من المنتظر أن تشهد الأسابيع المقبلة التوقيع النهائي على اتفاقية الشراكة المصرية مع الاتحاد الأوروبي وذلك بعد أن تم التوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاقية في يناير من العام الجاري، لتنتهي بذلك واحدة من أطول العمليات التفاوضية في تاريخ الدبلوماسية المصرية والتي بدأت منذ عام 94 وشهدت الكثير من الجدل والتطويل في المفاوضات نتيجة حرص المفاوض المصري على تحقيق أقصى قدر من المكاسب لمصر وهو الأمر الذي تحقق بالفعل خاصة في الملف الزراعي الذي تضمن مضاعفة كمية الصادرات الزراعية المصرية المسموح بدخولها إلى الأسواق الأوروبية. وترجع بعض المصادر طول فترة التفاوض إلى عدة عوامل في مقدمتها دور جماعات المصالحة من رجال الأعمال الذين ينقسمون إلى مجموعة من المتعاملين مع الاتحاد الأوروبي والذين يحبذون الدخول في علاقة شراكة معه ومجموعة أخرى ممن تتركز تعاملاتهم مع السوق الأمريكية والذين يرون أن الشراكة مع أوروبا تعطي منافسيهم من المتعاملين مع الاتحاد الأوروبى ميزة كبيرة عليهم وبما يدفعهم لتعطيل توقيع اتفاق الشراكة مع أوروبا حتى يجري اتفاق التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والتى أكدت مصادر أمريكية مسئولة مؤخرا أن هناك الكثير من العقبات أمام اقامة منطقة تجارة حرة بين مصر وأمريكا.. المجموعة الثالثة التى عرقلت اتمام اتفاقية الشراكة الأوروبية وهي الأكبر حجما وتتكون من الصناعيين الذين يذهب انتاجهم للسوق المحلية والذين يرون في أى تحرير للتجارة تهديدا لوضعهم المميز في السوق المحلية، وتسعى هذه المجموعة من الصناعيين المصريين وعلى رأسهم وزير الصناعة الدكتور مصطفى رفاعي الذي اتهم المفاوض المصري بالتفريط أثناء المفاوضات بالحفاظ على أقصى قدر من الحماية حتى لا يجدوا أنفسهم مضطرين لتحديث وتطوير مؤسساتهم وأساليب عملهم وتكشف اتفاقية المشاركة عن مدى تشتت مؤسسات الدولة حيث لا تعمل في اطار خطة وتصور واضحين يمثل السياسة العامة للدولة المصرية فوزارتا الاقتصاد والصناعة أخذتا في انتقاد مسودة الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي وتعرقلان توقيعه مع انهما شاركتا في كل مراحل التفاوض عليه. أما وزارة الخارجية التي تولت تنسيق التفاوض باسم مصر فانها تلقت الاتهامات باعتبارها مفرطة في الحقوق المصرية.. وبرغم ذلك فإنه تجري حاليا المراجعة الفنية والقانونية واللغوية والترجمة إلى اللغة العربية للاتفاقية وكذلك ترجمتها إلى 11 لغة أوروبية وطباعة النسخ الرسمية وهي (16) تمهيدا لتوقيع وزراء الخارجية النهائي على الاتفاق في مجلس المشاركة ويحدد الاتفاق آليات متابعته وتنفيذه في مجلس المشاركة على المستوى الوزاري، ولجنة المشاركة ومجموعات العمل على المستوى الفني ولمجلس المشاركة انشاء الآليات التي يراها حسب احتياجات التطبيق الجيد للاتفاق. وتختص هذه الآليات بالتحفيز للمفاوضات التالية سواء عند انضمام أعضاء جدد للاتحاد الاوروبى أو لمراجعة مواد الاتفاق التى تم النص على مراجعتها دوريا. وقد تضمن مشروع الاتفاق عدة عناصر اهمها اقامة حوار سياسي يقوي علاقات الطرفين ويزيد التفاهم والتضامن وتقارب المواقف حول المسائل الدولية، وكذلك تقيم الجماعة ومصر تدريجيا منطقة تجارة حرة لما يتمشى مع احكام الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة لعام 94 وباقى الاتفاقيات الملحقة بالاتفاقية المنشئة لمنظمة التجارة العالمية، وتعفى من خلالها الصادرات الصناعية المصرية الى السوق الأوروبى من الرسوم الجمركية فورا، وتحرر مصر الواردات الصناعية من الاتحاد الأوروبى تدريجيا خلال فترة تمتد الى 16 سنة من نفاذ الاتفاق، وتحرر الصادرات الزراعية المصرية بحصص ومواسم فور نفاذ الاتفاق وذلك دون تنازل مصري بنفس القدر، ويرتبط بذلك مضاعفة المساعدات المالية