في خطابه الذي ألقاه في ملتقى الامارات، جاءت عبارات رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد ـ كما هو العهد به دائما ـ مدركة لما يدور في حلبة الأحداث وما يحاك في الخفاء، منذرة بالمآل الذي تساق اليه الأمم الضعيفة والمتخلفة، جريئة لدرجة انها تستحق ان تكون منهجا استراتيجيا لدول العالم الثالث، بشكل عام والدول الاسلامية بوجه خاص والعالم العربي بوجه أخص في وجه المد العولمي، انها كلمات قائد قرأ معطيات الواقع واستوعب حركة التاريخ وتحولات نسق التماوج البشري وفهم آلية الصراع بين الحق والباطل، ورمى ببصره ـ في الوقت نفسه ـ الى ما وراء الشكليات الخرقاء والاكتفاء بردود الأفعال، فجاءت كلماته دعوة صريحة لهتك ميثاق بني على جور، فاستلزم مصادمته بالخروج عن طاعته، ورسم مستقبل المنطقة بمنطق احلام أهلها وتطلعاتهم، الشيء المهم الذي لم يقله لنا، وان كنت أعتقد جازما انه كان على دراية تامة به، والذي ينبغي علينا نحن معاشر العرب ان نعيه وندرك أبعاده إدراكا تاما، هو.. كيف السبيل الى الفكاك من أغلال عبودية الألفية الثالثة التي طوقت بها رقابنا، وأين النجاة من هذه الهاوية التي نساق اليها كقطيع النعاج؟ العولمة التي كانت هدف الهجوم المهاتيري، لا أدري لماذا تضطرني اضطرارا الى عقد مقارنة بينها وبين نبوءة الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم عن خروج المسيح الدجال في آخر الزمان، فالدجال ينقسم الناس من أمره فريقان، فريق يظنه نبي آخر الزمان وينطلق يسير في ركابه ويسبح بمآثره ومناقبه، ويبشر بالخير الذي سيجري للبشر على يديه، بل ويوطيء له لكي يحكم العالم.. وهناك زمرة على النقيص منها، ترى انه نذير شؤم وشر، وأنه سيأتي لينحرف بالبشر عن الجادة، وهؤلاء هم الذين سيقفون في وجه طغيانه الجارف رغم انهم لايملكون إزاءه ـ في أول الأمر ـ من القوة والتأثير إلا الانكار باللسان والقلب، ثم يكتب لهم النصر. وهكذا هي العولمة.. فالناس في شأنها فريقان، فريق ينظر اليها بعين أهوائه ومصالحه ولا يجد فيها من البأس إلا أنها ـ ببساطة شديدة ـ ليست أكثر من جواز سفر لمرور سلعه وأمواله وخدماته عبر الحدود السياسية للكرة الأرضية بلا حواجز ولا رقباء.. وفريق آخر يتوجس منها خيفة وينظر الى أبعد من الشهد الذي تعد به العولمة معتنقيها، ويراها إرهاصا لشيء آخر، أشد خطورة وأعمق شرا. ترى، أي الفريقين على الحق المبين؟ مهاتير ومن على شاكلته ممن لايملكون إزاء إعصار العولمة من المقاومة والتأثير إلا الانكار باللسان والقلب؟ أم واضعي إفك العولمة ودعاتها؟. الخيوط الأولى اسمحوا لي ان أبدأ محاولة إزاحة بعض الضباب الكثيف الذي يغطي ملامح الصورة فلا يجعلنا نتبين أهي صورة ملاك أم شيطان.. بأن أطرح بين يدي محاولتي المتواضعة هذه بضع «تساؤلات». التساؤل الأول، للوهلة الأولى بدا الاقتصاد أو التجارة الدولية وكأنها الاطار العام للعولمة، فهل كان الأمر سينتهي عند حد انتشار الشركات الأمريكية والأوروبية العملاقة في انحاء المعمورة تمتص خيراتها ودماء شعوبها كما صنع الاستعمار الأوروبي العسكري قبل نحو قرن من الزمان؟ ولماذا اذن تداركت العولمة الموقف وخرجت من إطار ان تكون مجرد رغبة موقوتة بهذه الدرجة من السطحية والتفاهة ظاهرها التسلط واستعراض العضلات، فذهبت بالأمور الى أبعد من ذلك وبدأت تكشف عن توجهاتها السياسية والعسكرية (فتجد الأقليات النصرانية في الأقاليم الواقعة في الدول الاسلامية تعطي استقلالا سياسياً تحت حماية جحافل الدول الصناعية، اما الأكثريات الاسلامية في الأقاليم الواقعة في الدول غير الاسلامية فتنزع أسلحتها وتوضع تحت الوصاية الدولية)، وتكشف عن هويتها الثقافية، وعن مناهجها الاجتماعية (راجع توصيات مؤتمرات المرأة). التساؤل الثاني، ما علاقة تقنية المعلومات والانترنت والتطبيقات الكمبيوترية الافتراضية بالعولمة، ألم تعمل تلك التقنيات على هدم الحواجز والحدود السياسية والديموجرافية والآيديولوجية بين بني الجنس البشري؟ ألم تكن بدايتها تكريسا للميل الاستهلاكي، ثم.. ألم يبشر أرباب التكنولوجيا بحقبة آتية في حياة البشرية يأوي الناس فيها الى مخادعهم وتقضي حاجاتهم دونما سعي منهم، بمعنى أن الغالبية العظمى من «البشر المتعولمين» سيتحولون الى مجرد طاقة استهلاكية، يحيون ويموتون كأبقار الحظائر يأتيها علفها حيث هي.. وليس لها من الأمر إلا أن تأكل وتتسافد وتتروث. أليست هذه «النعمة» شكلاً خارجيا لفكرة «بريئة» الى أبعد الحدود، مؤداها ان العالم حينها يكفيه ان يدار بواسطة حفنة من العقول «الحكيمة أو الذكية» التي ستسهر على راحة الدنيا بأسرها تتولى أمورها وتنظم شئون القاطنين على ظهرها، فما هي حقيقة تلك العقول الحكيمة، ومن الذي سيختارها ويجيء بها؟ وكيف لعبت تقنيات المعلومات دورها في التحضير لتكوين «الانسان المتعولم»؟ التساؤل الثالث، الى أي شيء ترى كانت ترمي «والت ديزني»، وهي مؤسسة «معروفة الهوية» وتعتبر أكبر مؤسسة عالمية في إنتاج البرامج والأفلام الموجهة للأطفال، وهي تربي أجيال العالم على مفاهيم وأخلاقيات تشكيلة من الأفلام الكرتونية المصورة، تم انتقاؤها بعناية مريبة من بين أساطير أو حكايات تراثية أو روايات من مختلف أدبيات العالم، فمنها العربية والصينية واليابانية والأوروبية والاغريقية والفرعونية والافريقية وغيرها، ثم صياغتها جميعا في قالب ايجائي؟ لا أزعم أنني قد قمت بعملية تحليلية منهجية لإدراك كل الأبعاد التربوية والنفسية التي تتضمنها تلك الأفلام، ولكن القاء نظرة متفحصة ولو عاجلة على محتوى تلك البرامج والأفلام يجعلك تلاحظ فورا مقدار التحريف والتزوير الذي تمارسه والت ديزني على الحكاية ونحتها بما يخدم توجهاتها «اللاتربوية».. أما الملاحظة الخطيرة الأخرى فهو ذلك الكم الذي لاتحتاج اليه الحكاية من الأغاني وكلها بإيقاع الموسيقى الأمريكية وربما بنفس الأصوات في جميع تلك الأفلام، ألا يخطر بخلدكم ان المسألة نوع من تذويب الثقافات لكي ينظر «الانسان المتعولم المنفتح» الى كل الثقافات والحضارات والأديان على انها ليست أكثر من نكهات مختلفة لنفس النوع من المرطبات، فلا يصبح عنده بأس من أن ينبذها كلها بما فيها ثقافته ونتاج حضارته، ثم يأخذ مما تأتي به العولمة. التساؤل الأخير، ما الداعي الى ان تفرض العولمة على العالم بالقوة؟ فإذا كان منطلقها مصالح الاقتصاد الأمريكي فإن الشركات الأمريكية لم تدع بقعة على وجه الأرض إلا وغزتها بمنتجاتها أو خدماتها، وإذا كانت السياسة منطلقها فإن أمريكا تتحكم بواسطة أساطيلها وقواعدها العسكرية وعملائها من الحكام ووزرائهم في ثلاثة أرباع العالم. أما إن كان منطلقها فكريا.. فالعولمة قد أعطيت صكوكاً بالبراءة منها حتى من جماهير الناس في الحكومات الساعية الى فرضها على العالم قسرا (واسألوا ان شئتم مؤتمرات سياتل وكيبيك)، كما تبرأت منها «على وجل» شعوب مغلوبة على أمرها مثل تلك التي ينتمي اليها مهاتير وقلة قليلة من أضرابه لايكادون يحصون على أصابغ اليد الواحدة ممن مازالوا يحتفظون ببعض إباء الفرسان ونخوتهم، ولايطبل للعولمة اليوم ويرقص طربا بمقدمها إلا أمريكا والحكومات الكرتونية المنتمية الى العالم «المتهالك» وشرذمة من مفكريها الذين سكروا من كؤوس العشق الأمريكي حتى لعبت النشوة برؤوسهم وباعوا من أجل عيونها الرصاصية ذكريات صباهم وطفولتهم. بعض من النقاط على الحروف: بعد هذه الرحلة التي قد يراها البعض «غير منطقية، ولم تأت بجديد» في سبيل فك بعض الطلاسم والألغاز، دعونا ننظر الى المسألة من زاوية أخرى ونمارس محاولة وضع النقاط على الحروف وسيتكشف لنا التالي: أولا، يبدو أن ما يدعي العولمة زورا وبهتانا ما هو إلا أمركة للعالم، أما لماذا؟ فالجواب أن أمريكا تعمل على ان تبقى القوة العظمى في الأرض لمئة سنة اخرى على الأقل، وحتى يتحقق لهذا ذلك الى «نهاية التاريخ» وهذا مستحيل بمنطق التاريخ، فلا مانع عند منظري المجد الأمريكي ان يتأتى بغير استخدام القوة العسكرية، فكانت وثيقة اتفاقية التجارة العالمية، وكان أن جيء بالدول زرافات ووحدانا، طائعة أم كارهة مرغمة أنوفها لكي تضع إمضاءها على تلك الوثيقة بتنازلها عن سيادتها وكرامتها ومصالحها على صك عولمتها، أعني أمركتها. ثانيا، ليس العالم كله دول عالم ثالث حتى يرضخ لرغبات أمريكا ونزواتها لو جاءت مبادرة نشر التجربة الأمريكية على أصقاع الأرض من جانب واحد، فكان الحل ان ترسم المكيدة وكأن المسألة رغبة عالمية، وإلا فمن يصدق أن أمريكا ستسمح في اليوم التالي لتوقيع معاهدة التجارة العالمية لدولة مثل باكستان ولا حتى لفرنسا أو المانيا لكي تصدر منتجاتها اليها هكذا بلا قيود، ولو ان باكستان ارتابت من منشأ بعض البضائع الأمريكية فهل يعقل ان تسمح أمريكا للمفتشين الباكستانيين بزيارات ميدانية للمصانع الأمريكية ـ كما صنعت هي مع الامارات إبان مشكلة صادرات الملابس الجاهزة الاماراتية الى أمريكا ـ لكي يتحققوا من صحة منشأ تلك البضائع؟ هكذا إذن قادت أمريكا العالم تحت خدعة تحرير التجارة العالمية لكي يوقع على صك أمركته «اقتصاديا في المرحلة الأولى على الأقل»، وما على الخبراء والاكاديميين إذا شاؤوا ان يتيقنوا من هذه الحقيقة إلا ان يرجعوا الى مسودات وثيقة التجارة العالمية وينظروا، من وضع نصوصها وبنودها وبرنامجها الزمني، ومن يعد ملاحقها وينظم مؤتمراتها؟ ثالثا، كأي منهج فكري أو نظام اقتصادي أو فكرة اجتماعية، ستنهض العولمة على عدد من المباديء والمعتقدات الفكرية، هذه المباديء والمعتقدات هي التي ستنظم التبادلات التجارية والاقتصادية الدولية، والعلاقات السياسية، والبنية الاجتماعية للمجتمعات المؤمنة بالعولمة، وسيكون لها نتاجها الفكري والادبي الخاص.. فمن أي مصدر أو شريعة سائدة ستصاغ مباديء العولمة ومعتقداتها؟ وما هي الارضية الثقافية والاخلاقية التي سينهل منها «كتبة وحي» العولمة تعاليمها ووصاياها؟ لو ظن أحد ان تلكم المباديء والمعتقدات ستقتبس من المباديء والشرائع السائدة عند أهل الارض، اذن اي خلطة أو مزيج عجيب سينتج عن ذلك؟ يضاف الى ذلك ان العولمة لا تريد ان توسم بأنها نصرانية ولابوذية ولاهندوسية ولا مسلمة على وجه القطع، بل ستتمخض من فكر الامة التي ولدتها في أكنافها، ومن المجتمع الذي ترعرعت في ضميره، ولأن أمريكا البروتستانتية قد تشربت الى الثمالة من المباديء الصهيونية التي تحتضنها، ومن العلمانية وبنات أفكارها التي وضعت دساتير أمريكا وقوانينها على مناهجها ومبادئها، ولهذا فان مباديء العولمة لن تحيد عن تلك التأثيرات قيد شعرة، ولن تعمل حسابا إلا لمصالحها القومية وتطلعاتها الى المجد الأمريكي الذي يجري تصميمه تحت شعار العولمة. رابعا، مركب النقص الذي تعاني منه أمريكا نفسيا هو عقدة الحضارة، لأنها أمة بلا حضارة (إلا اذا اعتبرنا حياة رعاة البقر وجرائمهم حضارة) وكل ما تملكه اليوم من مظاهر الحضارة والتقدم المدني هو في الواقع نتاج مستمد من الثورة الصناعية الأوروبية، ولهذا تبحث أمريكا عما هو أبعد وأعمق تأثيرا من مجرد مظاهر عمرانية ومدنية أو أفكار فلسفية، انها تريد ان تكون أمة ذات دين جديد له إله جديد ونبي جديد وكتاب جديد. المشهد الأخير وحتى تترابط اجزاء الصورة، دعونا نعود قرابة عشر سنوات الى الوراء ونتفكر، ألا تبدو أزمة الغزو العراقي للكويت خطة جهنمية حيكت بدهاء خارق حتى تستغل كمناسبة نادرة للاعلان الرسمي عن ظهور طور جديد من أطوار الحضارة الرأسمالية، وشرعت وسائل الاعلام الأمريكية وأذيالها السائرة في ركابها تنعق صباح مساء بعهد القوة العظمى الوحيدة، وتدندن للدنيا بأسرها بأن الكرة الأرضية أصبحت حمى مشاعا للقطب الأوحد، وبغير ذلك من المصطلحات التي ماأنزل الله بها من سلطان. ثم لم يلبث الناس ساعة أو بعض ساعة لم يستردوا فيها أنفاسهم من صدمة المفاجأة الأولى حتى بدأ الحديث عن العولمة، لقد حيكت الدسيسة بليل، وسارت الأصابع الخفية بالأمور مسارها المنطقي، يأتي أولا «النبي» الجديد الذي سيبشر عما قليل «بالدين» الجديد، ويعترف له الناس بالنبوة، ثم يبدأ في التبشير بالتعاليم التي أرسل «أو جاء» بها. وكذلك سولت لأمريكا نفسها.. فما يجري على الساحة باسم العولمة ليس إلا «دينا» جديدا «إلهه» أو بالأصح «طاغوته» الصهيونية العالمية و«نبيه» أو دجاله أمريكا، القوة العظمى التي ذهبت الى أبعد من ذلك فجاءت «بالكتاب» الذي ضم «وصايا» دينها الذي بشرت به، فكانت وثيقة اتفاقية التجارة العالمية، ثم لم تنس ان تأتي «بالمعبد المقدس» الذي سيؤمه الاتباع والحجاج لطلب الزلفى والشفاعة والتقرب بالقرابين وتقديم الطاعات وسكب العبرات والاعتذار عن الخطايا، فكان ذلك المعبد عتبات هيئة الأمم المتحدة. ويبقى السؤال حائرا.. كيف السبيل الى الفكاك من أغلال عبودية الألفية الثالثة التي طوقت بها رقابنا، وأين النجاة من هذه الهاوية التي نساق اليها كقطيع النعاج؟