البيئة المحيطة هي ما يعيش فيه الإنسان. فليس بعد عالمنا من عالم يمكن أن يعيش فيه الإنسان لكي يكون هناك سبب لعدم العناية بالبيئة. وإذا كان التطور قد خلق أسباب الرفاه الاجتماعي والاقتصادي في جوانبه المادية ، فان جزءا مهما من هذا الرفاه كان على حساب البيئة بأشكال مختلفة في مقدمتها التلوث الذي تجاوز الحدود المسموحة، مما يتطلب الاهتمام الاستثنائي بالبيئة. واشارت دراسة اعدها الدكتور قصي محمد سعيد الخبير المالي في إدارة المالية والخدمات في دائرة جمارك دبي الى أن الاقتصاد يعد بمثابة الجهاز العصبي للتفاعلات بين البيئة والتنمية. فالتنمية المستدامة (Sustainable Development ) أي التنمية التي تفي باحتياجات الحاضر دون الإخلال بقدرة الأجيال المقبلة على الوفاء باحتياجاتها ـ لا يمكن أن تتحقق الا باخذ الاعتبارات البيئية والاقتصادية معا في الحسبان. وأوضحت ان مشكلة تلوث البيئة ارتبطت بالجوانب الكيميائية والبيولوجية والهندسية والطبية. الا انه في الآونة الأخيرة، أصبحت مشكلة تلوث البيئة مجالا من مجالات العلوم الاقتصادية التي تبحث في العلاقات الاقتصادية بين المشروع والبيئة. كما أصبحت مجالا للدراسات المحاسبية التي انصبت جهودها على تحديد دور المحاسبة في الأزمة الحالية للمحافظة على البيئة. وأوضحت الدراسة أن اهتمام المحاسبين بهذه المشكلة أدى، إلى ظهور ما يعرف بالمحاسبة الخضراء (Green Accounting ) أو محاسبة البيئة ((Environmental Accounting التي تهتم بمشكلة تلوث البيئة وقياس كلفها بهدف تزويد الأطراف المسئولة عن اتخاذ القرارات، بالمعلومات ذات العلاقة بهذه المشكلة للاسترشاد بها في تحديد ما يجب عمله للمحافظة على البيئة، في ضوء الاتجاهات الحديثة التي تقوم على أن التلوث يستنفذ موارد مهمة، وان المشروعات التي تساهم في تلويث البيئة لم تكن تتحمل التكاليف البيئية لأضرار التلوث بوصفها تكاليف لا تخص المشروع يتحملها المجتمع (المجتمع يدفع)، مما ينبغي تحويلها إلى كلف داخلية للمشروع (المشروع يدفع) وفقا لمبدأ (من يلوث يدفع) (Polluter Pay Principle) وذلك لاستخدامها فيما بعد لإعادة إنتاج البيئة وتجديد مواردها من خلال برامج حمايتها بعد أن تجاوز التلوث حدود ومقدرة الطبيعة عن الحماية الذاتية مما يهدد التوازن الطبيعي والضروري لأشكال الحياة. واضافت ان أبعاد مشكلة تلوث البيئة في الفكر المحاسبي منذ سنوات قليلة فقط ، بدأ اهتمام المحاسبين بالجوانب الاجتماعية للوحدات والمشروعات الاقتصادية ومحاولة قياس أثارها وتوصيلها إلى المهتمين لمثل هذه المعلومات. فلم يعد ينظر إلى الوحدة الاقتصادية على أن هدفها الوحيد هو تعظيم الأرباح Profit Maximization وان مقدار الأرباح التي تحققها الوحدة الاقتصادية تتناسب تناسبا طرديا مع مدى مساهمتها في تحقيق الأهداف الاقتصادية للمجتمع. كذلك لم تعد المصلحة الاقتصادية الخاصة، هي المحدد الوحيد للنطاق الوظيفي للوحدة باعتبارها منظمة تعمل لصالح المالكين، بل اصبح لهل أهداف أخرى تراعي مصلحة المجتمع. حيث عليها بالإضافة إلى تقديم السلع والخدمات ذات القيمة للمجتمع، العمل على الحد من التلوث في الهواء والماء والتربة وتقليل الضوضاء إلى أقصى حد ممكن، إضافة إلى الاستخدام الفعال والكفء