لدعم القدرات التنافسية للاقتصاد المصري وقد حصلت مصر على مبلغ 686 مليون يورو خلال السنوات 97/99 اثناء التفاوض وهو أكثر مماحصلت عليه خلال عشرين سنة سابقة. يشمل الاتفاق أيضا تحقيق طفرة تنموية تعتمد على زيادة الصادرات عن طريق الاندماج فى أكبر تجمع اقتصادي فى التجارة العالمية، والاستفادة من حجم الأسواق الواسعة لدول الاتحاد الأوروبي ودول شرق ووسط أوروبا المرشحة لعضوية الاتحاد والاستفادة لاحقا من البعد المتوسطي والعربي الذي تتيحه اتفاقية المشاركة بما يصاحبه زيادة في حجم التجارة والصادرات هذا الى جانب التعاون في المجالات الاجتماعية والثقافية، التعليم والصحة والموارد البشرية، التكنولوجيا والاتصالات والنقل، والطاقة ومكافحة الجريمة المنظمة والارهاب وتأمين حقوق الجالية المصرية فى أوروبا وتسهيل نظم صنع التأشيرات. ويتضمن نصوص الاتفاق نحو 92 مادة في أربعة عشر فصلا، وستة ملاحق، وثمانية اعلانات مشتركة يغطي كافة جوانب علاقات الطرفين. الملف الزراعي وتشمل ملفات اتفاق المشاركة بين مصر وأوروبا عدة قطاعات أولا القطاع الزراعي الذي واجه صعوبة بسبب السياسة الزراعية الأوروبية وهي سياسة ذات أهمية أمنية واجتماعية لدول الاتحاد الاوروبي التي حرصت على جعلها قانونية في اطار مفاوضات منظمة التجارة العالمية، ومن شأن هذه السياسة التأثير سلبا على فرص صادرات مصر الزراعية للاتحاد الأوروبي مالم تدخل في اتفاق تفضيلي للتجارة، وتتجه نحو 50% من صادرات الخضر والفاكهة المصرية الى الاتحاد الأوروبى، ويتيح الاتفاق توسيع التفضيلات التجارية القائمة لتشمل جميع المنتجات الزراعية المصرية بالاضافة لحصول مجموعات جديدة من السلع على تفضيلات لأول مرة، حيث يستفيد قطاع الزراعة بتوسيع قائمة الصادرات لنحو مئة سلعة، والحصول على حصص لتصدير منتجات جديدة تتمتع بحصص أو مزايا تجارية تفضيلية مثل المولاس والزهور والفراولة، والمانجو والجوافة والبلح والفول السوداني والبطاطا، ومضاعفة أو زيادة حصص الفاصوليا والبصل والثوم والبرتقال والبطاطس وغيرها، كذلك تخفيض مستوى أسعار الدخول وتمثل الحد الأدنى لسعر البيع على بعض المنتجات ومد مواسم التصدير لبعض الصادرات الزراعية الهامة مثل العنب والبطيخ مع مراجعة المزايا المقدمة للصادرات الزراعية المصرية كل ثلاث سنوات وزيادة تلقائية سنويا تبلغ نسبة 3% وتحقق الصفقة زيادة فى قيمة الصادرات الزراعية المصرية بنسبة تتراوح بين 252%، 652% فعلى سبيل المثال سوف تصل النسبة الى أكثر من ثمانين ضعفاً للزهور، مرتين ونصف للبطاس وثمانية أضعاف للبرتقال، وحصص مفتوحة للجريب فروت واليوسفي، والليمون الحلو والليمون والبطيخ والعنب والطماطم والخرشوف والكوسة والفول السوداني، كذلك خفض الرسوم الجمركية للكميات الزائدة عن الحصة بما يسمح بنفاذ الصادرات الزراعية المصرية بصورة أكثر كفاءة في اطار الاتفاق الجديد مقارنة بالوضع الراهن. الملف الصناعي أما الملف الثاني فهو الصناعة حيث ينص الاتفاق على تعزيز التعاون حول السياسات الصناعية والمنافسة، والتعاون بين رجال الاعمال في الجانبين، وتحديث واعادة هيكلة الصناعة المصرية، وانشاء بيئة مواتية لتنمية القطاع الخاص، ونقل التكنولوجيا والابتكار والبحوث والتطوير، وتنمية الموارد البشرية والنفاذ الى أسواق المال لتمويل الاستثمارات كما يتيح الاتفاق اعفاء الصادرات الصناعية المصرية من الرسوم فورا وانهاء نظام الحصص لصادرات الغزل والمنسوجات والملابس مقابل تحرير واردات مصر الصناعية بالتدريج خلال 19 سنة من التوقيع، ووفقا لتقديرات البنك الدولي فإن المنتجات الصناعية المصرية تامة الصنع لن تتأثر بعملية المنافسة نتيجة التحرير التدريجى للواردات الصناعية الا بعد عشر سنوات من توقيع الاتفاق وتشير الدراسات الى أن هذا الأسلوب يزيد من معدل الحماية المكفولة