لم تعد أوبك تركز الان على حصص الانتاج.. فالاهتمام الأول بات متجهاً الى الاسعار. وتنظر المنظمة الى سقف انتاجها من تلك الزاوية وحدها، اي من زاوية الاسعار، فإن احتاج تثبيت الاسعار الى خفض الانتاج أو الى زيادة فإن المنظمة تتخذ القرار المناسب بمرونة وبتماسك داخلي يثير الان دهشة الجميع، حتى ألد خصوم اوبك «التاريخية». وتبدو هذه الزاوية أقرب الى العقل، فما معنى ان ينتج المصدرون أكثر ليبيعوا بسعر أقل؟ تقتضي المصلحة تجنب التفريط في ثرواتنا النفطية بسعر بخس أو بضخ كميات كبيرة بلا عائد مالي يذكر. وفي كل الاحوال فإن هذا المدخل ادى الى ان تمحورت حركة الجميع حول النقطة التي كان يجب ان تتمحور حولها منذ البدء: الحفاظ على الاسعار. ولكن هل تنجح اوبك في الحفاظ على الاسعار خلال ما بقي من هذا العام؟ المنظمة ليست اللاعب الوحيد في تحديد مسار الاسعار بطبيعة الحال. ثمة خارطة معقدة حقاً تتحكم في مسار هذه الاسعار، وعلى الرغم من ان اوبك هي «اثقل» العناصر تأثيراً على هذا المسار، إلا انها ليست العنصر الوحيد. فما هي هذه العناصر الاخرى؟ وهل ترجح كفة ارتفاع الاسعار فيما بقي من هذا العام؟ ام انها تضغط في اتجاه دفعها للانخفاض؟ تتسم مهمة وضع توقعات لأسعار النفط بعنصر مخاطرة واضحة، ذلك ان هناك ظواهر خارجية تماماً، اي لاتتصل بمؤشرات السوق المعتادة، تؤثر في حركة تلك الاسعار، مثل الحوادث والظروف الجوية والاحداث السياسية والجيوسياسية التي تتضمن جميعاً احتمالات بمسارات لايمكن التكهن بها مسبقاً لانها لاتخضع لنمط محدد معروف وقابل للتوقع. واذا تركنا هذه الظواهر الخارجية جانباً فسوف نجد ان بوسعنا تحديد عنصرين يؤثران على الاسعار خلال العام الجاري، وهذان العنصران هما: ـ التوازن بين العرض والطلب. ـ التغيرات في حجم الاحتياطي النفطي العالمي. ـ على الرغم من ان الجميع الان، الدول المنتجة والدول المستوردة والشركات الكبرى والصغرى تريد استقرار الاسعار، أو تحركها في اتجاه ينحو الى الارتفاع الطفيف والتدريجي، فإن كثيراً من الخبراء يتفقون على انه من الصعب تحقيق استقرار كامل للاسعار عن طريق التحكم في التوازن بين العرض والطلب. ففي أحسن الاحوال، وبالنظر الى اوضاع السوق الحالية، فان من المحتمل الوصول فحسب الى موقف يمكن ان يسمى متزناً من الوجهة الكلية (ماكرو) وغير متزن من الوجهة التفصيلية (ميكرو). بعبارة اخرى يمكن الحفاظ على تغير الاسعار داخل نطاق متسع نسبياً. وهذا النطاق الذي يحظى بقول عام تحدد بين 22 و28 دولاراً للبرميل الواحد من خامات اوبك. ويرجع السبب في عدم القدرة على الوصول الى نتيجة ادق من هذا الى أسباب متعددة منها ان شركات النفط تعمل الان وفق منطق «اللحظة الاخيرة»، اي دون التحسب مسبقاً لاوضاع السوق في فترات لاحقة، وذلك بسبب رغبتها في خفض التكاليف المترتبة على الحفاظ على الاحتياطي الذي يتأثر سلباً بالتقلب في الأسعار أو بميلها نحو الانخفاض ولو بنسبة طفيفة. ويتسبب منطق اللحظة الأخيرة هذا في زيادة تقلب تلك الاسعار، اي تعميق آثار هذا المنطق بصورة ذاتية ان جاز التعبير، اذ ان الخوف من تقلب الاسعار يحول دون الاعتماد على الاحتياطي ـ الذي يصبح مكلفاً ـ تثبيتها، مما يزيد من تقلبها. من جهة اخرى فإن اجراءات الجهات المعنية لمواجهة تقلبات الأسعار تستغرق وقتاً ـ بحكم طبيعتها ـ قبل ان تؤدي الى النتائج المطلوبة، وذلك في حين ان حركة السوق لاتتوقف، فضلاً ان ردة فعل السوق لتقلب اي مؤشر أساسي تكون فورية على خلاف نتائج العلاج الذي يستخدم لمواجهة تقلب هذا المؤشر. ولو أخذنا مثلاً بسيطاً على ذلك. ففي مواجهة ارتفاع الاسعار اتخذت اوبك في مارس 2000 قراراً بزيادة الانتاج بمقدار 1.7 مليون برميل يومياً. ومضت اسابيع عديدة قبل ان يوضع القرار موضع التنفيذ من الناحية العملية، ونظراً لان النتيجة العملية للقرار، اي الانتاج الاضافي الذي اقرته اوبك، لم يصل الى المصافي إلا بعد 60 يوماً من قرار المنظمة، فان الاسعار عادت الى الصعود خلال تلك الفترة رغم انها كانت قد انخفضت 5 دولارات للبرميل فور وصول أنباء اتفاق اوبك على زيادة الانتاج الى السوق.. ان ما حدث كان مثالاً نموذجياً، فقد انخفضت الاسعار ساعة وصول نبأ القرار الى السوق، وحين لم يصل الانتاج الاضافي عاودت الاسعار ارتفاعها، وبعد وصول الانتاج الاضافي ببضعة اسابيع عادت مرة اخرى الى الهبوط تدريجياً. ويبرهن هذا على ان حركة الاسعار ـ بصفة عامة ـ لاتتبع على اي نمو فوري قرارات الاطراف المعنية أو اجراءاتها للتحكم في هذه الحركة. ويجب هنا اضافة بعد آخر لمسألة البطء الزمني المفهوم الذي يسم اجراءات الاطراف المعنية. ففي المثال الذي اوردناه كان لدى الدول المنتجة طاقة انتاجية جاهزة للضخ وغير مستخدمة، وكان لدى بعضها احتياطي عائم، وتجهيزات لتحميل الناقلات وبنية تحتية قادرة على تجهيز الزيادة في الانتاج كي تصل الى الأسواق. فاذا جاءت لحظة يتحتم فيها زيادة الانتاج فيما لاتتوفر هذه العناصر أو بعضها فان التحضير العملي لضخ المزيد من النفط الى الأسواق سوف يستغرق شهوراً، أو ربما سنوات. فضلاً عن هذا كله فإن الطلب هو عنصر موسمي بطبيعته، وهو أمر يسهم بدوره في عدم استقرار السوق. وحتى اذا ادرجنا الاحتياطي في حساباتنا فإن الطلب على المنتجات البترولية المكررة ـ ومن ثم على النفط ـ يظل موسمياً، اي يظل خاضعاً لتباين المواسم ومن ثم تباين الطلب على منتجات معينة. فالناس يقودون سياراتهم أكثر خلال الصيف وهم يحتاجون الى التدفئة في الشتاء أكثر بطبيعة الحال من الصيف. وهكذا، والمقصود هنا هو المستهلك في البلدان المستوردة الرئيسية، ذلك ان نصف الكرة الشمالي هو الأكثر استهلاكاً للنفط بما لايقاس بمعدلات الاستهلاك الفردي في نصفها الجنوبي. ويعني ذلك ـ من زاوية اخرى ـ ان منتجات معينة ستكون مطلوبة في موسم معين أكثر من اي موسم آخر. فالنفط الخفيف الذي يحتوي على نسبة كبريت منخفضة والذي يستخدم لانتاج وقود السيارات يكون مطلوباً في الصيف، والنفط الثقيل الذي يشكل اساس زيوت التدفئة يكون مطلوباً في الشتاء. ووجود هذا العنصر الموسمي في تحديد خريطة الطلب، ثم اضافة التعقيد المتعلق بنوع المنتج المطلوب في كل موسم على حدة يجعل من استقرار الاسعار ـ الذي يتأسس بطبيعته على حسبة التوازن بين العرض والطلب ـ امراً أكثر صعوبة. وتزداد هذه الصعوبة بصورة ملموسة اذا ادرجنا في اعتبارنا تأثير التشريعات المتعلقة بحماية البيئة، وهو امر لايمنحه كثيرون الوزن الذي يستحق في هذا السياق، فمع تشديد هذه التشريعات يتحول تشريع هيكل الطلب ليظهر تزايد الطلب على المشتقات النفطية ذات النوعية الخاصة ومن ثم تزايد الطلب على النفط الخام ذي الجودة المرتفعة. ولابد لهذا التحول التدريجي في نمط الطلب من ان يؤثر على استقرار الاسعار. لقد اوضحت حركة الاسعار في العام 2000 تأثير هذا العنصر على نحو لم يتضح بهذا الجلاء من قبل. كل هذه العناصر مجتمعة تجعل من وضع توقع متماسك وثابت للطلب، اي تجعل من وجود ضمانات لثبات الاسعار امراً صعباً.. فما هي اذن العوامل المقابلة والتي تساعد على استقرار الاسعار؟ اي ما هي محتويات الكفة الاخرى من ميزان التأثير على الاسعار؟ هناك في حقيقة الامر عدد من العوامل التي تدعم هذه الكفة ايضاً.. اي انها ـ في كلمتين ـ ليس كفة خاوية. فهناك مثلاً توقعات معدلات الطلب والتي تشير في اغلبها الى اننا سنشهد نمواً معتدلاً في الدول الصناعية الاساسية خلال العامين 2001 و2002 في الطلب على النفط الخام. ويرجع ذلك جزئياً على الاقل الى الزيادة النسبية في سعر الخام بالمقارنة مع مستويات 1998. وتتوقع وكالة الطاقة العالمية ان الطلب على النفط سوف يزداد خلال العام 2001 بنسبة 2.5% الا ان كثيرين ـ حتى داخل الوكالة نفسها ـ يعتقدون ان هذه النسبة اعلى مما سيحدث بالفعل، إلا لو كانت الدول الصناعية تنوي ان تزيد احتياطياتها بصورة كبيرة. وواقع الحال ان الطلب على الطاقة بالذات يختلف في تحليله عن انماط التحليلات المتعلقة بالطلب على السلع الشائعة الاخرى. فنسبة المرونة في الطلب ـ اذا ما ربطناه بالأسعار ـ اقل في حالة النفط منها في حالات السلع الاخرى.. اننا لانشهد انخفاضاً حاداً في الطلب على الطاقة مع ارتفاع اسعارها لان هناك حداً ما ـ يسمى اقتصادياً حد القبول ـ يحول دون وجود هامش واسع للمرونة في الطلب. ومع الارتفاع الكبير في الاسعار ـ نسبيا ايضا ـ على نحو ما شهدنا في صيف العام الماضي فإن حركة الطلب عبرت هذا الحد بدرجة ما. فقد لاحظنا ان المستهلكين في دول اوروبا الغربية والولايات المتحدة بدأوا يغيرون من عاداتهم في استهلاك الطاقة الى حد ما، ولاحظنا ايضا ان حكومات الدول المستوردة اعادت انعاش سياسات الحد من استهلاك الطاقة. ومع حدوث قدر من التضخم بدأ النمو يتراجع على نحو ملحوظ. ويتضح هذا بصورة جلية في حالة الولايات المتحدة. فقد كان الشتاء ـ على وجه العموم ـ معتدلا، وكانت معدلات النمو الاقتصادية تدخل مرحلة من التباطؤ الملحوظ. وقد جعل هذا من معدلات زيادة الطلب امرا قابلا للضبط، بل وللتوقع من حيث الاتجاه العام. وهناك ايضا نجاح اوبك في تكوين جبهة متماسكة للدفاع عن الاسعار وتطبيق الدول الاعضاء للحصص التي تم الاتفاق عليها. لقد اسهم هذا العنصر الى حد كبير في دعم كفة العناصر التي تصب في قناة ثبات الاسعار، فضلا عن انه كان بطبيعة الحال انتصارا كبيرا للمنظمة. فقد نجحت اوضاع 1998 في بلورة هذه الجبهة المتماسكة مما ادى الى تحقيق الهدف الذي ارادت المنظمة تحقيقه، اي رفع الاسعار نسبيا. ولو تمكنت اوبك من الحفاظ على تماسكها الداخلي والابقاء على الأسعار ضمن مدى 22 الى 28 دولارا للبرميل فإن ذلك سيعد بحق انجازا حاسما من زاوية ضمان الاستقرار النسبي للسوق، فضلا عن مغزاه من الزوايا السياسية والاقتصادية التي لا تخفى على أحد. وهناك عنصر آخر يجب اضافته ايضا الى كفة العناصر التي تدعم ثبات الاسعار، ذلك هو عنصر الانفاق الرأسمالي على الاستكشاف والانتاج في الدول غير الاعضاء في منظمة أوبك. لقد شهد عاما 1997 و1998 استثمارات رأسمالية كثيفة في هذا القطاع، ويعني ذلك اننا على وشك ان نرى الآن ثمار هذه الاستثمارات، أي اننا سنرى نموا في انتاج الدول غير الاعضاء في أوبك بعد سنوات من ثبات ارقام هذا الانتاج، بلا زيادة أو نقصان. وواقع الحال إننا بدأنا بالفعل نرى ثمار الاستثمارات التي وظفتها الشركات الكبيرة في خليج المكسيك، وسوف نرى في النصف الثاني من هذا العام بواكير انتاج الحقول العملاقة التي تم اكتشافها تحت أعماق مائية كبيرة بالقرب من ساحل غرب افريقيا، ولابد من ان تؤدي هذه الزيادة في الطاقة الانتاجية للدول غير الأعضاء في أوبك الى قدر من ثبات الاسعار بما تتيحه لأوبك من هامش واسع للتحرك فيما يخفي جانبا قلما تتناوله تلك التحليلات ذلك هو ان ارتفاع الاسعار في العام 2000 لم يكن ناجما عن شح النفط الخام، بل كان ناجما عن شح المنتجات المكررة، خصوصا في الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي أدى الى ارتفاع أسعار الخام كما رأينا بالفعل. والآن يبدو ان ارتفاع الاسعار هذا كانت له نتائج ايجابية بالنسبة لصناعة النفط على وجه الاجمال، أبرز هذه النتائج هو معدلات الزيادة في الطلب تراجعت قليلا، فضلا عن ان دول أوبك سوف تستفيد من هذه الزيادة بضخ المزيد من الاستثمارات الرأسمالية في قطاعها النفطي لرفع طاقتها الانتاجية