دعا خبير النفط العربي الدكتور حسين عبدالله الدول النفطية الى مزيد من التنسيق فيما بينها فيما يتعلق بالسياسة النفطية وعدم الانسياق وراء الدعاوى بأن سعراً ما هو السعر العادل لبرميل النفط قائلا ان السعر الحالي يعادل 5 دولارات بأسعار عام 1973. وقال ان السعر الذي يجب ان يكون عليه حاليا هو 32 دولاراً اذا التزمنا بما تم الاتفاق عليه عام 1987 حينما كان السعر 18 دولاراً واتفق على ان يحافظ على قيمته الحقيقية عن طريق الارتفاع سنويا في سعره بمعدل 5%. وقال ان هناك خطرين يهددان مستقبل النفط العربي هما قواعد منظمة التجارة العالمية وبروتوكول كيوتو بالاضافة الى القرار الذي أصدرته احدى المحاكم الأمريكية مؤخراً والذي يبيح محاكمة أية دولة في أوبك امام المحاكم الأمريكية بتهمة مخالفة قوانين مكافحة الاحتكار، ولفت النظر الى ان من حق الدول النفطية فرض قيود على كميات انتاجها من البترول باعتباره سلعة ناضبة وفق المادة 20 من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية.. لكن خطورة هذه الاتفاقيات أنها ملزمة بجميع بنودها لاعضائها وان من يخالفها من هؤلاء الاعضاء ستنفذ عليه عقوبات وأحكام قضائية دولية. وقال انها وجدت ليكتمل الثالث والذي يطبق على أنفاس الدول النامية (بجانب صندوق النقد والبنك الدوليين). واشاد الدكتور حسين عبدالله بالسياسة الحكيمة التي تنتهجها دولة الامارات في تنويع مصادر الدخل والاستفادة من النفط في تشييد بنية اساسية متطورة تخدم الصناعة والسياحة وحركة التجارة التي اصبحت مركزا اقليميا لها ايمانا منها بالعمل على توفير حياة كريمة للاجيال القادمة. وقال انها من أفضل الدول النفطية التي عملت بنجاح على تنويع مصادر ايراداتها. جاء ذلك في محاضرة للدكتور حسين عبدالله امام ندوة الثقافة والعلوم بدبي عن «مستقبل النفط العربي» فند فيها بخبرته العلمية والعملية التي تمتد لأكثر من 40 عاماً الدعاوى الغربية بشأن النفط ورؤيتها لأوبك على انها منظمة احتكارية تريد ان تخنق الغرب ولمس خلالها نقاطا هامة يجب ان تظل في الوعي والادراك. التنسيق العربي وأكد الدكتور حسين عبدالله ان أهم شيء في البترول هو السعر حيث تتوقف عليه ايرادات الدول المنتجة وقال ان هذا السعر مرتبط ارتباطا عضويا بالارادة السياسية ومدى استغلاليتها وقد تبدى هذا واضحاً خلال حرب 1973 فقبلها بأيام قليلة كان العرب يتفاوضون مع الشركات عالمية على 45 سنتاً للبرميل وكانوا يريدون ان يكون سعر البرميل 3 دولارات و45 سنتاً بدلاً من 3 دولارات. وكان هذا هو الواقع بعد حرب 1967 كانت هذه الشركات تتحكم في سعر البترول وفي كميات الانتاج وكان الغرب يعتقد بأن شوكة العرب قد كسرت وان البترول سيتدفق اليه بالسعر الذي يريده.. واستمر الوضع هكذا حتى انتصر العرب في أكتوبر 1973 وحدث تنسيق عربي لامثيل له فيما يتعلق بالبترول فأوقف العرب مفاوضاتهم مع الشركات العالمية من اجل السعر وخلال اجتماع عقد في شيراتون الكويت في 16 أكتوبر 1973 أعلن لأول مرة من طرف واحد رفع السعر من 3 الى 6 دولارات وبعدها بأيام قليلة رفع الى 12 دولاراً للبرميل واعلن العرب انهم هم الذين يحددون السعر ويحددون كميات الانتاج. وخلال عقد السبعينات قوبل العرب بهجمة عدائية شرسة بأنهم السبب وراء التضخم العالمي وقيل انهم يمسكون بـ «خرطوم» النفط وسيخنقون الغرب. فقمنا ووفد من دول الأوبك ـ بجولات عالمية نشرح فيها حقيقة الموقف بالمنطق الذي يمكن ان يفهمه الغرب ثم حدث ما سمى بـ «حوار الشمال والجنوب» في باريس عامي 76 و1977 وطرحنا خلاله قضايا اخرى بجانب النفط مثل المواد الخام الأولية والتنمية والتمويل بعد ان كانت الدول الغربية ترغب فقط في طرح قضية الطاقة، وأهم ما ميز الغرب في هذه الاجتماعات التنسيق فيما بينها عكس ما حدث مع الدول النامية التي لم تنسق مواقفها. ولم يخرج المؤتمر بقرارات لكن بتفاهمات مشتركة واستمر الوضع هكذا حتى حدثت الثورة الايرانية عام 1979 فارتفع سعر البترول الى الثلاثينات فبدأ الغرب يرتب أوراقه بناء على نصيحة كيسنجر الذي قال لهم: «لاتفاوض مع منتجي البترول إلا بعد ان نرتب بيتنا. وحدث هذا بالفعل حيث انشأوا وكالة الطاقة الدولية في باريس وبدأوا ينفذون ما أطلق عليه نظام المخزون الاستراتيجي بحيث يتم توزيع هذا المخزون على كل الدول الاعضاء اذا حدث انقطاع للامدادات النفطية وحتى لاتتأثر دولة أكثر من غيرها بهذا الانقطاع. وحدثت أكبر «خطايانا» حينما استجبنا للطلب الذي كنا نعلم انه ليس للاستهلاك وانما للتخزين وهذا ما يجب ان ننتبه اليه حيث يتم استخدام هذا المخزون في الضغط في اتجاه تخفيض الاسعار. وشهد عام 1979 ضخ كميات هائلة من النفط وأيضا تخزين ضخم في الغرب ارتفع بالمخزون الاستراتيجي الأمريكي الى 500 مليون برميل ثم بدأ الغرب يمارس لعبته من جديد في سحب البساط من تحت أقدام منتجي النفط العرب بعد ان شهدت سنة 1980 أقصي ارتفاع لأسعار البترول.. وجاهد الغرب في اتجاه ازالة الأوبك لانها كانت بمثابة المنبر الذي تعمل من خلاله الدول المنتجة وكانت هي التي تلعب دور المدافع الوحيد عن الاسعار.. وفي نفس الوقت الذي كان الغرب يمارس فيه الضغط على العرب فانه عمل على زيادة انتاج البترول خارج اوبك.. في آلاسكا وبحر الشمال ونيجيريا ومناطق اخرى عديدة فزاد الانتاج من خارج اوبك بين عامي 1975 و1985 بمعدل 8 ملايين بريمل يوميا كل هذا صاحبه سياسة ترشيد استخدام الطاقة وإحلال مصادر اخرى بديلة وبالفعل خفض استهلاكه بنحو 6 ملايين برميل في اليوم اي ان 14 مليون برميل انسحبت من السوق يومياً. واضطرت اوبك التي كان انتاجها قد وصل الى 31 مليون برميل في اليوم عام 1985 الى تخفيض الانتاج الى 16 مليونا برغبتها حفاظا على الاسعار.. لانها كانت في هذا الوقت صاحبة القرار في تحديد الاسعار الى ان جاءت سنة 1985 حينما طلبت الدول المنتجة غير الأعضاء في الاوبك ان تتعاون اوبك حتى تحافظ على نصيبها في السوق. وحذرنا وقتها من انهيار الاسعار ما لم يحدث هذا التنسيق. وتحدث بالفعل ان انهارت الاسعار من 28 دولارا الى 13 دولارا للبرميل في عام 1986 ثم 18 دولارا عام 1987. وقيل وقتها ان هذا السعر عادل لكل من المستهلك والمنتج بشرط الحفاظ على قيمته الحقيقية بالارتفاع التدريجي. وأضاف في هذا الصدد بأننا نشتري سلعا من الغرب بعائدات البترول وهذه السلع ترتفع أسعارها وبالتالي تنخفض القيمة الحقيقية للبترول، وحينما نطبق فكرة السعر الحقيقي نجد ان سعر الدولار في عام 1980 قياسا بعام 1970 كان يساوي 70 سنتا بدولارات عام 1947 التي تم فيها الحديث عن فكرة السعر الحقيقي، وكان وقتها البرميل يساوي دولارين و18 سنتا ثم خفضته الشركات الى دولار و80 سنتا وظل هذا حتى عام 1970. المستقبل ثم انتقل الحديث الى الصورة التي ينتظرها النفط مستقبلا، وهنا أكد الدكتور حسين عبدالله على ضرورة الاهتمام بالابحاث العملية في هذا الصدد قائلا ان هناك كميات هائلة من المعلومات التي تصلنا يوميا لكن