للموارد البيئية والطبيعية والتي تندرج ضمن اصطلاح المسئولية الاجتماعية، (Social Responsibility) وأن الهدف من وراء المسئولية الاجتماعية للوحدة الاقتصادية، هو تضمين التكاليف الاجتماعية للوحدة الاقتصادية والتي تمثل قيمة ما أتلفه المشروع من الموارد البيئية، ضمن التكاليف الجارية للمشروع، وبالتالي تحويلها من كلف يدفعها المجتمع نيابة عن الوحدة الاقتصادية، إلى كلف تتحملها الوحدة كنتيجة لمزاولاتها الاقتصادية الداخلية والخارجية السلبية والتي انعكست على وحدات المجتمع. واعتبرت الدراسة انه لا يكون للوحدة الاقتصادية التي تعمل من اجل تعظيم الأرباح لمالكيها، أي دافع للمحافظة على الموارد البيئية. وذلك يرجع بالدرجة الأساس إلى النظرة التقليدية إلى تلك الموارد باعتبارها سلعاً حرة (مجانية) يستطيع أي إنسان أن يحصل عليها دون مقابل. ولأنها كذلك ، فليس في نية المشروع أن يحسن استغلالها محدثا أضرار جسيمة بالبيئة ومواردها سعيا وراء تحقيق أقصى الأرباح من خلال تقليص استخدامه للعناصر المكلفة، والتوسع في استخدام العناصر الحرة المجانية كالهواء والماء والتربة في تصريف مخلفاته الغازية والسائلة والصلبة من دون أن يدفع ثمن ذلك، وبالتالي فهو يوجه تلك الكلف إلى الخارج ليتحملها المجتمع والبيئة نيابة عنه ومن هنا تنشأ خطورة أساسية، وهي عادة ما يقدم المشروع أو الوحدة الاقتصادية على زيادة أرباحها على حساب المجتمع وتدمير موارد بيئية لها قيم اجتماعية موجبة، دون أن تتعرض لأي مساءلة قانونية أو مالية. وافادت الدراسة ان المحاسبين وصفوا الوضع السابق بما يسمى، الكفاية الاقتصادية غير المتساوية، بمعنى أن هناك طرف(المشروع) يحقق أرباحا على حساب طرف أخر (المجتمع). وباختصار شديد فان الأضرار الاجتماعية لتلوث البيئة والتي يطلق عليها الاقتصاديون (الآثار الجانبية السلبية الملازمة لعملية الإنتاج) هي نتيجة الاعتماد على البواعث الخاصة. (Private Incentives) فكلما كانت تلك البواعث كبيرة، كلما زادت الأعباء الاجتماعية غير المدفوعة. واعتبرت الدراسة أن القياس المحاسبي الحالي لا يعكس مدى استغلال الوحدات الاقتصادية للبيئة المحيطة، وبالتالي فان الأرباح الحالية، ليست بالمقياس الصادق لتقيم الأداء الاجتماعي ما لم تعكس التضحيات التي حملتها الوحدة الاقتصادية للغير. وأكدت أن للمحاسبة دوراً كبيراً وفعالاً في الرقابة على تلوث البيئة وذلك من خلال تضمين تلك الكلف الاجتماعية ـ والتي بضمنها تكاليف تلوث البيئة ـ بكلف الإنتاج مما يؤدي إلى شمولية القياس والإفصاح المحاسبي لإظهار الجوانب السلبية للمشروع وتوصيل أثارها إلى جميع المهتمين بمثل هذه المعلومات. الأمر الذي يجعل هدف الوحدة الاقتصادية بالإضافة إلى تقديم السلع والخدمات ذات القيمة للمجتمع، العمل على الحد من التلوث إلى أقصى حد ممكن والى الاستخدام الفعال والكفء للموارد الطبيعية. وقالت انه مما لاشك فيه، ان احتساب تكاليف تلوث البيئة، يستدعي من المحاسبين السعي نحو تطوير نظريات القياس الخاصة بموضوع تلوث البيئة، بجانب إمكانية تحديد القيم النقدية لأضرار تلوث البيئة وجعلها من ضمن التكاليف الطبيعية للوحدة الاقتصادية. وأوضحت أن تبويب تكاليف تلوث البيئة ضمن التكاليف الاعتيادية