فجرت أزمة طائرة التجسس الأمريكية التي وقعت في قبضة الصين بعد اصطدامها بإحدى الطائرات الصينية المقاتلة جذوة مواجهة أخرى بين الولايات المتحدة والصين ، إلا أنها مواجهة غير معلنة ومن طراز جديد لم يكن العالم قد عهده من قبل وذلك وفقا لمعطيات العصر الذي نعيشه، فقد خرجت تلك المواجهة من دائرة التهديدات والتلويح بالخيار العسكري إلى حرب خفية أخذت ملامح تكونها في الظهور على شاشات الحاسب الإلكتروني أو «الكمبيوتر» ذلك السلاح الجديد ذا السطوة والذي بات العالم يخشى آثاره خشيته من أشد الأسلحة فتكا ودمارا. فقد تلقت الجمعية التاريخية التابعة للبيت الأبيض الأمريكي رسالة إلكترونية غريبة تحمل سؤالا ساخرا نصه: «ترى ما هو السبب وراء وجود أعلام صينية في صفحات موقعكم على شبكة الإنترنت؟» وبالتالي بادر بيل بوشنج المدير المسئول عن الموقع بمراجعة الصفحة الرئيسية عليه حيث كانت المفاجأة فقد عثر المسئول الأمريكي على شيء لم يكن يتوقعه فإلى جانب صورة الرئيسين أبراهام لينكولن وجورج واشنطن كانت تقبع صورة لعلميين ذي لون أحمر يحملان نجمتين صفراوتين فلم يكن هذين العلمين سوى علمين لجمهورية الصين الشعبية. ولم يكن وجود العلمين على الموقع دليلا على استيلاء الصين على الولايات المتحدة في طرفة عين كما لم يعن وجودهما أيضا دخول الصين في علاقة تعاون سياسي مع الولايات المتحدة أثمرت جهودها في استئجار الصين مساحة إعلانية على موقع الجمعية التاريخية الأمريكية على الإنترنت فالموضوع في الواقع ما هو إلا عملية اختراق جديدة نفذها مهاجمون صينيون ونجحوا من خلالها في الدخول إلى الموقع حيث وضعوا العلم الصيني في إشارة تحد للأمريكيين في الصراع الإلكتروني الدائر بين الجانبين والذي اندلعت شرارته على الشبكة منذ حادث اصطدام طائرة التجسس الأمريكية مع المقاتلة الصينية الشهر الماضي. إلا أن مدير موقع الجمعية التاريخية الأمريكية التابعة للبيت الأبيض قلل من شأن الهجوم وقال إن الحدث لم يكن له أثار ضارة حيث أنه لم يكن بغرض التخريب ولكنه لا يعدو كونه إشارة تحد لنا يعلن بها المخترقون الصينيون عن قدرتهم على النفاذ إلى مواقعنا. وقد حملت الرسالة الإلكترونية التي تلقتها الجمعية من مجموعة تسمي نفسها «اتحاد الهونكر الصيني» محتوى يطالب بإسقاط الإمبريالية الأمريكية. وفي تعليق لهم حول هذا الصراع الجديد أكد خبراء الكمبيوتر وتقنية المعلومات داخل الولايات المتحدة زيادة معدل هجمات المتسللين الصينيين على المواقع الأمريكية التابعة سواء للحكومة الفيدرالية أو الشركات والمؤسسات الكبرى حيث باتت الزيادة ملحوظة حيث سجل مؤشر عدد الهجمات في الأيام الأخيرة ارتفاعا كبيرا مع اشتداد حدة موجة الغضب الصيني التي أثارتها حادثة طائرة التجسس الأمريكية والتي فقد فيها طيار صيني حياته إثر اصطدام مقاتلته بالطائرة الأمريكية. ويأتي تصعيد المواجهة في فترة حافلة بالعديد من التواريخ الهامة في ذاكرة الشعب الصيني ومنها الأول من مايو وهو مناسبة الاحتفال بعيد العمال وكذلك يوم الشباب والأهم من ذلك كله أن يوم الاثنين الماضي وافق الذكرى السنوية الثانية للقصف الأمريكي لمقر السفارة الصينية في بلجراد بيوغوسلافيا والذي دفع المسئولون الأمريكيون بكونه حادثا عارضا وغير مقصود. من الجهة الأخرى أبدى المخترقون الأمريكيون أيضا استعدادهم للرد حيث نفذ عدد منهم مجموعة من الهجمات والاختراقات الانتقامية للمواقع الشبكية الصينية حيث ترك أحد المهاجمين رسالة على أحد تلك المواقع تقول «أعيدوا لنا الطائرة المحتجزة سحقا لكم» في الوقت الذي تعرضت له العديد من المواقع الحكومية الأمريكية لعمليات هجوم من قبل «الهاكرز» الصينيين ومن بين تلك المواقع موقع وزارات الطاقة والعمال والداخلية والصحة والخدمات الصحية وذلك وفقا لشهادة خبراء الكمبيوتر الأمريكيين أنفسهم الذين أكدوا بدورهم عدم حدوث أضرار حقيقية من وراء الهجمات حيث اقتصر الأثر على إرباك بعض زوار تلك المواقع على الشبكة وإيقاعهم في حيرة. فقد كانت المفاجأة كبيرة لزوار موقع البحرية الأمريكية على الإنترنت عندما وجدوا أنه يحمل عبارة تطالب بإسقاط الإمبريالية الأمريكية في حين تساءل متصفحو مواقع بعض المراكز الصحية الأمريكية عن سبب وجود عبارات معادية لسياسات الولايات المتحدة على مواقع لا دخل لها بالسياسة من قريب أو بعيد إلا أن خبراء تقنية المعلومات حذروا من خطورة هذه الظاهرة التي قد تتطور لتنال من مصالح بعض الشركات الأمريكية إلى حد قد يؤثر على مستقبلها برمته وطالبوا بزيادة جرعة الحماية. ومن بين الأمثلة التي ضربت في هذا الإطار واقعة حدثت الشهر الماضي عندما أرسل بريستون بين وهو أحد مسئولي شركة أمريكية تدعى «لونش باث» ومقرها ولاية كنساس رسالة إلكترونية إلى أحد العملاء الآسيويين تحمل عنوان موقع الشركة على الإنترنت ثم قام بالاتصال به هاتفيا حيث كانت المفاجأة عندما سأل العميل عن سبب وجود بعض العبارات المعادية لليابان الموجودة على موقع الشركة ومكتوبة باللغة الصينية. وبعيدا عن المواقع الشبكية كشفت مصادر وزارة العدل الأمريكية في الرابع من الشهر الجاري عن ضبط عملية تخريب معلوماتية خطيرة حيث ألقت السلطات هناك القبض على اثنين من كبار خبراء شركة «لوسنت تكنولوجيز» الأمريكية المتخصصة في مجال تقنية المعلومات إضافة إلى شخص آخر بتهمة سرقة معلومات ومعدات هامة من الشركة وتقديمها لشركة تابعة للحكومة الصينية حيث وجهت السلطات للأشخاص الثلاثة تهمة التآمر في استخدام المعلومات المسروقة واستخدامها في دعم قدرات شركة ربط شبكي كبيرة في الصين تحمل اسم «داتانج تيليكوم تكنولوجي» الأمر الذي ينذر ببداية صراع من نوع جديد بين الجانبين يخرج من حلقة الصراع المسلح إلى بيئة الإنترنت والتقنية المتطورة.