حول ماهية المتغيرات الاقتصادية الاقليمية والدولية وانعكاساتها على التنمية الصناعية العربية أنجزت المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين دراسة اقتصادية حديثة، حددت المنظمة المعوقات والتحديات التي تواجه القطاع الصناعي العربي في عدة نقاط تشمل غياب البنية المؤسسية الملائمة في الصناعة نفسها، والمغالاة في التوطين القطري الكامل بمفهوم قانوني ضيق للمشروعات الصناعية بحيث تصعب المشاركة الأجنبية أو العربية فيها مع كل ما تحمله من خبرة تقنية وفرص للتسويق. كما تشير الدراسة إلى محدودية الأسواق الوطنية لكل دولة عربية بمفردها وعدم القدرة حتى الآن على إيجاد سوق إقليمية واسعة للمنتجات الصناعية العربية تتخطى حواجز انسياب السلع معتبره أن خطوة اقامة منطقة التجارة الحرة العربية وسيلة لتحرير العوائق الجمركية والادارية أمام السلع الصناعية بين الدول العربية. وتحض المنظمة العربية على اهمية تنسيق العمل الاقتصادي العربي القطري والاقليمي بكافة المحاور الاقتصادية وفي مقدمتها المحور التجاري باعتباره مرتكزاً للتقارب العربي، والمحور المالى والنقدي بوصفه أساس التنسيق بين المصارف المركزية العربية وسياسات الصرف وسعر الفائدة، والمحور الاستثماري كمحصلة للمحورين السابقين بهدف إيجاد المناخ المناسب لجذب الاستثمارات الأجنبية للمنطقة ككل وتنمية النشاطات الاستثمارية العربية العربية. وتعزز الدراسة إقرار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية اتفاقية جديدة لاستثمار الأموال العربية التي تعطي مزايا كثيرة للمستثمرين العرب منها تبسيط الاجراءات وترشيد الالتزامات لاطلاق حرية الاستثمار بين البلدان العربية مع توحيد الجهات التي يتعامل معها المستثمر العربي وهناك مزايا أخرى تتعلق بحق المستثمر العربي في حجم خضوع منتجاته للتسعير الجبري أو لسياسات تحديد الأرباح من قبل الدول التي يزاول فيها نشاطه فضلا عن تجديد التأييد للاتفاقية التي نصت على التزام الدول الأعضاء بمعاملة الاستثمارات العربية مثل معاملة أي استثمارات أجنبية قد تمنحها الدول مزايا خاصة كما تتمتع الاستثمارات العربية تلقائيا بنفس المزايا فور منحها. وهو ما يعرف بمبدأ الدولة الأكثر رعاية. وتشير الدراسة الى أن الاتفاقية تفرض التزامات على الدول الأعضاء تتعهد فيها بتشجيع الاستثمارات وتبسيط الاجراءات مع تحقيق المساواة بين الاستثمارات العربية والوطنية ومزايا تسمح بتعديل المال المستثمر وأرباحه إلى الخارج بالاضافة إلى الاعفاء من القيود الواردة في قانون الشركات الخاصة بالشركات الوطنية. وعن ملامح التنمية الصناعية على الصعيد العربي تكشف الدراسة عن تراجع أداء الاقتصادات العربية خلال العام الفائت حسبما تشير التقديرات الأولية أن الناتج المحلى الاجمالى للدول العربية يقدر له أن ينخفض بحوالى 2.5% وتراجع معدل نمو التجارة الخارجية للدول العربية بنسبة 6.5% مقابل زيادة معدلها 1.7% عامي 1996، 1997 على التوالي يعود ذلك إلى تدهور أسعار النفط وتراجع واردات دول جنوب شرق اسيا من الدول العربية (10.4 سنويا خلال الفترة من 93 ـ 1997). وتسجل المنظمة العربية للتنمية الصناعية أنه حدث تراجع للصادرات العربية الإجمالية في العام الماضي بنسبة 19% مقارنة بنمو قدرة 4.2% عام 1997 بينما الواردات حققت زيادة معدلها 7.2% بدل تراجع طفيف 1.2% في نفس الفترة موضحة أن قيمة التجارة العربية الإجمالية من إجمالى قيمة التجارة العالمية تراجعت من 2.8% إلى 2.7% في العام الماضي. وتفيد الدراسة أن مؤشرات انكشاف الدول العربية على العالم أي معدل التجارة العربية إلى الناتج المحلى الإجمالى العربي قد بلغت نسبة تقدر بنحو 57.2% عام 1999 مقابل 49% عام 1986ولوحظ أن نسبة الصادرات إلى الواردات لمجموع الدول العربية بلغت 89% وحول التجارة العربية البينية تظهر الدراسة تحسنا في التجارة بمقدار 4.6% نتيجة التنفيذ لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وشكلت الصادرات البينية نسبة 10% من اجمالى الصادرات العربية العام الماضي مقابل 8.7% عام 1997 علما بأن السياسة الصناعية العربية تركزت على برامج شراكة ما بين صناعات إحلال الواردات وصناعات التصدير. وتشير المنظمة إلى سياسة إحلال الواردات (السلع