في مواجهة الصورة القاتمة للفقر العالمي ومظاهر عدم المساواة،حدد المجتمع الدولي لنفسه عدداً من الاهداف التي يجب تحقيقها في السنوات الاولى من القرن الجديد، استناداً الى المناقشات التي دارت في مؤتمرات عديدة للامم المتحدة في التسعينيات وتشمل اهداف التنمية العالمية هذه كما وردت في تقرير التنمية، في العالم 2000/2001 عدد من المعايير الاساسية والتي هدف الى تخفيض بنسبة النصف في عدد الاشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع نتيجة انخفاض الدخل والذين يعيشون على أقل من دولار واحد يوميا وضمان التعليم الابتدائي الشامل وازالة التفاوت بين الجنسين في التعليم الابتدائي والثانوي بحلول عام 2005، وتخفيض معدلات وفيات الرضع والاطفال بنسبة الثلثين، وكذلك تخفيض معدلات وفيات الأمهات بنسبة ثلاثة ارباع، وضمان حصول الجميع على خدمات الرعاية الصحية الانجابية وتنفيذ استراتيجيات وطنية لتحقيق التنمية القابلة للاستمرار في كل بلد بحلول عام 2005 وذلك بهدف عكس مسار فقدان الموارد البيئية بحلول عام 2015. وقال التقرير انه يتعين تحقيق هذه الاهداف في عالم سيزيد عدد سكانه بمعدل ملياري نسمة خلال الخمسة والعشرين عاما المقبلة بحيث ستحدث نسبة 97% من هذه الزيادة في البلدان النامية. وتكشف الدراسات التي اجريت عن الاجراءات التي يجب اتخاذها لتحقيق هذه الاهداف، عن مدى ضخامة التحدي. فعلى سبيل المثال، فان تخفيض الفقر الناجم عن انخفاض الدخل بنسبة النصف بين 1990 وعام 2015 سوف يتطلب معدل انخفاض مركب يبلغ 2.7% سنوياً على مدى فترة الخمسة والعشرين عاماً المذكورة. ولكن احدث تقريرات اعدها البنك الدولي تبين حدوث انخفاض قدرة حوالي 1.7% سنويا بين عام 1990 وعام 1998. ويرجع تقرير البنك الدولي معظم بطء معدل التقدم الملاحظ في بعض المناطق الى النمو المنخفض او السلبي، وفي بعض الحالات ادى ارتفاع مستوى عدم المساواة الى تفاقم هذا الاثر. وحدث هذا بالذات في بعض بلدان الاتحاد السوفييتي السابق. ولايحتمل أن يؤدي المعدل الحالي للقيد في المدارس الى تحقيق التعليم الابتدائي الشامل، خاصة في منطقة جنوب الصحراء، كما ان تخفيض معدلات وفيات الرضع بنسبة الثلثين بين عام 1990 وعام 1998، وهي نسبة اعلى كثيراً من نسبة العشرة في المئة التي شهدتها البلدان النامية بل والواقع ان معدلات وفيات الاطفال آخذة في الارتفاع بالفعل في بعض اجزاء منطقة افريقيا وجنوب الصحراء وارجع التقرير جزءاً من ذلك الى تفشي وباء الايدز. كما ان معدلات وفيات الامهات تنخفض ببطء شديد لا يوحى بامكانية تحقيق الاهداف المنشودة. وذكر تقرير البنك الدولي ان هناك بعض المتطلبات لتحقيق اهداف التنمية الدولية مثل اجراءات لحفز النمو الاقتصادي وتخفيف وتخفيض عدم المساواة في توزيع الدخل، وقال التقرير انه حتى النمو المنصف لن يكون قادراً وكافياً لتحقيق الاهداف الخاصة بالرعاية الصحية والتعليم. فتخفيض معدلات وفيات الرضع والاطفال بنسبة الثلثين يتوقف على وقف انتشار مرض نقص المناعة المكتسبة «الايدز» وزيادة قدرة الانظمة الصحية في البلدان النامية على التقدم التكنولوجي في المجال الطبي بحيث تستفيد منه البلدان النامية. واوضح التقرير كذلك انه ولتحقيق اهداف المساواة بين الجنسين في مجال التعليم فان هناك بعض الاجراءات المحددة التي يتطلب اتخاذها في اطار السياسات المقترحة لازالة الحواجز الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تمنع البنات من الانتظام في المدارس وعلاوة على ذلك ستكون للاجراءات التي تتخذ لزيادة استمرارية البيئة اهمية حاسمة في زيادة الاصول المتاحة للفقراء وفي تخفيض انتشار الفقر على المدى الطويل. وسوف نفاعل هذه الاجراءات معا لندفع في اتجاه تحقيق الاهداف المرجوه. ومن هنا تنبع الحاجة الى وضع استراتيجية اعرض واشمل لمكافحة الفقر. وذكر تقرير البنك الدولي تطور نهج تخفيض اعداد الفقراء على مدى الخمسين عاما الماضية استجابة