ان التقدم الانمائي الحقيقي، سواء كان على الصعيد الوطني أو الاقليمي أو الدولي، يجب ان يكون محوره ومرتكزه الانسان، وان يكون توزيعه عادلاً ومنصفاً، وان يتصف بالديمومه وعلى كافة الاصعدة الاجتماعية أو الشخصية أو البيئية. ان الهدف الاساسي للتنمية البشرية المعرفة بالتقرير الانمائي الصادر عن الأمم المتحدة بأنها توسيع لخيارات الناس، يتضمن ثلاثة اركان رئيسية تعد جوهراً للموضوع الذي نحن بصدده: ـ المساواة في الفرص المتاحة لجميع الناس في المجتمع (تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص). ـ ديمومه هذه الفرص من جيل لآخر. ـ قطف ثمار التنمية من قبل الجميع بعد تمكينهم من المشاركة بها وبنظم توزيعية معتبرة. ونعتقد ان هذا التعريف للتنمية البشرية يظل قاصراً طالما انه يركز على الجوانب الاقتصادية والمعاشية ويغفل الجوانب الاخرى وقد انتبه العاملون في برامج التنمية للامم المتحدة مؤخراً الى هذا الموضوع، فأدخلوا معايير اخرى الى دليل التنمية الكلاسيكي كدليل التنمية المرتبط بنوع الجنس، ومقياس التمكين المرتبط بنوع الجنس (المشاركة الاقتصادية والسياسية للرجل والمرأة) واخيراً حقوق الانسان، في تقرير عام 2000، ومع ذلك يبقى التعريف غامضاً نوعاً ما وعاجزاً. ولكي نستطيع الوقوف على هذه الظاهرة في دول مجلس التعاون حري بنا ان نتلمس ابعادها التاريخية وجذورها الاجتماعية. لانجانب الحقيقة اذا ما قررنا ان التنمية الاقتصادية ومن ثم التنمية البشرية بدأت مع اكتشاف قوانين علم الاقتصاد وعلى يد الكلاسيك في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، ان نموذج آدم سمث في التنمية تفاؤلي حول قدرة الرأسمالية على دفع النمو الاقتصادي، ان كتابه ثروة الأمم، يهدف بالاساس الى دراسة طبيعة وأسباب ثراء الامم. كان يرى في الطبيعة كرمها وسخاءها الذي سيستفيد منه الجميع في حال عدم تدخل الدولة في الشئون الاقتصادية، ويضيف بأن تحسين مهارات العمال وقابلياتهم الانتاجية يشكل مصدراً رئيسيا للتقدم الاقتصادي وزيادة الرفاه المادي، كما اشار الى ان الاستثمار في رأس المال البشري ومهارات العمال يؤدي الى تحسين الدخل وهيكل الاجور، اما نموذج ريكاردو (قرينه) في كتابه الشهير «التوزيع والضرائب» يبدو تشاؤمياً حول امكانية النظام الرأسمالي بدفع النمو الاقتصادي للامام، وفي النهاية لايحمل نموذجه الا الركود مع سيطرة اجور الكفاف. ان اقتصاديي الركود يتكهنون بأن الاقتصاديات الناضجة في الدول الرأسمالية المتقدمة (الأوروبية والأمريكية) هي في خطر الانزلاق الى حالة البطالة المزمنة.. ان شوميتر (الامريكي من اصل الماني) (1883 ـ 1950) فانه يحمل لأول مرة بشرى تحول منعش. وحجر الزاوية في تحليل شوميتر للتنمية هو الرائد، الذي هو المجدد، وليس الاداري ولاصاحب المال ولامالك المشروع، والرواد هم الذين يطلقون الشرارة في مجرى التنمية شريطة وجود فرص لتركيبات جديدة في عوامل الانتاج، ويسارعون لاقتراض المال اللازم للتجديد من المصارف، تلك التي تخلق التسليف، ويكسرون الدفق الدائري للحياة الاقتصادية، وتحت موجات الازدهار الاقتصادي ترتفع الاسعار وتزداد الدخول النقدية (أسعار عوامل الانتاج) وتنتقل الاموال التي ينفقها الرواد الى بقية قطاعات الاقتصاد وتتحول عناصر الانتاج من صناعات سلع الاستهلاك الى صناعات اخرى (كصناعات وسائل الانتاج) نتيجة الادخار العشري (التضخم)، وهذا التحول بدوره يحرك موجة اقتصادية ثانية قد تكون أعظم باثارها