ان تحديد دور القطاع الخاص وتفعيله في خدمة قضايا التنمية وتسليمه لقيادة الاقتصاد الوطني يتطلب من المؤسسات المعنية بالدولة اتخاذ عدد من الاجراءات اللازمة بقصد تحقيق اصلاحات اقتصادية للنهوض بالاقتصاد وانتشاله من وضعيته الحالية المتسمة بالترهل والضعف ومحدودية قاعدته الانتاجية، واعتماده الكلي على ريعية الارض، ومن اجل تصنيع النفط بدلاً من تصديره كمادة خام، واذا كنا قد تناولنا في الحلقتين الماضيتين لدور القطاع الخاص والتحديات التي تواجهه وتحول دون فاعلية الاقتصاد، فإننا نتناول هنا المحددات التي عانى منها القطاع ذاته وتتطلب معالجة جذرية وصريحة من مؤسسات ووحدات وشركات القطاع الخاص نفسه، وفيما يلي نحدد بعضا من تلك المحددات: أولا: ملكية القطاع الخاص من خلال تشخيصنا لواقع وحقيقة القطاع الخاص من حيث ملكيته تبين لنا ان هناك طرفين يتنازعان ملكية هذا القطاع، ويتمثل الطرف الأول في شريحة التجار والفعاليات الاقتصادية الاماراتية التي استفادت كثيراً خلال السنوات الماضية من قربها من سلطة القرار السياسي، أو سلطة القرار الاقتصادي واستطاعت ان تشكل لها نفوذاً قوياً، فيما حققت شريحة التجار الاخرى مكاسبها التجارية من خلال نفوذها الاجتماعي المتوارث في مجتمع الامارات! ولكن تبقى الشريحتان المكونتان لهذا الطرف من ابناء الامارات محدودة قياساً بالشرائح المكونة للطرف الثاني، كما كان نشاطها يتجسد في الجزء الأكبر منه على الكفالات والوكالات التجارية حيث الاسماء العريضة ولكن الشركات والعاملين فيها وجزءاً من رؤوس أموال الشركات التي تحمل تلك الاسماء انما هي جزء من ملكية اجنبية، وقد استفادت تلك الفعاليات من القوانين الاقتصادية المشجعة لمثل هذه الانشطة، وخاصة قانون الوكالات التجارية. اما الطرف الثاني والذي يشكل الثقل الأكبر في تركيبة القطاع الخاص فهم المستثمرون الوافدون ولاسيما الجنسيات الآسيوية، حيث تتجسد الملكية الاجنبية في هذا القطاع في رأس المال الاجنبي، والادارة الاجنبية، ثم العاملين حيث تؤكد معطيات السوق الاماراتية على هيمنة حقيقية واضحة للشريحة الكبرى من الأجانب التي تجسد الطرف الأول، فالغالبية العظمى من الاجانب تهيمن على أهم القطاعات المكونة للقطاع الخاص، وأهمها تجارة الاغذية والمواد الاستهلاكية، تجارة الذهب والمجوهرات، تجارة الالكترونيات وقطاع كبير من شركات المقاولات، ثم سوق العقار حيث تتضح الهيمنة الاجنبية على هذه القطاعات وفرضت العمالة الآسيوية على سوق القوى العاملة في الامارات واحكمت السيطرة على هذه السوق، وعلى الرغم مما نص عليه قانون الشركات من اقتسام الملكية في القطاع الخاص لتصبح 49% الى 51% للمواطنين إلا ان حقيقة الواقع تؤكد على ملكية واضحة وتصل الى 100% في معظم الوحدات والشركات المكونة للقطاع الخاص سواء من حيث الملكية، أو الإدارة، أو العمالة التي يبلغ حجمها الى نحو 90% من اجمالي القوى العاملة في سوق العمل بالدولة، وفي ضوء هذه السيطرة والهيمنة الواضحة للأجانب على القطاع الخاص كيف يمكن ان تحدد دوراً للقطاع الخاص يلعبه في خدمة الاقتصاد والمجتمع ونحن ندرك بأن النسبة الكبرى يعنيها ان يبقى الوضع على ما هو عليه لتحقيق مكاسب مادية سريعة حتى لو كانت على حساب المجتمع. ثانياً: ارتباط القطاع الخاص بالخارج ان من أهم محددات القطاع الخاص في الامارات هي ارتباط هذا القطاع بالخارج أكثر من