للفهم المتعمق لمدى تعقد وتشابك عملية التنمية. ففي الخمسينات والستينيات رأى كثيرون ان استثمار مبالغ كبيرة في بناء رأس المال المادي ومرافق البنية الاساسية هو الوسيلة لتحقيق التنمية. وفي السبعينيات، زاد ادراك ان رأس المال المادي ليس كافيا وان التعليم والرعاية الصحية لهما نفس القدر من الاهمية على الاقل. وقد أوضح تقرير التنمية في العالم 1980 هذا الفهم وجادل بان التحسينات في التعليم والرعاية الصحية مهمة ليس في حد ذاتها وحسب وانما ايضا لتشجيع نمو دخول الفقراء. وشهدت الثمانينيات تحولاً أخر في محور التركيز في اعقاب ازمة الديون والانكماش الاقتصادي العالمي والتجارب المتضادة لمناطق شرق آسيا وامريكا اللاتينية، وجنوب آسيا وافريقيا جنوب الصحراء. وانتقل محور التركيز لينصب على تحسين ادارة الاقتصاد والسماح لقوى السوق بان تلعب دوراً أكبر. واقترح تقرير التنمية في العالم 1990 «الفقر استراتيجية ذات شعبتين» تشجيع النمو المكثف لاستخدام الايدي العاملة من خلال الانفتاح الاقتصادي والاستثمار في مرافق البنية الاساسية وتقديم الخدمات الاساسية للفقر اء في مجالي الرعاية الصحية والتعليم. وخلال التسعينيات بدأ مفهوم حسن نظام الادارة والمؤسسات يحتل مكان الصدارة مثلما حدث بالنسبة لقضايا التعرض للمعاناة على المستويين المحلي والوطني. ويضيف هذا التقرير الى الاستراتيجيات السابقة في ضوء الادلة والتجارب والخبرات المتراكمة من العقد الماضي اقتراح استراتيجية للتصدي للفقر بثلاث طرق تتمثل في تعزيز اتاحة الفرص وتسهيل تمكين الناس من اسباب القوة وتحسين الأمن. يؤكد الفقراء بانتظام على الاهمية المركزية لاتاحة الفرص المادية ويعني هذا توفير الوظائف والائتمان والطرق والكهرباء والاسواق اللازمة لبيع منتجاتهم والمدارس والمياه ومرافق الصرف الصحي والخدمات الصحية التي تستند اليها الحالة الصحية والمهارات البالغة الاهمية للعمل والنمو الاقتصادي الشامل بالغ الاهمية لاتاحة الفرص. وكذلك الحال بالنسبة لنمط أو نوعية النمو، ويمكن ان تكون اصلاحات الاسواق بالغة الاهمية في توسيع وزيادة الفرص المتاحة للفقراء، ولكن يجب ان تعكس الاصلاحات الاوضاع المؤسسية والهيكلية المحلية. ويجب وضع آليات لخلق فرص جديدة وتعويض الخاسرين المحتملين خلال الفترة الانتقالية. وفي المجتمعات التي تعاني من درجة عالية من عدم المساواة، تعتبر زيادة درجة الانصاف ذات اهمية خاصة لتحقيق تقدم سريع في تخفيض اعداد الفقراء. ويتطلب هذا اجراءات تتخذها الدولة لمساندة الاصول البشرية والارض ومرافق البنية الاساسية التي يمتلكها الفقراء او التي يتاح لهم استخدامها. وذكر التقرير ان تخفيض درجة التعرض للصدمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية واعتلال الصحة والعجز والعنف الشخصي يعتبر جزءا اساسيا من عملية تحسين الرفاهية ويشجع الاستثمار في رأس المال البشري وفي الانشطة العالية المخاطر والعالية العائدة وقال ان ذلك يتطلب اجراءات وطنية فعالة لادارة مخاطر الصدمات التي يتعرض لها الاقتصاد باسره وآليات فعالة لتخفيض المخاطر التي يتعرض لها الفقراء، بما في ذلك المخاطر المرتبطة بالصحة والطقس. كما يتطلب بناء أصول الفقراء وتنويع الانشطة الاسرية وتوفير مجموعة متنوعة من آليات التأمين لمواجهة الصدمات المناوئة ابتداء من الاشغال العامة الى البرامج المشجعة على البقاء في المدارس وتوفير التأمين الصحي. وذكر التقرير انه من خلال زيادة الفرص الاقتصادية المتاحة للفقراء والمستبعدين اجتماعياً وعن طريق تقوية منظمات الفقراء يمكن ان يساعد في ضمان تقديم الخدمات وتضمين السياسات خيارات مستجيبة لاحتياجات الفقراء يمكن ايضا ان يقلل الفساد والتعسف في الاجراءات التي تتخذها الدولة وأوضح التقرير انه اذا اقام الفقراء بدور اكبر في متابعة ومراقبة تقديم الخدمات الاجتماعية على المستوى المحلي، فمن الارجح ان يؤدي الانفاق العام الى مساعداتهم اثناء الازمات