وزخمها من الموجة الاولى، وفي كل موجة اقتصادية (تشبه موجات البحر) يتعاظم النشاط الاقتصادي ليصل الى ذروته (القمة) ثم ما يلبث ان يتراخى وتحصل معه فترة ركود قصيرة، يعقبها فترة نقاهة RECOVERY وهي استعداد لموجة جديدة، ثم تتوالى الموجات تباعاً مثلما حدث في المرة الاولى، ان تحليل شوميتر في التنمية الاقتصادية يستند دائماً على المجدد ـ المخترع ـ والتنمية لاتتم في خط سهل وسلس وانما في ظل التقلبات الدورية وهذا هو ثمن التنمية الاقتصادية في ظل الرأسمالية. ان المفكرين العالميين اللاحقين (رأسماليين وغيرهم) والذين انبروا لقضايا التنمية مثل رومستو وباران ونيركس ولانجة.. يفتشون عن تفسير التغيرات الاقتصادية دون وصف علاجات أو الحث على سياسات تفصيلية، ويجب ان ندرك ايضاً ان كل عناصر الفكر التنموي بقيت محصورة في الجانب الاقتصادي حتى الحرب العالمية الثانية، ثم بعدها اتجه الفكر التنموي اتجاهاً اجتماعياً موازياً ومواكباً للجانب الاقتصادي.. ورغم ان هذا التحول الجديد والذي استمر حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي كان يعتبر الانسان وسيلة وغاية التنمية الاقتصادية الاجتماعية، الا انه لم يكن في واقع الامر يقدم بعداً نظرياً ولا حتى سياسات عملية معتبرة للتنمية البشرية. ان هذا المصطلح الجديد، رغم ان مضمونه قد يكون غارقاً في التاريخ الى ابعد الحدود، الا ان تأخيره بشكل علمي وعملي جاء مع بدايات العقد الأخير من القرن الماضي، مع اهتمامات المفكرين والمسئولين بقضايا الانسان، تلك الاهتمامات التي تبلورت اخيراً في الدراسات العلمية والميدانية المتطورة للأمم المتحدة وفي تقاريرها الانمائية البشرية، التي بدأت تصدر تباعاً ومنذ عام 1990، ان فرق العمل المتخصصة والمتعددة، والامكانات الهائلة للمنظمة الدولية، لحقل من هذا التقرير.. الكتاب الذي يلازم صاحب القرار والمفكر والاداري على السواء. ولما ذكرنا.. في البداية عن تعريف التنمية البشرية من مثل الامم المتحدة، والذي اصبح معتمداً في الكثير من ادبيات الفكر الاقتصادي والاجتماعي.. الا انه يجب اخذه بحذر.. لانه يبدو احياناً ناقصاً.. واحياناً اخرى مبهماً.. بل ومغرضاً احياناً فخيارات الناس.. تعبير فضفاض حينا وغير امين احيانا اخرى، فأية خيارات تنموية، تلك التي تقتل بذور صناعتنا الحقيقية وتجمد نشاطنا وقدراتنا على الانتاج والابداع، وتنقلنا دفعة واحدة الى عالم آخر ونحن لم نستوعب بعد تصنيع المحرك ذو الاحتراق الداخلي، واية خيارات تنموية تلك التي تبدل منتوجاتنا الزراعية والغذائية الممتازة بحكم الطبيعة والتطور المألوف، لنستبدل بها منتجات الهرمونات وجنون البقر والحمى الوقائية. واية خيارات تنموية تلك التي تبدل حنان الام على رضيعها لتستبدله بمسحوق الحليب المجفف، والخالي من مثالية الطبيعة وشفقة الامومة. واية خيارات تلك التي داهمت عقول شبابنا ليهتزوا طرباً ويغيبوا وعيا لسماعهم انغاما خلاعية وماجنة لمايكل جاكسون ومادونا ويتضررون لسماعهم الهمزه النبوية والموشحات الاندلسية والمقامات البغدادية والقدود الحلبية! اننا لاندعو الى التقوقع.. والعزل خلف الجدران.. بل على العكس نريد التفاعل مع الحضارة العالمية وبكل ابعادها.. والتفاعل لايعني الذوبان.. ولايعني ابداً الانسلاخ عن جذورنا.. التي هي شخصيتنا وهويتنا.. نتمنى في هذا المضمار ان نأخذ بحكمة القائد الهندي الشهير غاندي: «انني افتح نوافذ غرفتي لهواء اجمع ولكن لا اسمح لأي هواءبأن يزعزع بيتي»