لقد تناولنا في الحلقات الماضية واقع التجزئة الاقتصادية من خلال تشخيصنا للاشكاليات التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، ومظاهر التجزئة الاقتصادية والاثار والانعكاسات ترتبت على تلك التجزئة، وفي ضوء ذلك نصل الى تحديد المعالجة المناسبة لتلك التجزئة كي لاتشكل معضلة اقتصادية تتنامى مع مرور السنين وتشكل عقبة اساسية تحول دون تطور الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية الاقتصادية في الدولة. وبداية العلاج لهذه الاشكالية الحقيقية هي القناعة التامة من قبل المعنيين بالقرار الاقتصادي بأن الاقتصاد الوطني يعاني من ضعف في بنيته الانتاجية بفعل التحديات والمشاكل التي تشكل عقبة امام تنميته وتطوره وان تلك التحديات منها الداخلية ومنها الخارجية. ولعل التجزئة الاقتصادية هي اهم تلك التحديات الداخلية، ثم يجب ان تكون هناك قناعة تامة ايضا وبعيدا عن التضليل الاعلامي والتطبيل بأن علاج تلك المشاكل وتجاوز تلك التحديات لا يأتي إلا من خلال تقديم تنازلات من قبل السلطات المحلية في كل امارة للوصول الى نقاط التعاون والتكامل الفعلي، وان تحقيق اي تنمية اقتصادية على صعيد الامارة الواحدة لا يمكن ان تتم دون الوصول الى صيغة التعامل والتكامل التي يجب ان تكون لها ترجمة حقيقية في ميدان العمل الاقتصادي وتتمثل تلك الترجمة من خلال خطوات جادة وحقيقية هي كالتالي. أولا: اهمية وجود استراتيجية للتنمية الاقتصادية على مستوى الدولة وتحدد هذه الاستراتيجية اطار العمل الاقتصادي الوطني وتفعل من مختلف القطاعات الاقتصادية لزيادة مساهمتها في الناتج املحلي الاجمالي للدولة، ولابد من وجود المساهمة المادية والمعنوية في تمويل تلك الاستراتيجية من قبل كافة الامارات المكونة لدولة الاتحاد كما ولابد وان يتم اختيار الآليات والسبل المناسبة لتنفيذ تلك الاستراتيجية سواء البشرية منها او المادية وبالتالي فإن وجود استراتيجية واحدة تحتوي على الاهداف والآليات هي خطوة اساسية مهمة نحو تجاوز العقبات الرئيسية في مسيرة التنمية الاقتصادية، هذا مع الاشارة هنا الى ان وجود هذه الاستراتيجية لا يلغي وجود خطط واستراتيجيات على مستوى الامارة الواحدة وذلك وفقا للخصوصية الاقتصادية لكل امارة، وكذلك نظرا لما نص عليه دستور الدولة عندما اعطى كل امارة حق ادارة شئونها الداخلية والمالية ولكن وجود تلك الخطط والاستراتيجيات شروط بانسجام واتساق تلك الخطط مع الخطة العامة او الاستراتيجية العامة للدولة، وذلك للحيلولة دون حدوث تضارب او تعارض في الاهداف أو الآليات عند التنفيذ. ثانيا: اهمية وجود قوانين وتشريعات اقتصادية على مستوى الدولة ذات نفاذ واخضاع كافة الانظمة والقرارات المحلية ذات العلاقة بالشأن الاقتصادي لتلك القوانين والتشريعات الصادرة من مؤسسات الدولة الاتحادية، واذا كان الدستور قد اعطى السلطات المحلية احقية اصدار قوانين وانظمة لتنظيم شئونها الداخلية فإن ذلك لا يعني ان تكون ذات نفاذ فيما يتم تعطيل قوانين اتحادية او تغليب الانظمة المحلية على القوانين والتشريعات الاتحادية؟!! ثالثا: ان انفتاح الامارات على العالم والالتزام بالحرية الاقتصادية لا يعطي كل امارة احقية ابرام اتفاقيات اقتصادية وتجارية مع حكومات ودول اخرى نظرا لما يعنيه ذلك من تسهيل لاختراقات اجنبية وفتح ثغرات غير قانونية في الاقتصاد الوطني يتم استغلالها من قبل الاجانب في الاضرار بالاقتصاد وبسمعة الدولة، ومن هنا فإن الحد من التجزئة الاقتصادية تفرض على كل امارة عدم ابرام اتفاقيات ايا كان مضمونها او اهدافها دون الرجوع الى المؤسسات الاتحادية. ولعل وجود مناطق حرة في كل امارة