رفض رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد ان يتجرع اقتصاده وصفات صندوق النقد الدولي وانكب يعد وصفات «شغل البيت»، على الرغم من التشكيك بقدراته وبالرغم من الضغط الدولي الكبير الذي مورس عليه للارتماء باحضان صندوق النقد، واخذ هذا الضغط اشكالاً عدة كان اسوأها وأشدها خطورة الاضطرابات السياسية الداخلية ومحاولات التقسيم الداخلي والذرائع للتدخلات الاجنبية في قضية مساعده أنور ابراهيم تحت العنوان الشهير الذي اصبح الذريعة الرئيسية للتدخل في الشئون الداخليبة لأي بلد كان الا وهو «حقوق الانسان». ولكن اين حقوق الإنسان مما كان سيحل بالشعب الماليزي لو قبل مهاتير بشروط لا ترقى إلى حقوق الحيوان حتى، فقد كان مطلوباً من مهاتير ان يشرع أبواب اقتصاده على مصراعيها حتى تعيث به الاستثمارات الخارجية المباشرة والودائع التي تدخل ماليزيا ساعة تشاء وتخرج منها في لمح البصر لتترك وراءها دماراً اقتصادياً رهيباً، وان يترك العملة الماليزية «الرنجت» تحت رحمة ارتباطها بالدولار الامريكي واهواء المضاربين الدوليين، كان مطلوباً من مهاتير ايضاً ان يقف موقف المتفرج من البنوك والشركات الماليزية الكبيرة وهي تتساقط واحدة تلو الاخرى دون ان يسمح له بمد يد العون لها سواء عن طريق اقراضها او اعادة جدولة ديونها، كان مطلوباً منه ان يقوم بما يصطلح عليه مجازاً «اصلاحات سياسية» تضع رقبة بلاده واقتصادها في قبضة صندوق النقد الدولي ومن يقف وراءه واهم ما كان مطلوباً منه ان يفعله هو رفع الدعم عن كافة المواد الاستهلاكية الاساسية اي بمعنى اخر ان يترك رجل الشارع الماليزي يموت جوعاً، لينطلق بعدها بمظاهرات عفوية للمطالبة برغيف خبز اولاً ومن ثم باسقاط نظام الحكم تالياً، وما الاضطرابات السياسية والشعبية والاقتصادية التي تشهدها اندونيسيا اليوم سوى أكبر دليل على نتائج الخنوع لمثل هذه الشروط. ظلت دول جنوب شرق آسيا تبني اقتصادياتها طوال 40 عاماً وحققت فيها نجاحاً، ثم في شهرين فقط، تحولت إلى دول فقيرة بانخفاض قيمة عملاتها. وأدى انهيار الثقة في اقتصاديات النمور الاسيوية إلى أكبر أزمة اقتصادية في السنوات الأخيرة وتأثرت بها 13 دولة جنوب وجنوب شرق آسيوية منها ماليزيا. الأزمة في ماليزيا بدأت ماليزيا تتأثر بالأزمة الاقتصادية في يوليو عام 1997 حيث تدهورت البورصة وانخفضت قيمة العملة المحلية بنسبة 50% خلال أشهر مثل بقية النمور الآسيوية. وساهمت الشركات المحلية في الأزمة باستبدال العملة المحلية بعملات اخرى أكثر استقراراً مما زاد من انخفاض قيمة العملة المحلية غير ان هناك عوامل اخرى ساهمت في الأزمة مثل انخفاض الطلب على البترول والمعدات الكهربائية وهي صادرات ماليزيا الرئيسية. اجمالي الناتج المحلي شهد اجمالي الناتج المحلي الماليزي نمواً كبيراً ربما يفوق قدرته على التحمل لكن فجوة الانتاج في الفترة من عام 94 حتى 1996 فاقت معدل نمو اجمالي الناتج المحلي، حيث سجل نمواً بين 10.9%. لكن اتساع فجوة الانتاج ولدت صغوطاً على الأسعار «رفع الأسعار» خاصة ارتفاع الاجور بدرجة أعلى من عائدات الانتاج. وانخفض اجمالي الناتج المحلي عام 1997 إلى 7.5% مقارنة بنسبة 10% خلال العام السابق له، وبلغ الانخفاض في النصف الثاني من نفس العام إلى 7.5% بالسالب. غير ان اجمالي الناتج المحلي عاد إلى النمو بنسبة 5.4% في عام 1999 بسبب الاجراءات التي اتخذتها الحكومة لعلاج آثار الأزمة الاقتصادية. الديون المعدومة لقد شهدت ماليزيا خروج كميات كبيرة من النقد في عام 1997 بسبب الأزمة الاقتصادية، وبالتالي انخفضت أسعار الاسهم بنسبة 65% نتيجة لانسحاب الاستثمارات الأجنبية فيها، وأدى ذلك إلى فقدان كبير في الثروة. وبلغ معدل نمو القروض المعدومة من 92 إلى 1995 نسبة 26.3% مقابل 29% عام 1995، ثم ارتفعت النسبة إلى 30% عام 1997. القروض غير المستخدمة تسبب