردا على ماشهدته من انخفاض وصل الى 36% من قيمة أموال التأمينات المستثمرة في البورصة طيلة الفترة السابقة يعترف رئيس صندوق التأمين الاجتماعي بأن ذلك يعود لظروف البورصة وهي ظروف مؤقتة، وطارئة نأمل في تحسنها وان تجتازها البورصة في أقرب فترة ممكنة من خلال المجهودات التي تبذلها الحكومة في هذا المجال لحل مشكلتي الركود وأزمة السيولة علما أن هناك شركات ومشروعات تحقق أرباحا ومركزها المالي جيد برغم ذلك يلاحظ انخفاض أسعار الأسهم الخاصة برغم توزيعها لكوبونات تحقق عائدا مناسبا. ويقول عضو مجلس ادارة هيئة سوق المال الدكتور محمد الحناوي: لا يوجد مايمنع من استثمار جزء من أموال المعاشات والتأمينات (10%) في سوق المال طالما يحقق عائداً مناسباً 10% على رأس المال المستثمر وبمقارنة العائد التسويقي فستصل الى نحو 25% في ضوء انخفاض اسعار الأسهم بالبورصة. وعن رأيه في خسائر جزء من أموال المعاشات يستوجب وقف ضخ مزيد من أموال التأمينات في البورصة يوضح الحناوي ان المبلغ المستثمر حاليا في البورصة لم يصل للمستوى المرتقب حيث انه لا يمثل أكثر من 1% من أموال التأمينات المتاحة ولا شك أن زيادة هذه الاموال المستثمرة في البورصة يمكن أن يكون له تأثير (ايجابي) على نشأة البورصة المصرية وهو ماترغب فيه الحكومة من وراء هذا الاتجاه وارتفاع أسعار الأسهم التي انخفضت غالبيتها الى أقل من سعر الطرح. ويعارض عضو مجلس ادارة هيئة سوق المال أي اتجاه نحو تقليص حجم استثمارات أموال التأمينات في البورصة أو بيع بعض الأسهم المستثمر فيها ويطالب الجهات المسئولة عن التأمينات بزيادة حجم الاستثمارات وشراء أكبر قدر من الأسهم في الوقت الحالي ليس فقط للاستفادة من انخفاض الأسعار التي سترتفع بالضرورة بل ايضا مصلحة الاقتصاد القومي الا أنه يربط بين ذلك وبين اقامة استثمارات موازية لنفس القيمة أو أكبر للسندات. في الوقت نفسه اشارت الدكتورة هالة السعيد استاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية الى أن هناك من يطالب في أمريكا الآن بتقليل استثمار أموال التأمينات الاجتماعية في البورصة الأمريكية حيث رأوا في ذلك اهداراً لمبدأ آليات السوق الحرة حيث أن الحكومة يمكنها أن تتحكم بصورة أو بأخرى في حركة ونشاط الأوراق المالية في دلالة على التحفظ بشأن التوسع في دخول أموا ل المعاشات في مصر. وتشترط هالة لذلك ضرورة توافر مجموعة من الضوابط تتمثل بصورة أساسية في الضمان، والوسيلة، والربحية. وقالت أن تجربة شركات التأمين في هذا المجال تشير الى انه خلال فترة السبعينات اندفعت شركات التأمين للاستثمار في الأوراق المالية والمساهمة في مشروعات جديدة ترتب عليها خسائر جسيمة لشركات التأمين من جراء هذه الاستثمارات لذلك يتعين توجه شركات التأمين وهيئات التأمين بصفة عامة الى الاستثمار في القنوات المضمونة مثل السندات وأذون الخزانة وجزء منها ودائع في البنوك. بينما يؤكد نائب محافظ البنك المركزي المصري الدكتور محمود أبوالعيون ان مؤسسات الادخار التعاقدي عموما تلعب دورا