تناولنا في الحلقة الماضية رؤية مؤسسات الدولة الاتحادية ثم الحكومات المحلية ثم العمالة المواطنه وذلك في الدور الذي يفترض والمنتظر القيام به من قبل القطاع الخاص في خدمة الاقتصاد الوطني واحداث التنمية، واشرنا الى الاختلاف في رؤية كل طرف من الاطراف والذي يعزى الى طبيعة نشاطها. واليوم وفي ظل المعطيات المستجدة في الساحة المحلية والاقليمية والعالمية والتي تتطلب قيام القطاع الخاص بدور الشريك في احداث التنمية الاقتصادية بالدولة والمشاركة في اعباء المرحلة المقبلة فإن تحديد سمات هذا الدور تتطلب التعرف على طبيعة التحديات التي تواجه القطاع الخاص والتي تحول دون القيام بدوره على النحو الامثل. تحديات القطاع الخاص أولا: منافسة الحكومة للقطاع الخاص: ان السمة البارزة في التركيبة الاقتصادية في اقتصاد الامارات هي ان الدولة ممثلة في الحكومة الاتحادية، والحكومات المحلية، ثم القطاع العام، على الرغم من سعيها نحو خصخصة بعض المرافق الاقتصادية كما فعلت حكومة ابوظبي مثلا حينما خصصت قطاع الكهرباء والماء الا انها ـ اي الدولة ـ مازالت مهيمنة ومسيطرة على القطاعات الاقتصادية ولاسيما الانتاجية ومن هنا نجد ان القطاع الخاص ومنذ فترة طويلة مازال يعاني من هيمنة ومنافسة الدولة، وتؤكد معطيات الوضع الاقتصادي في الامارات بان هذه الهيمنة سوف تستمر خلال الفترة الاولى من القرن الحالي بسبب ان التوجه نحو الخصخصة لدى الحكومة (الاتحادية والمحلية) لم يأت من منطلق قناعة حقيقية من الدولة باهمية الدور المنوط بالقطاع الخاص في احداث تنمية اقتصادية في الامارات، كما لم يكن هذا التوجه من منطلق مواكبة التطورات العالمية نحو الخصخصة وبالتالي اتاحة الفرصة للقطاع الخاص بتملك وحدات انتاجية كما ان هذا التوجه لم يأت من منطلق استراتيجي يعتمد المشاركة الفاعلة بين القطاعين (الحكومي والخاص) في احداث تنمية اقتصادية متوازنة ويكون بالتالي للقطاع الخاص دوره في هذه التنمية خاصة وانه بالاصل لاتوجد هناك استراتيجية للتنمية في الامارات!! وانما يأتي هذا التوجه من منطلق من محدودية قدرة الدولة (الحكومة الاتحادية) من القيام بواجباتها والتزاماتها في تقديم خدماتها المجانية وشبه المجانية للمجتمع لاسيما مع تزايد الاعباء المالية وعدم قدرتها على الايفاء بتغظية الانفاق على مشاريع البنى التحتية اوصيانتها والتي توسعت بها خلال فترة السبعينيات والثمانينيات لاسيما مع التذبذب الذي يحدث في اسواق النفط العالمية وانعكاس ذلك على الايرادات الحكومية لموازنة الدولة وبروز عجز اصبح مع الزمن عجزاً مزمنا تعاني منه الموازنة العامة للدولة!! وفي ظل عدم وجود قناعة بهذا التوجه فان القطاع الخاص لن يقوم بدوره القيادي المنتظر منه في احداث التنمية أو المشاركة فيها، وسوف تبقى الحكومة مهيمنة على القطاعات الاقتصادية ولاسيما الانتاجية منها، وسوف تجد الحكومة نفسها ملزمة في توفير الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية لشرائح المواطنين خاصة اثر الزيادة الطبيعية للسكان في الامارات، كما ستكون ملزمة ايضا بصيانة مشاريع البنية التحتية، وبالتالي وفي ظل هذه الوضعية فان القطاع الخاص لن يكون له دور اساسي في احداث تنمية اقتصادية حقيقية أو بدور غير الذي يقوم به حاليا إلا اذا رأت الحكومة / الحكومات المحلية تفتيت ملكية شركات ومؤسسات القطاع الحكومي والعام لصالح القطاع الخاص، مع مراعاة الحوافز والعوامل الاخرى التي سوف نأتي لذكرها وهنا قد يكون للقطاع اللخاص دور في تفعيل وتنشيط السوق الاماراتية والاقتصاد الوطني في ظل الركود الذي أصبح مهيمنا على كافة القطاعات الاقتصادية الانتاجية والخدمية. ثانيا: غياب الحوافز: ان توسيع قاعدة نشاط القطاع الخاص وتفعيل دوره في الاقتصاد الوطني، وتحقيق رغبة الاطراف المعنية (الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية والعمالة المواطنة) مرهون بمدى توفير الحوافز التي يقدمها القطاع العام والدولة للقطاع الخاص، فالاستثمارات الخاصة ورؤوس الاموال ولاسيما الوطنية منها التي غالباً ما تجد طريقها نحو الخارج لن تعود الى محيط الاقتصاد الوطني الا من