والتنافس فيما بين الامارات على المضاربة في منح التسهيلات يشكل اضرارا مباشرة بالاقتصاد وبالسمعة الاقتصادية للدولة امام العالم، كما يجب اخذ كافة الاحتياطيات من قبل امارات الدولة عند التعامل مع الاستثمارات الاجنبية وعدم ابرام الاتفاقيات مالم تكن هناك موافقة من قبل السلطات الاتحادية، ولعل من اشكال التجاوزات التي تحدث التنافس في منح الرخص والتسهيلات سواء في المناطق الحرة، او الاسواق التجارية المحلية، او المطارات والموانيء والتي تعتبر منافذ تجارية لاسواق الامارات. رابعا: يجب ومن منطلق رؤيتنا الاقتصادية تذويب كافة المعوقات القانونية والتنظيمية والاجراءات المعلنة وغير المعلنة والتي توجدها بعض الامارات امام حركة رأس المال الوطني والايدي العاملة المواطنة، اذ تشكل تلك المعوقات والاجراءات اشد اشكال التجزئة الاقتصادية التي تحول دون تحقيق التكامل والتعامل الحقيقي بين امارات الدولة وتعزيز بنية الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية الاقتصادية المفترضة. خامسا: يجب الغاء او معالجة التشوهات الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني والتي قد تعرض الاقتصاد لازمات اقتصادية وذلك من خلال تغليب الدور الاتحادي على الدور المحلي وتفعيل دور المؤسسات الاقتصادية الاتحادية ولاسيما وزارة الاقتصاد والتجارة ووزارة التخطيط، مع اهمية التنسيق بين تلك المؤسسات مع الدوائر الاقتصادية والمحلية في المشاريع الاقتصادية وذلك لضمان عدم حدوث ازدواجية في المشاريع وعدم تكبد المشاريع القائمة لخسائر تؤثر على المناخ الاستثماري والاقتصادي بالدولة ومن اجل الوصول الى اقتصاد وطني قوي. يستطيع ان يحقق حضوره في الساحة الاقتصادية العالمية ويحقق الاستقرار لابناء الدولة. سادسا: اهمية انشاء مجلس اعلى للتنمية الاقتصادية تشارك فيه كافة امارات الدولة من خلال مؤسساتها الاقتصادية (ممثلين لها)، ثم ممثلين للمؤسسات الاقتصادية الاتحادية بحيث يمنح هذا المجلس صلاحيات عريضة ويكون معنيا وبشكل مباشر عن وضع الخطط التنموية والاستراتيجيات الاقتصادية على مستوى الدولة ويعتمد التمويل اللازم للمشاريع الاقتصادية الاتحادية ويخول بالموافقة على الخطط والاستراتيجيات التنموية على صعيد كل امارة، ثم دراسة مشاريع الاتفاقيات الاقتصادية التي تبرمها الدولة مع دول ومنظمات عالمية، وكذلك يكون مسئولا عن دعم فرص الاستثمار والمشاريع الاقتصادية ذات الجدوى الاقتصادية، وكذلك تحديد الفرص المسموح لرأس المال الاجنبي من الاستفادة منها مع قيامه بتحديد مجالات الاستثمار الاجنبي والضوابط اللازمة عند توسع رأس المال الاجنبي.. ثم يقوم هذا المجلس بدراسة ومعالجة التشوهات الاقتصادية التي افرزتها سنوات العمل الاقتصادي خلال السنوات الماضية، وتحديد آفاق المستقبل الاقتصادي للدولة بعد تذليل كافة المعوقات التي تعترض مسيرة الاقتصاد ودراسة كافة التحديات الخارجية الاقتصادية المحققة لاهداف الاقتصاد ان الامارات تعاني من تحديات كبيرة في مختلف المسارات او المجالات، وان العمل الوطني يجب ان يكون على صعيد الدولة الاتحادية ويجب على كافة السلطات المحلية دعم مسيرة العمل الاقتصادي على مستوى الدولة وبدون، ذلك الدعم فإن الاقتصاد الوطني سوف يعاني من اشكاليات خطيرة، وتحديات كبيرة تهز الاوضاع الاقتصادية وتنعكس على مختلف الاوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية خاصة واننا نواجه معطيات كبيرة ومتغيرات شديدة سوف يكون لها انعكاسات سلبية واضحة على اقتصاديات الدول الصغيرة ولاسيما الاقتصاديات الناشئة كاقتصاد الامارات.. اننا نقرع الناقوس فهل من آذان صاغية!!