للصناعة، حيث تم الغاء الرسوم الجمركية أولا على الواردات الرأسمالية، والمكونات والخامات ومدخلات الانتاج ممايخفض تكلفة الانتاج فى الوقت الذى لن تخفض فيه الرسوم الجمركية المعروضة على المنتج النهائي المنافس الا في المراحل الأخيرة للفترة الانتقالية. كما يوفر الجانب الأوروبي تمويلا في صورة منحة لبرنامج تحديث الصناعة يبلغ 250 مليون يورو تخصص منها 110 ملايين يورو فى صورة تحويلات نقدية مباشرة لميزانية الحكومة المصرية لدعم سياستها المساندة للصناعات الصغيرة والمتوسطة و30 مليون يورو لتحديث أجهزة وزارة الصناعة واقامة المركز التنفيذى لتحديث الصناعة، كذلك يقدم بنك الاستثمار الأوروبي أكثر من 400 مليون يورو فى صورة قروض للبرنامج بعد قيامه بتمويل الآلات والتجهيزات اللازمة لعملية التحديث، وتساند الحكومة المصرية القطاع الصناعي المصري بمنحة قيمتها حوالى 103 ملايين يورو يتمثل أسهمها العينى فى البرنامج ويمول البرنامج انشاء عشرة مشروعات لتحديث الصناعة فى مجالات جذب الاستثمار وترويج الصادرات وزيادة التنافسية، وتحسين نظم الادارة والجودة والمواصفات، ورفع القدرات المؤسسية وقيام شبكة معلومات مصرية، واقامة عشرين مركزا للتنمية الاقليمية وتنمية التجمعات الصناعية فى مدن وأقاليم مصر، فضلا عن مركز تحديث الصناعة وسوف يستمر البرنامج لفترة العشرين سنة المقبلة وينفذ على مراحل مدة كل منها حوالى 5 سنوات وبميزانيات متكررة ويجري تقييمه دوريا. السلع المصنعة أما الملف الثالث فيشمل السلع الزراعية المصنعة حيث يطبق الاتحاد الأوروبي نظاما معقدا على وارداته من السلع الزراعية المصنعة يشمل رسما جمركيا بنسبة مئوية على المكون الصناعي للسلعة، ورسما آخر ذو قيمة ثابتة على وزن المكون الزراعي للسلعة ورسم ثلاث على مكوناتها من المواد الحساسة كالسكر والدقيق واللبن، وقد تم الاتفاق على مزيد من تحرير التجارة فى السلع الزراعية المصنعة ويتم ذلك طبقا لثلاثة قوائم حسب قيمة التعريفة الجمركية وتنافسية السلعة فى السوقين المصري والأوروبي حيث تضم القائمة الأولى سلعا لازمة للصناعة أو الاستهلاك المصري وتخضع وارداتها لرسوم أقل من 10% وتبادل الغاء الرسوم عليها أما القائمة الثانية فتشمل السلع الخاضعة لتعريفة من 10% ـ 30% ويلغى الاتحاد الأوروبي كامل الرسوم على المكون الصناعي في حصته من صادرات مصر من تلك المنتجات مقابل خفض مصر لنسبة 15% من الرسوم على وارداتها ليصبح الرسم 25.5% بدلا من 30% كالخمائر والمرجرين، الجليسرول والكتشب وتضم القائمة الثالثة منتجات تعريفتها فوق 30% ويلغي الرسوم الأوروبية على المكون الصناعي فيها اضافة لنسبة 30% من رسم المكون الزراعي، مقابل تخفيض 25% من الرسوم المصرية لتصبح 30% بدلا من 40% وهي ميزة تنفرد بها مصر. من بين ملفات الاتفاقية حماية حقوق الملكية الفكرية ولا يضيف مشروع الاتفاق اعباء اضافية على مصر تتخطى التزاماتها في اتفاقية حماية الملكية الفكرية المعقودة في اطار الجات وأمكن الابقاء على الفترة الانتقالية لاتفاق حماية حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة ومن بين الملفات أيضا قواعد المنشأ وقد تم ادخال اضافة على بروتوكول قواعد المنشأ الجديدة مثل السماح برد كامل الرسوم الجمركية المحصلة على المدخلات الصناعية للمنتجين المصريين الواردة من خارج المنطقة الأوروبية أو المتوسطية، وذلك لفترة ست سنوات يرد بعدها الفارق بين الرسمين المصري والأوروبي على مدخلات الانتاج الواردة من دول ثالثة ويتفاوض بعد الفترة الانتقالية على الوضع النهائي.. أيضا تشمل الاضافات السماح باستخدام مكونات عربية أو أوروبية في المنتجات المصرية مع احتفاظها بالمنشأ المصري وتعديل سنة المكون المحلي في قواعد المنشأ ببعض المنتجات خلال الفترة الانتقالية للصناعات الهندسية والكيماوية والالكترونية