الأخرى للوحدات الاقتصادية، سوف يدفع تلك الوحدات إلى التأكد من كفاءة وفاعلية استغلالها للبيئة ومواردها في العملية الإنتاجية والمحافظة عليها من التلوث، نظرا ألانها ستتحمل بكلف جديدة (كلف تلوث البيئة) تقتطع من إيراداتها السنوية في مقابل استخدامها للبيئة بما يحقق الرفاهية الاقتصادية والهدف الاجتماعي من وجودها. والشكل التالي يوضح الأسلوب الجديد في تبويب عناصر التكاليف للوحدة الاقتصادية في ظل عامل البيئة (عنصر الإنتاج الجديد). ويواجه المحاسبون مشكلة كيفية إخضاع تكاليف تلوث البيئة للقياس المحاسبي الموضوعي بصوره النقدية على اعتبار أن تلك الكلف لا يتوفر قيها سعر تبادل بمعنى أخر أن تلك الكلف يفشل السوق في تبادلها. لذا يكون من الصعب على المحاسبين تقبل قيم لا تقوم على عملية الاستبدال لما تحويه من عنصر عدم التأكد وبالتالي يصبح القياس لها غير موضوعي. وأكدت الدراسة ان مثل هذا الادعاء في عدم قبول المحاسبين لقيمة لا تقوم على عملية الاستبدال، ليس له ما يببرره إذا ما علم أن الكثير من الإجراءات المحاسبية التي يقوم بها المحاسب لأغراض التقييم، لا تقوم على أساس التبادل. فعلى سبيل المثال، الطريقة التي يعتمدها المحاسب في احتساب قسط الاندثار (الاستهلاك) يعتمد فيها بالدرجة الأساس على الحكم والتقدير الشخصي في تقدير العمر الإنتاجي المتوقع للأصل، وفي قيمة الأنقاص في نهاية عمره الإنتاجي. مع ذلك نجد هذه العملية مقبولة من قبل المحاسبين. ونفس الكلام ينطبق على المعالجات المحاسبية للديون المشكوك في تحصيلها. واستنتجت الدراسة، انه ليس دائما يتم اعتماد أسعار التبادل لأغراض التقييم والقياس المحاسبي، وانه يمكن اللجوء إلى طرق أخرى للقياس يمكن الاستعانة بها في مجال قياس تكاليف الآثار السلبية للوحدة الاقتصادية . ومن هذه الطرق: طريقة التقييم البديل، (Surrogate Valuation Method ) وطريقة الاستبيان ، (Survey Method) وطريقة المنع ، و(Avoidance Method) طريقة تكاليف التصحيح. (Cost of Restoration Method) وقالت ان افضل طريقة يمكن استخدامها لقياس تكلفة تلوث البيئة، هو ما يعرف بمنهج الأضرار النوعية وكما يلي: دالة الأضرار الاجتماعية النوعية تأخذ الشكل التالي: D = HD+ PD حيث أن D تمثل أجمالي الخسائر الاجتماعية للتلوث، HD تمثل الخسائر الصحية للتلوث، PD تمثل الخسائر المادية للتلوث، وعلى اعتبار أن أضرار تلوث البيئة، سوف تنعكس على الجوانب الصحية والمادية للمجتمع. فالخسائر الصحية للتلوث تتمثل في: وتكلفة الإصابة بأمراض تلوث البيئة، وتكلفة العلاج لتلك الأمراض، وتكلفة الانخفاض في عوائد المشروع والأفراد نتيجة الإصابة بأمراض تلوث البيئة، وتكلفة الموت المفاجئ نتيجة الاصابة بتلوث البيئة. أما الخسائر المادية للتلوث فانها تتمثل في: وتكلفة الأضرار في المزروعات نتيجة التلوث، وتكلفة الأضرار في المواد والممتلكات نتيجة التلوث. أن استخدام الأسلوب السابق في قياس تكلفة تلوث البيئة، يعد من السهولة والفائدة لتحقيق اكبر قدر ممكن من المعلومات المحاسبية لكافة الأطراف المعنية لمساعدتها في اتخاذ القرارات المتعلقة بالآثار السلبية لأنشطة الوحدة الاقتصادية على المجتمع، بشكل يسهم في التخفيض من تلك الأضرار و يحافظ على البيئة.