خلال حوافز حقيقية كمنح تسهيلات للقطاع الخاص كالارض وتوفير المواد الاولية بسعر التكلفة، ثم حماية الصناعات الوطنية المنتجة في هذا القطاع وذلك حتى لو لفترة زمنية معينة، ثم اعطاء المزيد من الدعم للصناعات الوطنية والاستثمارات الوطنية خاصة فرصة للنمو والتطور بتوفير الخدمات الاساسية كالكهرباء والماء والغاز وباقي المحروقات بأسعار تشجيعية وهذا من شأنه ان يدفع القطاع الخاص نحو توظيف استثماراته في سوق الامارات، وكذلك منح الصناعات الوطنية أولوية الشراء من سوق المنافسة بالدولة. ثالثا: غياب الاستراتيجية التنموية: كيف يمكن ان يكون للقطاع الخاص او القطاع الحكومي دور في عملية التنمية الشاملة وخاصة الاقتصادية ما لم يكن هناك تخطيط يبنى على اسس استراتيجية تحدد من خلالها الاهداف والأولويات وتقسم الادوار.. ولما كانت الامارات تفتقر الى منهجية التخطيط وتغيب عنها استراتيجية العمل فإنه ليس من الممكن ان يكون للقطاع الخاص دور حقيقي!! ولايمكن لاي دولة ان تحقق تقدمها وازدهارها وكذلك امنها واستقرارها في ظل غياب الاركان الاساسية للدولة ومن اهم وجود استراتيجية للتنمية. وقبل ان نطالب القطاع الخاص بدور ما فإنه حرى بنا أن نحدد طبيعة هذا الدور وماهيته ومراحله، وهنا لا يحق لنا ان ندين القطاع الخاص بالامارات او نطالبه بدور تنموي مالم تكن هناك مراجعة حقيقية للاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المترهلة، والعمل على اصلاح تلك الاوضاع ومعالجة ذلك الترهل الذي اصاب الاقتصاد والمجتمع خلال السنوات الثلاثين الماضية بسبب غياب التخطيط، والرؤية التنموية ولايمكن ان يكون للقطاع الخاص دور حقيقي وفاعل ما لم تكن هناك اصلاحات على صعيد السياسات الاستثمارية والتنموية تجعل وحدات القطاع الخاص اكثر جاهزية واستعدادا للتفاعل مع متطلبات المجتمع واحتياجاته. رابعا: محدودية دور القطاع الخاص في السنوات الماضية: لم يكن للقطاع الخاص دور ايجابي وفاعل في خدمة المجتمع والاقتصاد الاماراتي خلال السنوات الماضية حيث اعتاد هذا القطاع الذي تربى وترعرع في احضان الحكومة / الحكومات على الاخذ دون مقابل حقيقي أو ضريبة اجتماعية يدفعها لصالح المجتمع او الاقتصاد على الرغم من كونه جزءا من هذا الاقتصاد أو هذا المجتمع وعلى الرغم من ان هذا القطاع قد توسع وحقق مكاسبه الكبيرة خلال سنوات الطفرة دون ان يكون له اثر ايجابي واضح في الساحة الاقتصادية وقد استفاد هذا القطاع من الوفورات والمزايا التي وفرتها له الدولة دون مطالبته بدفع ضريبة هذه الاستفادة، ودون ان يقوم بمبادرة حقيقية تجاه المجتمع، لذا فقد اتسم بالسلبية لاسيما خلال فترة الركود التي مرت ومازالت تمر فيها الدولة، ولم يبد اي تعاون حقيقي مع الدولة من اجل الخروج من حالة الركود هذه، وكان دوما ما كان ينتظر المبادرة من قبل الدولة لمعالجة حالات الركود التي مر ويمر فيها الاقتصاد ومما يؤكد على ذلك احجامه عن الانفاق لتحسين الاوضاع الاقتصادية في حالات الركود فيما يعمل على الاستفادة من الانفاق الحكومي الذي تعمل الدولة على توظيفه للخروج من حالات الركود!! كذلك تشجيعة الدائم للنزعة الاستهلاكية في مجتمع الامارات كي يستفيد من الانفاق الاستهلاكي الخاص، ثم استغلاله للثغرات الثانوية التي تعاني منها التشريعات القانونية، أو النقص في التشريعات وذلك بهدف تحقيق مكاسب مادية حتى ولو كان على حساب المجتمع، ولم يعبأ القطاع الخاص بأهمية وجود استراتيجية للتنمية بالدولة خشية المشاركة فيها ماديا وانما يهمه عدم وجود هذه الاستراتيجية على الرغم من ان وجودها يعد أمرا ايجابيا على القطاعين الحكومي والخاص. خامسا: غياب التشريعات والقوانين أو نقصها: ان غياب بعض التشريعات الاقتصادية وضعف القائم منها يشكل ثغرات في النسيج الاقتصادي ويضعف من البناء الاقتصادي، وبالتالي لايمكن وضع ضوابط وحدود وآليات لعمل القطاع الخاص من دون وجود تلك التشريعات واستكمال النقص فيها، ثم ان التباين في الانظمة والتضارب بين الانظمة المحلية مع القوانين الاتحادية يشكل ضعفا حقيقيا في الدولة، وتحديا للقطاع الخاص ومبررا له عن قيامه بدوره في خدمة الاقتصاد.