هاما في تنمية أسواق المال، وأن ذلك يعتمد على طريقة تخصيص أموال هذه المؤسسات والتي تختلف من دولة الى أخرى حسب القوانين الحاكمة لكل دولة وتتراوح نسبة الاستثمار في الأسهم والسندات بين 46 إلى 63% من اجمالي الأموال هذه المؤسسات في البورصة عالميا أما في الدول العربية فتخصص استثمارات هذه الصناديق على أوجه استخدامات تابعة للحكومة عدا الأردن حيث تكون النسب الموجهة للاستثمارات التابعة للحكومة أقل. وحول نظام التأمينات الاجتماعية في مصر وهيكل أصوله يقول أن نظام التأمينات والمعاشات المكون الأساسي للمؤسسات غير البنكية في مصر وتقدم خدمات المعاشات والتأمين عند العجز والموت اذ تبلغ نسبة التغطية حوالي 83% من العاملين علما أن هذه الصناديق تمول من اشتراكات العاملين، وأصحاب الأعمال والحكومة وعائد الاستثمار وتختلف نسبة المشاركة باختلاف مستوى الأجر (الأساسي والمتغير)، ونوع العمل، (قطاع خاص، أعمال عامة، وحكومة). ويوضح أبوالعيون أن نظام التأمين الاجتماعي يحقق فائضا سنويا ارتفع من 3.6% من الناتج المحلي الاجمالي عام 1991 الى 6% في عام 1998 وخلال ذات الفترة تراوح الفائض المجمع من 29% الى 40% من الناتج المحلي الاجمالي حيث يمثل هذا الفائض كما هائلا من المدخرات لصندوق التأمين الاجتماعي للعاملين بالحكومة، والتأمين الاجتماعي للعاملين في القطاعين العام والخاص والتي يجب استغلالها الاستغلال الأمثل في أوجه الاستثمار المختلف. ويذكر نائب محافظ البنك المركزي انه في عام 1998 صدر القرار الوزاري رقم 8 لسنة 1998 والذي انشئت بمقتضاه اللجنة الفنية للاستثمار حيث تم انشاء هذه اللجنة استنادا الى قرار الحكومة باستثمار جانب من الفائض في سوق الأوراق المالية من خلال ثلاثة صناديق للاستثمار بمبلغ 900 مليون جنيه علما أن اجمالي الأموال لصندوق التأمين الاجتماعي للعاملين في الحكومة بلغ 55.22 مليار جنيه، مقابل 50.6 مليار جنيه استثمارات مالية فضلا عن أن الجزء الباقي يمثل ايرادات محصلة وسيولة نقدية، وأصول ثابتة حيث تم شراء اسهم بشكل مباشر من عدة شركات مثل سيدي كرير للبتروكيماويات، والاسكندرية للمنتجات البترولية. أما بالنسبة للاستثمارات المالية لصندوق العاملين بالقطاع العام والخاص حسبما يقول أبوالعيون انه لا يختلف الوضع كثيرا حيث بلغ حجم الاستثمارات في الأسهم والسندات في نفس العام نحو 359.144 مليون جنيه أي مايمثل 0.7% من اجمالي الاستثمارات ارتفعت الى 1.3% في منتصف عام 1999 علما أن المشتروات كانت في الأسهم ممثلة في شركات الأهلية للغزل، والكابلات الكهربائية، وسيدي كرير للبتروكيماويات. ويلحظ أبوالعيون ان الشركات التي تم الاستثمار بها ليست من الشركات الأكثر نشاطا في السوق أي أن المستثمر المؤسس يميل الى الاستثمارات طويلة الأجل والأقل سيولة، وهو مايساعد على تنشيط السوق، واستقراره علما أن الاستثمار في الأوراق المالية لهذا الصندوق حقق عائدا قدره 13 مليون جنيه منتصف عام 1999 أي مايعادل 1.7% وهو عائد ضعيف جدا بالمقارنة بالأوعية الأخرى.