لم يعد الامر يحتمل الكتابة النظرية ولا الشعارات الاعلامية للمطالبة بتنمية التجارة العربية البينية والتي تعتبر العمود الفقري للتعاون الاقتصادي العربي واحياء السوق العربية المشتركة التي لم تعد تستجيب للنداء المتكرر من الملوك والرؤساء العرب ومن رجال الاقتصاد والاعمال الذين يعرفون جيداً أهمية تحقيق هذا المشروع في توحيد الاقتصاد العربي وتنمية قدرات الدول العربية والشعوب التي تسكنها. فلقد حان الوقت لأن ندخل في مشاريع عملية وبرامج تنفيذية تنقل الافكار والتمنيات والنظريات التي نتحدث عنها منذ نصف قرن الى حقائق وانجازات ترفع من شأن الامة العربية وتفرض احترامها وسط اقليميات وعصبيات ودويلات لم تعد تعطيها الاهمية التاريخية التي حظيت بها على مر العصور، وتجعلها تعتمد على المباديء والقيم والديانات السماوية التي تعودت عليها. ومن هنا ومساهمة مني مع الذين يكافحون من اجل وقف النزيف الاقتصادي والمالي المستمر للامة العربية ومعالجة التردي الواضح في كل التوجهات العملية وعلى أساس ان زيادة التجارة البينية هي العامل المشترك الاعظم الذي يدعم التنمية الاقتصادية والبشرية والذي يعمل علي تحسين المستويات الاجتماعية والسياسية والعسكرية للامة العربية. ومن واقع خبرة عملية في المجالين النقدي والاقتصادي والدراسة العلمية التي اكتسبتها من معهد البحوث والدراسات العربية وحضوري برامج وحلقات دراسية بالخارج في هذين المجالين، ومن متابعة مستمرة لتطورات النظام النقدي العالمي عن طريق معهد صندوق النقد الدولي بواشنطن، وللتحولات التجارية والنقدية المحلية والدولية، رأيت ان أعرض مشروعاً عملياً مبسطاً وغير تقليدي لزيادة التجارة العربية البينية وأضعه أمام كل المهتمين باصلاح حال المنطقة العربية. لقد ظلت تنمية التجارة العربية البينية موضع مطالبات ومقترحات عن طريق وسائل عفى عليها الزمن ولم تعد جوهرية، كتخفيض الجمارك، وتسهيل الاجراءات الادارية والتوسع في الاعفاءات الجمركية والضرائبية التي تشجبها اغلب الدول العربية الفقيرة وتقديم قروض نقدية، وغيرها من الوسائل التي لم تفلح في زيادة نسبة التجارة العربية البينية، حيث وقفت عند حدود 9% خلال عشرات السنوات السابقة، ولم تتحرك عنها حتى اليوم، وبالتالي اصبح من الضروري البحث عن وسائل جديدة وعملية وواقعية، تأخذ في اعتبارها التحولات الدولية الحديثة. ويقوم المشروع على النقاط التالية: ـ انشاء صندوق محلي لتسوية المدفوعات المحلية للتجارة العربية البينية بين المصدرين والمستوردين افرادا كانوا أو شركات. ـ انشاء صندوق اقليمي في صندوق النقد العربي أو في أحد البنوك المركزية العربية لتسوية المدفوعات الاقليمية بين الدول العربية بالعملات المحلية. ـ انشاء عملة عربية جديدة تسمى «الدينار العربي تبدأ حسابية وقد تتسع في المستقبل لتتحول إلى عملة كاملة تتم بها التحولات النقدية. ـ انشاء نظام ائتماني داخل الصندوق يقوم على الآتي: تسوية المراكز المدينة للدول الاعضاء دون دفع فوري. ومنح ائتمان للتجار العرب افراداً أو شركات بفوائد بسيطة ولمدد زمنية مناسبة. وينطلق المشروع في دائرة تنفيذية بعد اعداد تفاصيله ومراجعته من قبل مجموعة عمل تضم خبراء عرب في النقد والتجارة تحت اشراف جامعة الدول العربية أو مجلس الوحدة الاقتصادية العربية أو صندوق النقد العربي، وتقوم المجموعة بعرضه على كافة الدول العربية وطلب الرد عليها خلال ثلاثة اشهر على الاكثر، يتم خلال هذه الفترة تغطية اعلامية كاملة للمشروع عن طريق وسائل الاعلام المختلفة في كل الدول العربية، مع تنظيم برامج تدريبية للمهتمين وخاصة للفنيين في الدول العربية، وقد يتم تعديل بعض تفاصيل المشروع في ضوء الملاحظات التي يبديها بعض الحاضرين لهذه البرامج. ويتلخص المشروع في انشاء صندوق خاص محلي في كل دولة عربية يدفع فيه رأسمال محدد لكل دولة بعملتها وحسب امكانياتها النقدية، ثم تضاف اليه الواردات التي يدفعها المستوردون في باقي الدول العربية