مرت اجتماعات صندوق النقد الدولي في واشنطن دون احتجاجات تذكر، على خلاف ما حدث قبل عام واحد حين تحولت الشوارع المحيطة بمقر الصندوق الى ساحة نزال بين المتظاهرين وقوات الشرطة. وهو امر غريب، ذلك ان احتجاجات العام الماضي، تمحورت حول الغاء ديون الدول الفقيرة واقرار نظام مالي دولي يعين هذه الدولة على الانطلاق نحو التنمية. ولم يشهد العام الفاصل بين احتجاجات الاجتماع السابق، والمؤتمر الذي بدأ قبل ايام، اي الغاء لديون الدول الفقيرة او اي اقرار لنظام دولي جديد يخفف من متاعبها. من المحتمل اذن ان تكون المنظمات التي تشرف عادة على هذه الاحتجاجات اصيبت بارهاق مشابه لارهاق الدول النامية، أو انها استنفدت طاقتها خلال الاحتجاجات الكندية العنيفة التي لفتت انتباه العالم مؤخراً. وفي كل الاحوال فإن قضايا الدول محدودة الدخل بقيت صامدة ـ بهدوء هذه المرة ـ على اجندة المجتمعين في مقر صندوق النقد الدولي في واشنطن. واغلب الظن انها ستبقى كذلك لعقود مقبلة. ذلك ان واقع التوازنات الدولية الراهنة لا يفسح مجالاً حقيقياً لبحث اسس نظام دولي جديد يتناول بصورة جادة قضية الدول الفقيرة. بدلا من ذلك يتركز الاهتمام حاليا على علاج عيوب النظام القائم، وهو نظام يراه كثيرون في الجنوب نظاماً غير عادل عند التعامل مع هموم الدول النامية. ونظراً لأن بؤرة الاهتمام لا تتجه الى حيث تريد لها تلك الدول ان تتجه، فقد انصرف المجتمعون الى وضع نظام «للوقاية» من الهزات المالية العالمية المفاجئة، من نوع الازمة الآسيوية التي عصفت بالعالم خلال عامي 97 و98. وقد تبنى وزراء المالية وحكام المصارف المركزية في الـ 183 دولة التي شاركت في المؤتمر الآلية التي اقترحتها ادارة الرئيس بوش للوقاية من الازمات، ومن ثم للحفاظ على استثمارات صناديق التحوط العملاقة دون عواصف تعبث بها مثلما حدث في المكسيك او البرازيل او تايلاند وماليزيا. وواقع الحال ان اقتراح ادارة الرئيس بوش ـ لو نظرنا اليه من منظور اصلاح النظام الحالي وليس تغييره ـ كان اقتراحاً مفيداً. فقد بلغ نزيف الموارد في حالة صندوق النقد الدولي هدراً لا يحتمل.. ونذكر جميعا ان ادارة الرئيس كلينتون دفعت 60 مليار دولار لانقاذ المكسيك، وانها صدرت صندوق النقد الدولي بعد ذلك للتصدي لمثل هذه الازمات الكبيرة. وبالفعل دفع الصندوق 100 مليار دولار لمساعدة الاقتصادات الآسيوية التي قوضها زلزال 1997، ولم يعد بالامكان مواصلة السياسة السابقة، ان سياسة انتظار حدوث الكارثة ثم دفع فاتورتها.. الافضل هو الحيلولة دون وقوعها اصلاً. ويأتي ذلك في لحظة تضيء فيها مصابيح حمراء فوق مواقع كل من تركيا والارجنتين فالبلدان يشهدان ملامح ازمة مالية كبيرة قد تهددها بالانهيار، وهو امر سيكلف المستثمرين في العالم، وهذين البلدين ايضا، خسائر فادحة.. كان من المنطقي اذن ان يسرع وزير الخزانة الامريكية بول اونيل بتقديم اقتراحه. وبالنظر الى آلام الدروس السابقة، والى ثقل فاتورتها، فقد وجد اونيل من مستمعيه آذانا صاغية. كان هذا من زاوية التأثير على اوضاع السوق المالية العالمية على وجه العموم ـ هو اهم انجازات مؤتمر صندوق النقد الدولي الاخير، الا انه لم يكن الانجاز الوحيد. فقد شهد المؤتمر ضغوطا مكثفة على البنك المركزي الاوروبي لخفض معدلات الفائدة في اوروبا بعد تخفيضها عدة مرات في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من ان الاوروبيين لايزالون غير مقتنعين بضرورة الخفض، وعلى الرغم من انهم يأملون في ان يدعم الفارق بين الفائدة الاوروبية والامريكية سعر صرف اليورو ازاء الدولار، وعلى الرغم من انهم يتوقعون استمرار تحقيق معدلات نمو اقتصادي «معقولة» في اوروبا رغم ارتفاع سعر الفائدة، ثم على الرغم من ان معدلات التضخم في اوروبا خاضعة لسيطرة كاملة من هيئاتها المالية، فان البنك المركزي الاوروبي قد يمتثل للضغوط ويقلل من سعر الفائدة اسوة بالولايات المتحدة. ومع ان الشوارع المحيطة بمقر صندوق النقد الدولي خلت من المظاهرات العنيفة المألوفة في مثل هذه المناسبات، الا ان المؤتمر اقر آلية لخفض ديون الدول الفقيرة التي حصرها المؤتمر في 39 دولة. ولكن هذه الآلية تختلف عن المقترحات واسعة النطاق التي تريد كل الدول المصنعة في بند الدول النامية ان تطبقها. ان ما اقره المؤتمر يعد ـ باختصار ـ «تحصيل حاصل». ذلك ان الدول الـ 39، واغلبها في افريقيا، لا تستطيع في كل الاحوال سداد ديونها