بطء النمو في الا تستطيع كثير من الشركات في استثمار القروض التي تحصل عليها، وبالتالي لا تستطيع السداد، مما اثر سلباً على استقرار النظام المالي في البلاد. وبلغ معدل نمو الديون غير المستخدمة 11.45% في عام 1998، مقابل 1.87% في مارس 1997 ثم ارتفع إلى 10.50% في اكتوبر 1998. البطالة يرجع انخفاض نصيب الفرد من اجمالي الناتج المحلي إلى فقدان الوظائف وفرص العمل بسبب تزايد معدلات افلاس الشركات. وكان هذا المعدل في انخفاض من 1990 حتى 1997 حتى انخفض من 5.1% عام 1990 ليصل إلى 2.6% عام 1997. لكنه عاد وارتفع مرة اخرى إلى 5.3% عام 1998، أي ضعف المعدل في العام السابق له. معدل التضخم بلغ مؤشر أسعار المستهلكين 5.3% عام 1998، أي ضعف ما كان عليه عام 1997 حيث كان 2.7%، لكن المعدل انخفض إلى 2.8% عام 1999، وساهم في هذا الانخفاض بضعة عوامل منها عودة الطلب المحلي للارتفاع وانخفاض تكلفة الانتاج وارتفاع قيمة العملة المحلية وانخفاض معدل التضخم لدى شركاء ماليزيا التجاريين. عجز الحساب الجاري من أهم العيوب في الاقتصاد الماليزي انخفاض كفاءة استغلال رأس المال. فهناك نسبة كبيرة من الاستثمارات توجه إلى المنتجات الرفاهية ذات القيمة المنخفضة، مثل بناء أعلى مبنى في كوالالمبور. ميزان المدفو عات يعكس الفائض الحالي في الحساب الجاري اتجاهاً نحو الفائض في ميزان المدفوعات، وبلغ هذا الفائض أكبر نسبة له عام 1998، وجاء ذلك بسبب انخفاض الواردات بنسبة 16% في ذاك العام، مقابل انخفاض الصادرات بنسبة 1.5% فقط. دين الحكومة لم ينعكس انخفاض العملة المحلية بشكل ايجابي على الديون الحكومية الخارجية. غير ان العجز المالي يتم تمويله من مصادر غير تضخمية تتمثل في الأساس في المدخرات المحلية وسندات الخزانة والأسهم الحكومية. وبلغ الدين الداخلي 84% من اجمالي الديون الحكومية خلال السنوات العشر الماضية. الانفاق خفضت الحكومة انفاقها بنسبة 2% في عام 1997، ثم بنسبة 18% عام 1998. الاستهلاك أدى تناقص الثقة لمدى المستهلكين وانخفاض قيمة الاصول المترتبة على ذلك إلى انخفاض معدل الاستهلاك في الفترة من 1993 حتى 1997 حتى شهد نمواً سلبياً بنسبة 9.3% عام 1998 مقابل 4.7% عام 1997، ثم ارتفع إلى 2.9% بالموجب عام 1999. الاستثمار انخفضت الاستثمارات عام 1998 بنسبة 58.8% عام 1998 وعادت لترتفع بنسبة 8.3% عام 1999، وساهم هذا الانخفاض في رفع تكلفة الاستثمارات. المميزات والدروس المستفادة من الفرص التي اتاحتها الأزمة الاقتصادية أمام ماليزيا مايلي: ـ أدى انخفاض العملة إلى رفع أرباح المصانع ـ توسعت الطاقة الانتاجية للمصانع لمواجهة ارتفاع الطلب الخارجي. ـ ارتفعت عائدات الصادرات ـ تحسن النظام المالي ـ تعزيز العلاقات التجارية مع دول جنوب شرق آسيا ـ اعادة النظر في التكاليف والانفاق ـ تعزيز الاعتماد على الطلب المحلي الدروس المستفادة ـ لا تستطيع ماليزيا ان تتحمل اعتماد الاقتصاد على القطاع المالي. ـ أهمية المنهج البنائي الجيد في ادارة الأزمات ـ ارتفاع مرونة الخيارات في السياسات المتبعة ـ بناء شبكة اقوى للضمان الاجتماعي ـ اصلاح الآليات للتحكم في التدفقات المالية قصيرة الأجل ـ هناك حاجة لمنهج عالمي لمراقبة التدفقات المالية عبر الحدود خاتمة قد تكون العولمة هي المبدأ الجديد في الاقتصاد العالمي، غير ان ارتفاع معدلات الانفتاح يحتاج إلى مستوى ملائم من الحكم والشفافية من جانب الدول التي تفيد من هذا النظام. وتحتاج الدول الآسيوية إلى اجراء اصلاحات ضرورية لمواجهة التحديات التي تواكب الفرص المتاحة في اطار العولمة، ولابد ان تشمل هذه الاصلاحات الجوانب السياسية والاقتصادية معاً. والمأمول ان تكون ماليزيا قد تعلمت هذه الدروس. ولابد من تزايد التكامل الاقتصادي بين الدول الآسيوية بما فيها اليابان. ولابد من بعض الاصلاحات أيضاً في النظام المالي العالمي.