تتوالى التطورات بصورة سريعة ومذهلة في منظمة التجارة العالمية وذلك على الرغم من الاحتجاجات العنيفة التي يقوم بها مناهضو العولمة مثلما حدث في مدينة «كيبيك» الكندية في نهاية الشهر المنصرم. وفي غضون أشهر قليلة ستتركز انظار العالم على منطقة الخليج العربي، حيث سيعقد المؤتمر الوزاري الدوري الرابع لمنظمة التجارة العالمية في العاصمة القطرية الدوحة. ويكتسب هذا الاجتماع أهميته لاعتبارات عديدة يأتي في مقدمتها: ـ مناقشة التقارير التي أعدتها اللجان المختصة والمنبثقة عن المؤتمر الثالث الذي عقد في «سياتل» في نهاية عام 1999 وبالاخص التقارير الخاصة بتحرير تجارة الخدمات «الجاتس» والمنتجات الزراعية. ـ تنامي اعداد البلدان المنضوية تحت مظلة منظمة التجارة العالمية، والتي كان آخرها سلطنة عمان لها. ـ احتدام الصراع بين مؤيدي العولمة ومناهضيها. ـ ازدياد عمليات الاستقطاب داخل المنظمة وبالأخص بعد الاعلان عن قيام أكبر تكتل اقتصادي في العالم والذي يضم بلدان الامريكتين ووضع ضوابط جديدة للعضوية تتعلق بالديمقراطية والتي يتوقع ان تنسحب مثل هذه الضوابط في المستقبل على البلدان الأعضاء في منظمة التجارة العالمية، وذلك بسبب الثقل السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة في المنظمة. وتتفاوت وجهات نظر البلدان والمؤسسات الاقتصادية والمهتمين بالشأن الاقتصادي العالمي حول ايجابيات وسلبيات العولمة الاقتصادية وما قد تمثله من هيمنة أو تعاون، الا ان ما يهمنا هنا هو التركيز على عدد من المحاور الاساسية والتي تكمن في الاتي: ـ المشاركة الايجابية للبلدان الخليجية والعربية في المفاوضات الجارية حاليا، خصوصا وان هذه البلدان كانت بعيدة نسبيا عن مثل هذه المشاركة اما بسبب عدم اهتمامها او بسبب عدم اكتسابها عضوية المنظمة في جولات المفاوضات السابقة. ـ خطورة القضايا المطروحة على جدول اعمال المؤتمر الوزاري الرابع في الدوحة، وبالاخص تحرير تجارة الخدمات والمنتجات الزراعية وتأثيراتها المتوقعة على الاقتصاديات الخليجية والعربية. ـ انعقاد المؤتمر في عاصمة خليجية، مما يتيح امكانيات كبيرة للتأثير في المواضيع المطروحة على جدول الاعمال ويفتح المجال للدفاع عن المصالح العربية التي يمكن ان تتضرر من تحرير التجارة بشكل عام. ـ استخلاص الدروس والعبر عن المؤتمرات والاجتماعات الدورية وجولات المفاوضات السابقة وتنسيق المواقف العربية في هذا المؤتمر والذي يعتبر الهيئة العليا لمنظمة التجارة العالمية، فمن بين قضايا اخرى عديدة يتضمنها جدول اعمال المؤتمر الرابع للمنظمة في الدوحة، فان تحرير تجارة الخدمات والمنتجات الزراعية تمس المصالح العربية بصورة مباشرة وخطيرة، وذلك بسبب الثقل الاقتصادي المتنامي لقطاع الخدمات في الاقتصاديات العربية من جهة ولاعتماد البلدان العربية بصورة متنامية على وارداتها من الاغذية من جهة اخرى. وعلى الرغم من ان تحرير تجارة الخدمات سيتم بصورة تدريجية وعلى مدى سنوات عديدة، الا ان هذه الخطوة قد بدأت من الناحية العملية، حيث وقعت 26 دولة ذات تأثير سياسي واقتصادي كبيرين على هذه الاتفاقية. وتكمن اهمية تحرير تجارة هذا القطاع في العدد الكبير نسبيا للقطاعات المدرجة تحت هذا البند والتي تضم 18 قطاعا، يأتي في مقدمتها: ـ الاتصالات، الخدمات المصرفية والمالية، النقل الجوي والبري والبحري، خدمات الطاقة، التعليم والصحة، البناء، الخدمات المرئية والسمعية، خدمات البريد. وتتراوح مساهمة قطاع الخدمات بين 30 ـ 35% من الناتج المحلي الاجمالي في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث ترتفع هذه النسبة بصورة حادة في حالة استبعاد قطاع النفط، مما يضفي على تحرير تجارة الخدمات اهمية خاصة، باعتباره احد اهم القطاعات المؤثرة في الاقتصاديات الخليجية والعربية. وتشير الدلائل الخاصة بهذا القطاع الى ان الصراع يدور بين الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية بصورة اساسية، حيث تتمحور طبيعة هذا الصراع حول الاعانات التي تقدمها البلدان الأوروبية لصادراتها من المنتجات الزراعية. وحقيقة الامر، ان البلدان المستوردة للمنتجات الغذائية، وبالاخص البلدان العربية ستتعرض لخسائر جسيمة من جراء تحرير تجارة السلع الزراعية، فالغاء الدعم سوف يعني من بين أمور اخرى ارتفاعاً كبيراً في اسعار هذه السلع، وبالتالي ارتفاع فاتورة الغذاء العربية. وفي هذا الصدد، هناك نصوص في اتفاقية «الجات» تدعو الى القيام بمراجعات دورية لمعرفة النتائج المترتبة على تطبيق البنود الخاصة بتحرير تجارة السلع الزراعية وتذليل الصعوبات التي تواجهها. ومبدئيا، فان البلدان الخليجية والعربية لاتستطيع وقف تحرير تجارة الخدمات والسلع الزراعية، على اعتبار انها تشكل حلقة ضعيفة في المنظومة التجارية العالمية، الا انه مازال امام هذه البلدان متسعا من الوقت للتحضير الجيد لمؤتمر الدوحة في شهر نوفمبر المقبل، وذلك بالعمل في اتجاه تأجيل اقرار هاتين الاتفاقيتين لإتاحة فرصة أكبر امام البلدان العربية لتهيئة اقتصادياتها لمرحلة التحرير الكامل لتجارة السلع والخدمات في العقد الجاري. وحتى الان، فان الاستعدادات الخليجية والعربية لمؤتمر الدوحة تبدو ضعيفة، اذا ما قورنت بحجم التحديات والمخاطر التي تتضمنها البنوك المدرجة على جدول اعمال المؤتمر الرابع لمنظمة التجارة العالمية، مما يتطلب بذل جهود أكبر وتنسيقا عربيا اشمل لضمان للحقوق الاقتصادية العربية بحدها الادنى في ظل المنافسة العالمية المفتوحة.