الاستهلاكية) التي بدأت عربيا عن طريق انتاج سلع مصنعة محلية كوسيلة لتصنيع البلاد العربية ومعادلة التغلب على مشاكل الميزان التجاري التي تتزايد بفعل النمو المطرد ولحجم الواردات وقالت ان هذه السياسة ساهمت في الارتفاع المباشر أو غير المباشر للحاجات المستوردة وبالمقابل لما كان تركيب صادرات البلدان العربية من السلع الاستخدامية والأولية فإن ذلك تسبب في تفاقم مشكلة تمويل هذه المستوردات المتزايدة. وتخلص الى أن تجربة إحلال الواردات في البلدان العربية أنها بعيدة عن أي أثر للتكامل الصناعي العربي أو على الأقل للتنسيق الصناعي مع أي بلد عربي مجاور موضحة أنه قد بنيت هذه الصناعات على أساس قطري معتمدة على حماية مبالغ فيها وعلى سوق ذات نطاق محدود سواء من حيث عدد السكان أو من حيث انخفاض مستوى الدخل الفردي مما أضعف كثيرا من إمكانية الاستفادة من الانتاج ذي الحجم الكبير. وتدلل على صحة ذلك توفر الفائض من هذه المنتجات في مخازن الدول العربية التي أصبحت معدة للتصدير بالرغم من أن السوق الداخلي لم يشبع بعد. وتكشف المنظمة العربية للصناعة والتعدين أنه على ضوء ما تقدم بدأت الاهتمامات تنصب على ضرورة التوجه إلى اقامة صناعات التصدير تمشيا مع دعوة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية واعتماد سياسة صناعية تقوم على إرساء أسس صناعات التصدير جنبا إلى جنب مع صناعات إحلال الواردات. علما بأن البلدان العربية اتجهت مؤخرا إلى المنتجات الصناعية الموجهة للتصدير لتلبية الطلب الخارجي لاسيما المنتجات التي تتمتع فيها البلدان العربية بميزة نسبية في إنتاجها يسهل طرحها في السوق العالمية مثل صناعات الغزل والنسيج والبتروكيماويات. ويوضح مدير المنظمة المهندس طلعت بن ظافر أن هذه الصناعات تعمل على تغيير نمط الصادرات بما ينجم مع التغيير في تقسيم العمل الدولى في ظل منظمة التجارة العالمية بالتعاون مع الشركات المتعددة الجنسيات وانطلاقا من الواقع الاقتصادي القائم في الدول النامية. إلا أن ظافر يحدد العواقب التي تواجه الدول العربية عن جراء سياسة الصناعات التصديرية تكريس التبعية للخارج في مجال الانتاج والتسويق والتكنولوجيا وتفاقم الإزدواجية الاقتصادية، حيث يضع قطاع التصدير متقدما نسبيا بينما الاقتصاد المحلي متأخرا مع اشتراط الشركات متعددة الجنسيات على أسلوب المصانع على أساس مفتاح اليد). ويؤكد ظافر أن واقع الصناعة العربية عموما لا يزال يقوم باستيراد مجموعة كبيرة من السلع الصناعية، وأن النشاطات الصناعية العربية القائمة تتناول صناعات المستقبل، وأن أغلبها لايزال يعتمد بشكل كبير على التكنولوجيات الجاهزه كما لا توجد شركات عربية ـ عربية منتجة كبرى تقوم بتلبية حاجة الأسواق العربية المتنامية بأسعار منافسة. ويسترسل مدير المنظمة العربية الصناعية قائلا أنه ليس هناك تركيز على عمليات البحث والتطوير عربيا، ولايوجد تشديد على إعداد المهارات مع استمرار إغفال البعد القومي العربي رغم أهميته في توسيع الأسواق وإقامة تكتل اقتصادي يساهم في تنمية الانتاج، وايجاد المهارات وتعزيز الموقف العربي تجاه التطورات المتسارعة. وتكشف الدراسة أن المعطيات المتاحة تدل على تراجع أداء القطاع الصناعي العام الماضي بشكل ملحوظ متأثراً بالانخفاض الكبير الذي شهده العالم في الأسعار العالمية للنفط إذ بلغ معدل التراجع نحو 18.2% خلال هذا العام المالى 98/99 وبالتالى انخفضت مساهمته في الناتج المحلى الاجمالى بحوالى 5% متوقعه أن يشهد هذا القطاع انتعاشا ملحوظا في النصف الثاني من العام الجاري نتيجة للتحقق الملموس الذي تعرفه الأسعار العالمية للنفط حاليا. وترجع المنظمة التذبذبات في هذا القطاع إلى أهمية الصناعات الاستخراجية والتحويلية عليه، وإلى ضعف القاعدة الانتاجية وعدم تنوعها، وذلك بالرغم من انخفاض مساهمات الصناعات الاستخراجية في القيمة المضافة من ما يناهز 66% عام 1997 إلى 56.6% العام الماضي بينما ارتفعت مساهمة الصناعات التحويلية من 34% إلى 42.4% خلال نفس الفترة، كما بلغت قيمة ناتج الصناعة الاستخراجية حوالى 91.9 مليار دولار العام الفائت مقابل 128.8 مليار دولا ر العام السابق بينما بلغت القيمة المضافة للصناعات التحويلية حوالى 67.6 مليار دولار بدلاً من 66.3 مليار دولار عام1998.