كل نظام اقتصادي يأتي بصفاته الوراثية الخاصة وتعتبر حالات انهيار سوق الأسهم وحالات الازدهار والافلاس والتضخم والانكماش جميعها من المظاهر الوراثية للرأسمالية. وهناك انظمة اقتصادية اجتماعية اخرى، لاتعاني من عناصر عدم الاستقرار الذاتية هذه. ففي الشيوعية، لايوجد سوق أسهم لكي ينهار والتخطيط المركزي يمنع التقلبات صعوداً وهبوطاً سواء في الأسعار أو الانتاج. وبينما تعتبر هذه البدائل ـ كالاشتراكية والانظمة التعاونية خالية من المورثات «السيئة» للرأسمالية، فانها تخلو أيضاً من المورثات «الايجابية» الخاصة بها. ولقد هيمنت الرأسمالية على اقتصادات العالم نظراً لعجز أي نظام آخر عن توليد نمو اقتصادي طويل الاجل في غضون المئتي عام من بداية الثورة الصناعية، وقد جربت العديد من الانظمة الاخرى ولكنها فشلت جميعاً. لايمكن فصل المورثات السلبية للرأسمالية عن مورثاتها الايجابية نظراً لأن كليهما ينبعان من حقيقة ان الرأسمالية تصب في الجشع الذي يبدو انه كامن في النفس البشرية. وان الرغبة بالحصول على «المزيد»، بغض النظر عن مقدار ما لدى الفرد، هي الرغبة البشرية التي تجعل الرأسمالية تنجح. فهي تقودنا الى إكتساب المهارات التي ستكسبنا أكبر قدر ممكن من المال والى العمل ساعات طويلة والى ان نكون ممن يعملون دون رحمة على مضاعفة أرباحهم الى الحد الأقصى. ومن جانبها، حاولت جميع البدائل للرأسمالية ان تركز على الغيرية «حسب الغير»، فمن الأهم للمرء مساعدة الجار أو المجتمع بشكل عام من مساعدة نفسه وهذا مبدأ أخلاقي أجمل بكثير من الجشع الذي يشكل اساس الرأسمالية، لكنه للأسف لايبدو منسجماً مع الطريقة التي طبع عليها الانسان. وليس هناك من أحد استطاع ان يبني مجتمعاً تسيطر فيه الغيرية المجتمعية على الطمع الشخصي. لكن الطمع أيضاً هو الذي يقود الى حالات الانهيار في أسواق الأسهم. ارجع على سبيل المثال، الى أول انهيار لسوق أسهم رأسمالي ـ وهو ما عرف بهوس التوليب (نبات الخزامي الزنبقي) في هولندا في بداية القرن السابع عشر. ففي ذروة الرواج، كانت أربع بصلات من نبات التوليب الأسود تشتري واحداً من تلك البيوت الجميلة المصطفة على طول قناة امستردام. وقد عرف الجميع في ذلك الوقت بأن ذلك كان جنوناً. فعلى المدى البعيد، لايمكن ان يكون سعر بصلة نبتة التوليب أعلى من التكلفة الخاصة بزراعة بصلة توليب. ولكن مرت فترة كانت فيها ثماني بصلات من نبات التوليب تشتري بيتاً. واذا خرج مستثمر من السوق عندما كانت المعادلة ثمانية الى واحد. بينما كانت ذروة السوق ستصل فيها المعادلة الى أربعة الى واحد، فان هذا المستثمر يكون قد ضيع فرصة لمضاعفة ثروته مرتين. من يرغب بأن يفوت مثل هذه الفرصة؟ ان ما كان صحيحاً في القرن السابع عشر يعتبر صحيحاً في القرن الحادي والعشرين. فالانهيار الجاري حالياً في سوق أسهم التقنية العالية ليس من الصعب تفسيره. فما كان عبارة عن أسهم للتقنية العالية مبالغ بسعره بشكل واضح يجب ان ينخفض الى المستوى الواقعي. ان ما يتعين تفسيره ليس الهبوط في الأسعار وانما كيف يمكن ان تكون أسعار السوق لأسهم شركات لا عائدات لها ولا أرباح ولا نموذج لنشاط اعمال معين مرتفعة جداً قبل عام فقط. والجواب هو الطمع. كما نعرف جميعاً ان هذه الأسهم كانت مسعرة بشكل مبالغ فيه، لكننا أردناً جميعاً ان نصبح أثرياء. وكنا نعرف ان الاسعار ستنخفض في النهاية، ولكننا إعتقدنا ان بمقدورنا الخروج قبل ان يبدأ الهبوط. ولكننا كمجموعة لايمكننا ان نخرج من السوق في الوقت نفسه. فلابد من ترك أحد لكي يحمل الحقيبة. الجشع طغى على التفكير المنطقي اذا كان الجشع يعتبر عاملاً رئيسياً يقود الى انهيار سوق الأسهم، فان هناك أيضاً مجموعة ثانوية من الصفات الوراثية التي تجعل من حالات الانهيار أكبر بكثير مما يمكن للجشع وحده ان يفعل. وهذا هو ما نطلق عليه عقلية «القطيع». فعندما يبدأ البعض منا بالتدافع بحثاً عن أبواب الخروج، فاننا نبدأ جميعاً بالركض. ونحن في تلك اللحظة لانعمل تفكيرنا وانما نركض فحسب. وعندما نهرب جميعاً، فان الاسعار لاتعود إلى طبيعتها. فهي تنهار من المستوى الطبيعي الى مستويات منخفضة بشكل غير طبيعي.. وفي خضم هذه العملية تنهار أسهم ذات عوائد محترمة وأرباح ونشاط أعمال جيد جنباً الى جنب مع تلك الأسهم التي لاتملك أياً من هذه الصفات. ونحن نركض كالقطيع لأننا مبرمجون وراثياً للقيام بذلك. فاذا رأى قطيع من الغزلان أسداً، تهرب الألوف عدواً، مع انه لن يفترس منها إلا واحداً. فلا أحد منها يريد ان يضحي بنفسه وان يكون ذلك الغزال الذي سيؤكل. ولو كان هناك مثل هذا الحيوان، لما كان يتعين على البقية ان تهرب. والغزلان تركض أيضاً اذا رأت العشب يتمايل مع الريح أو اذا رأت غزلاناً اخرى تركض. فقد يكون هناك أسد بالجوار. ويمكن للغزال دائماً ان يعود في اي وقت لتناول العشب اذا لم يكن الأسد هناك بالفعل. والغزال الذي ينتظر ليرى ما اذا كان هناك أسد بالفعل يقع فريسة له. وعلى إمتداد ملايين السنين، كنا مبرمجين وراثياً للهروب كقطيع. ودائماً ما يكون الهرب تصرفاً منطقياً. وتماماً مثلما يهدأ قطيع الغزلان في النهاية ويستقر لتناول العشب، فان سوق الأسهم سيعود في النهاية الى طبيعته. أسعار الشركات الجيدة ستنتعش والشركات السيئة ستخرج من السوق. وكل ما يتعين على المستثمر القيام به هو تحديد أي الشركات جيدة وأيها سيئة. اثنتان أو ثلاث من تلك الشركات المسماة بشركات الانترنت ستكون أشباهاً والمارت وجنرال الكتريك وميريل لنتش في المستقبل. واذا اشتريت أسهم هذه الشركات القليلة، فانك ستصبح غنياً حقاً.