الداخل، ويكاد يكون منفصلاً عن الاقتصاد الوطني عضوياً، ولكنه مؤثر في الاقتصاد الوطني فهذا القطاع لايعنيه وللأسباب آنفة الذكر تحقيق تنمية في الاقتصاد الوطني، ولايهمه ان يكون هناك اقتصاد وطني بالأساس بسبب ارتباطه بالخارج سواء من حيث استيراد السلع والخدمات من الأسواق الخارجية أو استقدامه لعمالة أجنبية رخيصة من الخارج تفتقر الى المستوى العلمي والفني في أغلب الاحيان، وهو بالتالي قد همش الصناعات والخدمات الوطنية وعطل تنميتها وبالتالي تنمية الاقتصاد الوطني، وساهم في اغراق السوق المحلية بالسلع والبضائع المستوردة حتى لو كانت هناك سلع وطنية مماثلة، ولم يقتصر دوره على هذا الجانب فحسب وانما كان لاستقدامه تلك العمالة على هذا النحو لم يسهم من خلالها على خلق معضلة سكانية يعاني منها المجتمع عامة والمجتمع الاقتصادي خاصة فحسب وانما ساهم بوجود بطالة في اوساط المواطنين، ثم كان للعمالة الاجنبية الاثر الواضح في استنزاف السيولة من السوق النقدية والمالية بالدولة، كذلك فإن القطاع الخاص من ناحية اخرى لم يستفد من استثمار الفرص الاستثمارية المتاحة في سوق الامارات ولم يعمل على تصنيع المواد الأولية المتوفرة في الامارات وانما سعى الى تدوير سيولته وامواله في الأسواق العالمية وبالتالي فإن أية هزة تحدث في تلك الأسواق غير المستقرة تنعكس مباشرة على سوق الامارات، اما آجال استثماراته رغم محدوديتها فإنها تتصف بأنها ذات اجال قصيرة وتنحصر في سوق الخدمات، حيث ساهم بالتالي الى تحويل القطاع الخاص من قطاع انتاجي الى قطاع خدماتي، ان تلك السمات أو الممارسات التي يقوم بها القطاع الخاص تعرض الاقتصاد الوطني والسوق المالية والنقدية لهزات حادة من الممكن ان تزعزع الأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية على السواء. ثالثا: ضعف القاعدة الرأسمالية ومحدودية القدرة التشغيلية لأن القطاع الخاص لايعبأ بتنمية الاقتصاد الوطني، وكون ان معظم استثماراته تتدفق الى خارج الاقتصاد الوطني، وبسبب الممارسات السالفة الذكر فإن هذا القطاع تتسم وحداته بالضعف في القاعدة الرأسمالية سواء كانت تلك الوحدات أجنبية، أم وطنية وبالتالي فإن هذا الضعف من شأنه الا يمكن هذه الوحدات (أجنبية ووطنية) من القيام بدوره على النحو الامثل في خدمة الاقتصاد الوطني أو احداث تنمية اقتصادية حقيقية، وفي ظل محدودية هذه القاعدة فإن قدرة الوحدات التشغيلية تلك تصبح محدودة للغاية في مدى مساهمتها في خدمة الاقتصاد والتنمية الاقتصادية في الامارات. كما ان هذه الوحدات لن تستطيع الصمود أو حتى البقاء في ظل المتغيرات الاقتصادية الدولية التي تحكمها معايير منظمة التجارة العالمية التي اصبحت الامارات عضواً فيها منذ مارس 1994 وكذلك في ظل الانفتاح العالمي بقيادة العولمة الاقتصادية التي تعني وجود شركات برؤوس أموال ضخمة وذات جنسيات متعددة وامكانيات ضخمة سوف تلتهم الشركات الصغيرة وتهيمن على الأسواق العالمية وخاصة سوق الانتاج. ان معطيات القطاع الخاص في الامارات تتطلب تعاوناً حقيقياً بين القطاع العام والحكومي مع القطاع الخاص في معالجة الضعف وأسبابه الذي يعاني منه هذا القطاع وذلك في حال الرغبة من قبل الجهات والسلطات المعنية ولاسيما الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية في ان يكون لهذا القطاع دوراً تنموياً حقيقياً في تنمية الاقتصاد الوطني.