الاعضاء وذلك بالعملة المحلية ايضا، على أساس تعادل الدينار العربي الذي تحدد له قيمة يومية على غرار وحدة حقوق السحب الخاصة، كما يخصم منه ما يدفعه الصندوق للمصدرين في الدول المنضمة للمنطقة بالعملة المحلية ايضا وبنفس الاساس وبنفس تعادل الدينار العربي مع العملة المحلية في يوم التصدير. يتم تحويل الفائض الناتج عن المعاملات في نهاية المدة التي يتم تحديدها «ثلاثة أشهر مثلا» الى الصندوق المركزي الذي يفترض نشأته في صندوق النقد العربي أو في احد البنوك المركزية العربية التي تستطيع اجهزتها الفنية ادارة هذا الصندوق، اما العجز اذا وجد وهو يمثل زيادة الواردات عن جملة الصادرات مضافا اليها رأس المال، فيتم الحصول عليه من الصندوق المركزي الذي يفترض توافر الارصدة به نتيجة لعدم سداد الفائض المستحق لأي من الدول العربية الدائنة الا بالشروط التي يتم الاتفاق عليها وبعد المدة التي يتم في نهايتها تسوية المراكز الدائنة والمدينة. دول الفائض تحصل على مستحقاتها بعد انتهاء المدة «ثلاثة أشهر على سبيل المثال» وذلك على اقساط سنوية او نصف سنوية من خمس الى عشر سنوات، حسب القدرة النقدية للدول المدينة التي تقوم بسداد مديونياتها للصندوق على فترات تتواءم مع المبالغ التي يسددها الصندوق للدول الدائنة وبفائدة بسيطة تزيد 1% على ما يدفع للدول الدائنة وذلك لمواجهة مصروفات الجهاز الاداري والفني. فاذا فرضنا ان المركز النهائي للشهور الثلاثة بالنسبة لاحدى الدول الاعضاء قبل الاتحاد يسفر عن مديونية قدرها مليون دولار امريكي بينما يسفر المركز النهائي لدولة دائنة عن مليون دولار امريكي على الاتحاد، فإن المديونية للدولة الأولى يمكن سدادها للاتحاد على اقساط نصف سنوية لمدة خمس سنوات بفائدة سنوية قدرها 8% بينما تتقاضى الدول الدائنة مستحقاتها من الاتحاد على اقساط تصل الى نفس المدة أو تزيد عليها قليلا حسب الامكانيات المادية وبفائدة لا تزيد على 7%. وبذلك فإن التجارة البينية لا تتوقف نتيجة عدم توافر ارصدة وهي الفكرة الاصلية التي طبقها اتحاد المدفوعات الاوروبي، والتي ساعدت على زيادة التبادل التجاري الى 60% بين الدول الاوروبية، كما ساعدت على اعلان حرية تحويلات العملات الاوروبية للدول الخمس عشرة التي شكلت المنطقة الاقليمية الاوروبية. ويلحق بالصندوق فرع للائتمان التجاري للتجار العرب الذين يقصرون تجارتهم أو أغلبها على الدول العربية من اصل سلع وخدمات عربية تزيد على النصف في مكوناتها، وقد يسترشد هذا الفرع أو قد يضم الى برنامج تمويل التجارة العربية طالما كان التمويل لسلع وخدمات عربية تزيد على النصف في مكوناتها، وهذا البرنامج الذي أنشأه صندوق النقد العربي في أبوظبي بعد تجديده وتنقيته من الثغرات التي نشأت به والتي تحدث عنها رئيسه في الاجتماعات الاخيرة للصندوق. وفي حالة عدم الاستعانة ببرنامج تمويل التجارة العربية فإنه يمكن انشاء بنك عربي للاستيراد والتصدير بالنسبة للسلع العربية والخدمات المرتبطة بها، على ان يقتصر تمويله على التجار العرب الذين يعملون في التجارة العربية البينية، وعلى ان تمنح القروض لهم بشروط ميسرة بالنسبة لسعر الفائدة ومدد السداد، ويمكن ان يتم البحث عن مزايا نقدية اضافية يقدمها البنك المقترح للتجار العرب الذين تتركز تجارتهم داخل المنطقة العربية، ومن سلع تغلب فيها الخامات العربية، وذلك لتشجيعهم على المزيد من العمليات التجارية داخل المنطقة العربية. ويسرني ان اعرض هذا المشروع العملي الذي يستعين بالتنظيمات النقدية الحديثة لتحقيق الهدف المطلوب في توسيع التجارة العربية البينية، وذلك على جامعة الدول العربية، وعلى مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، وعلى صندوق النقد العربي، وعلى اتحاد المصارف العربية وخاصة انني مقتنع تماما انه الوسيلة العملية الرئيسية في تنمية التجارة العربية البينية ومستعد لتقديم خبرتي في امكانية نجاح هذه التنظيمات على أي من هذه الجهات طالما اهتمت به.