معظمها مدسوس وضرب مثلا باحدى الدراسات الغربية صدرت عن شركة يترأسها مستشار سابق لوزير نفطي خليجي ترى ان سعر البرميل لا يجب ان يزيد على 11 دولارا. وقال ان البعض انساق وراء هذا الكلام، وهناك من يرى ان السعر لا يجب ان يزيد على 15 دولارا لأننا لو رفعنا السعر فسيبحث الغرب عن مصادر بديلة للطاقة. وهذا كلام عار من الصحة، فالغرب يعلم ان البترول سينضب عاجلا أم آجلا وينفق كثيرا على هذه البدائل أيا كان سعر البترول وسيظل ينفق على هذه الدراسات وبالتالي لا يجب ان ننساق وراء الدعاوى بتخفيض السعر. وضرب مثلا على هذا بأن الولايات المتحدة قد استفادت 20 مليار دولار عام 1998 حينما انخفضت الاسعار، وفي المقابل خسرت دول اوبك 56 مليار دولار، وهذه الدول تصدر نصف صادرات النفط العالمي. واذا اضفنا اليها النصف الآخر المنتج له لوجدنا ان الدول النامية المصدرة للنفط قد خرجت خسرت 110 مليارات دولار دخلت جيوب الغرب، ولم يتحدث احد في هذا الوقت عكس ما حدث حينما ارتفعت الاسعار عام 2000. منظمة التجارة .. والنفط وقال الدكتور حسين عبدالله ان هناك خطرين يهددان مستقبل النفط العربي هما قواعد اتفاقيات منظمة التجارة العالمية التي انضمت اليها كل دول الخليج عدا عمان والسعودية، ثم المخاطر القادمة من بروتوكول كيوتو، ثم هناك خطر ثالث يهددنا وهو ان احدى المحاكم الامريكية قد أصدرت قرارا خلال الفترة الماضية يبيح مقاضاة الدول الاعضاء في أوبك أمام المحاكم الامريكية بتهمة مخالفة قوانين مكافحة الاحتكار، وبناء على هذا القرار فمن الممكن ان يطلب رئيس دولة بترولية للامتثال أمام المحكمة لأنه خالف القانون الامريكي. وفيما يتعلق بالنفط ومنظمة التجارة العالمية نجد ان الخطورة تنبع من ان قواعد هذه الاتفاقية العالمية تمنع أي قيد كمي على التجارة والخطورة هنا ان القواعد الحالية ملزمة للدول الاعضاء بها عكس «جات 47» التي كانت تسمح للدولة ان تختار أمورا وترفض اخرى لكن الجات الحالية تلتزم بجميع قواعد الدول التي تنضم اليها. وقد حاولت امريكا مرارا ان تفرض قيدا علينا بحيث لا يصح ان تفرض الدول المنتجة أي قيد على التصدير بمعنى ألا تحدد هذه الدول سقفا للانتاج أو حصة له ويترك البترول حرا تبيعه كل دولة كما تريد ويجيء هذا من منطق ادراكهم التام بأن هذه السلعة اذا تركت حرة ـ كما يريدون ـ ستنهار.. لكن ما هو مؤكد ان البترول لا تصلح المنافسة فيه فهو مخزن من الممكن ان أتحكم في الكميات التي استخرجها منه. وقال خبير النفط العربي ان الجات وجدت ليكتمل الثالوث الذي يطبق على الدول النامية «الجات وصندوق النقد والبنك الدوليين»، وخطورة الجات انه ستكون هناك عقوبات تنفذ على كل من لا يلتزم بها من الدول الاعضاء. وفيما يتعلق بمصدر الخطر الثاني فهو اتفاقية كيوتو وهي اتفاقية دولية متى تم التصديق عليها وصارت نافذة فإن الدول الاعضاء بها ستكون ملتزمة بتخفيض منبعثات ثاني أكسيد الكربون في الجو بحيث يصل عام 2010 الى مستوياته في 1990 وهذا سينعكس على صادراتنا من البترول من 25 الى 30 مليون برميل يوميا، وبالتالي ستنخفض الايرادات. القرار السياسي .. والنفط وفي رده على تساؤل عن دور النفط في القرار السياسي العربي في المرحلة الراهنة قال الدكتور حسين عبدالله ان السؤال يجب ان يعكس دور القرار السياسي في دور النفط، وأكد ان السياسة العربية هي التي يجب ان تحدد السياسة النفطية سعرا وانتاجا وهذا ما حدث بالفعل في اكتوبر 1973، فقبلها كنا نتفاوض مع الشركات الدولية لرفعه 45 سنتا ولم يحدث بل حدثت اهانة حينما ذهب مندوبو أوبك للتفاوض مع تلك الشركات فوجدوا ان وفودها ممثلة في صغار موظفين لا يملكون صلاحية اتخاذ القرار. وحينما انتصر العرب استردوا كرامتهم وكسروا هذه المهانة وتقرر لأول مرة خلال الأيام نفسها ان حددنا السعر والانتاج وشهدت الفترة من 1983 حتى 1985قمة القرار السيايس الذي يحدد السياسة النفطية.. وتساءل لماذا هبطت الاسعار قبل عام 1999؟ وقال لأن الغرب يعلم ان القرار السياسي العربي «مهلهل». واضاف لو كان بيننا تنسيق كاف لما جرؤ احد في الغرب على ان يتدخل ويطلب منا ان نزيد الانتاج. وفي رده على سؤال عن خطر التكنولوجيا على صادراتنا النفطية واسعارها قال انه لا يمكن ان نوقف طريق التكنولوجيا فهم ينفقون المليارات عليها وفي المقابل كم ينفق العرب على البحث العلمي؟ وليس صحيحا انها ستلغي دور البترول فإذا فرض ان مخزون البترول يكفينا لمدة 40 سنة فلماذا لا نجعلها 100 سنة بترشيد الانتاج او نحتفظ به للاجيال القادمة فربما وقتها لا نسطتيع شراء التكنولوجيا وحينها يكون لدينا مصدر طاقة. وطالب بعدم تبديد البترول حاليا بأسعار تصل الى 5 دولارات قياسا بأسعار 1973، متسائلا ما هي الحاجة الضرورية التي تستدعي من استخراجه ووضع امواله في الخارج تتآكل مع التضخم؟ واضاف ان التكنولوجيا لا يجب ان تخيفنا فالدراسات تشير الى انه من الان وحتى عام 2020 سيزداد الاستهلاك العالمي للطاقة بمعدل 2% سنويا وسيزداد الطلب على البترول بمعدل 1.8% وعلى الغاز الطبيعي بمقدار 3.3% وعلى الفحم بنسبة 1.7% بينما سينخفض على الطاقة النووية لمخاطرها. ولاتتوقع هذه الدراسات ان يزداد نصيب الطاقة المتجددة (كالمياه والشمس والهواء) في مجمل الطاقة العالمية وستبقى كما هي الآن 8%. واضاف ان البترول يمثل حاليا 40% من مصادر الطاقة ويمثل الغاز الطبيعي 22% سترتفع الى 28% عام 2020 لزيادة الطلب عليه. كما دعا الى تجنيد نخبة من العلماء لاجراء ابحاث تتعلق بالبترول لان قواعد الجات كلها متاهات ويفسرها الغرب حسب اهوائه ودعا ايضا دول الخليج بالتنسيق في سياساتها البترولية لان ثلثي البترول العالمي في يدها. وذكر ان الدراسات تؤكد ان هناك 6 دول في العالم هي التي سيكون لديها امكانيات تزويد انتاجها في المستقبل 5 دول منها في المنطقة هي السعودية والامارات والكويت والعراق وايران ومعهم فنزويلا وستصل ايرادات الدول الصناعية من البترول الخليجي الى 75% من اجمالي وارداتها من انحاء العالم.. اي ان شريان حياتها هنا وبالتالي من الممكن ان يمارسوا الضغط علينا لزيادة الانتاج وهو بالطبع ضد مصالحنا ويجب ان نعي الى ان الاحتياطيات الكبيرة لا تعني ان بامكاننا زيادة الانتاج، كما نريد فلكل حقل بترولي مواصفات هندسية وطاقة انتاجية معينة لا يمكن تجاوزها وإلا حدث ضرر للحقل وحسب معامل الاستخلاص لا يمكن ان نستخرج كل البترول الموجود في باطن الارض ويأتي وقت يجب التوقف معه عن الانتاج حينما نجد ان تكلفة استخراج البرميل اعلى من قيمته في السوق وهذا المعامل يتراوح ما بين 30 و40% من كمية النفط في باطن الارض. واكد الدكتور حسين عبدالله ان دولة الامارات قد حققت تجربة جيدة في تنويع مصادر الدخل وتعد من افضل الدول النفطية في هذا المجال ادراكا منها لمستقبل النفط وتقلباته وحفاظا على الرغبة في تأمين حياة كريمة للاجيال القادمة مشيرا الى ان الصناعة والتجارة والسياحة تسهم بدور كبير في ايرادات الدولة حاليا.