الصناعة ـ كما يؤكد الخبراء ـ تعد من أهم القطاعات الاقتصادية في الوقت الحالي بما لها من دور فعال في عملية التنمية وبالتالي قياس قوة الاقتصاد الوطني في ظل خضم التطورات الاقتصادية العالمية، واتجاه الدولة الى دعم انتاجها المحلي وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد بما له من نتائج تؤدي الى عوائق تعوق عملية التنمية في المستقبل. إلا ان الخبراء يرون ضرورة رسم سياسة استراتيجية واضحة لدعم وحماية الصناعة الوطنية تحسباً لهذا المستقبل. «البيان» تفتح ملف «الصناعة الوطنية.. الواقع والتحديات» لترصد من خلاله رؤية الفعاليات الاقتصادية المختلفة لواقع النشاط الصناعي بالدولة وسبل النهوض به. أكد حميد بن علي العويس رئيس مجلس ادارة شركة دبي للمرطبات «بيبسي كولا» ان الصناعة الوطنية تعد أحد أهم مصادر الدخل مشيداً بسياسة حكومة دبي التي تركز على تنويع مصادر الدخل ودعم الانشطة الاقتصادية غير النفطية. ورغم تأكيده ان حكومة دبي لم تقصر ابداً في دعم القطاع الصناعي والمستثمرين فيه، إلا انه طالب الدوائر والجهات الحكومية ذات الصلة بمزيد من التعاون والغاء الروتين والبيروقراطية التي تدمر الاستثمار الصناعي. واتهم وزارة العمل تحديدا وبعض الجهات المحلية بإعاقة الاستثمار في القطاع الصناعي مؤكدا ان هذا الامر لا يرضي المسئولين ولايتماشى مع توجهاتهم وسياساتهم. وطالب العويس الحكومة بضرورة فرض رقابة صارمة على الاستثمارات الاجنبية في القطاع الصناعي بحيث تحقق هذه الاستثمارات مصلحة الامارات في المقام الأول ولا تتحول الى «مصدر للتلوث» وتتحول بيئتنا إلى مكان لمخلفات المصانع الخردة من جميع انحاء العالم. وأكد ان بعض الاجانب يستغلون طيبة ابناء الامارات استغلالا سيئا. كما يسيئون استغلال التسهيلات الممنوحة لهم ويستولون على اموال البنوك دون ان يقدموا شيئا مفيدا للبلد الامر الذي يتطلب ضرورة المراقبة من خلال هيئة مستقلة. وقال العويس ان المناطق الحرة تحولت على يد بعض هؤلاء الاجانب الى باطل الامر الذي يقتضي ضرورة تأسيس هيئة اتحادية للمناطق الحرة تفتش على هؤلاء وتتأكد من انهم مستثمرون حقيقيون وتتأكد من جديتهم حتى لا تلوث بيئتنا. وطالب الحكومة بضرورة دعم المنتجات الوطنية في السوق المحلي قبل الترويج لها في الاسواق الخارجية مشيرا الى ان منتجات بعض دول المنطقة تغرق اسواقنا المحلية في حين ان هذه الدول تفرض قيودا شديدة على دخول منتجاتنا اليها. وقال ان الامارات تشجع المنافسة ولكن هناك فرق كبير بين المنافسة والاغراق. ووجه العويس رسالة الى المستثمرين في القطاع الصناعي بالدولة بضرورة الابتكار والابداع والبعد عن التقليد الذي يضر بالقطاع الصناعي كله كما يؤدي الى تحقيق الشركات خسائر كبيرة مؤكدا ان علاج هذا الامر لا يجب ان يتم بالاجراءات الحكومية او التدخل الحكومي ولكن من خلال وعي المستثمرين انفسهم. الروتين ـ اولا كيف تنظر الى القطاع الصناعي بالدولة وهل تتوفر كافة مقومات نجاح هذا القطاع وزيادة نسبة مساهمته في الدخل القومي؟ ـ طبعا لا يخفى على احد اهمية القطاع الصناعي الذي يقاس به قوة اي اقتصاد بشكل عام. ولاشك ان قياداتنا وحكومتنا تركز على ضرورة تنمية هذا القطاع في اطار سياستها الحكيمة بتنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد. كما ان حكومة دبي تحديداً تولي اهمية خاصة لهذا القطاع ولا تبخل في تقديم الدعم والمساندة للمستثمرين بالقطاع الصناعي. وكل مقومات النجاح توفرها الحكومة بشكل كامل ولكن بعض الجهات والدوائر المحلية لم تتخلص بعد من الروتين والبيروقراطية وهذا قد يسبب خسائر للصناعة التي تحتاج الى سرعة كبيرة في الاجراءات. الروتين في وزارة العمل كثيرا ما يعطل اعمالنا ويسبب المشاكل لنا. 12 مليوناً خسائر ـ هذا كلام عام هل هناك امثلة او حالات محددة على هذا الروتين كما تسميه؟ ـ ان هذا لا يعبر عن سياسة الحكومة بلاشك ولكن هذا الروتين من قبل بعض الجهات يؤخر ويسبب لنا المشاكل. وعلى سبيل المثال نحن عندنا مصنع الشركة المتحدة للعلب الذي ينتج مواد التعليب والتغليف بمختلف انواعها. وطلبت البلدية ارض المصنع لاقامة توسعات طرق عليها ولم نتأخر ولكن البلدية تأخرت في تعويض ورثة العويس الامر الذي اخر حصولنا على الارض البديلة حتى الآن. وترتب على هذا خسائر فادحة لنا تزيد على 12 مليون درهم حتى الآن الى جانب ان عدم نقل المصنع إلى الارض الجديدة بسرعة يسبب في تأخرنا في الوفاء بتعاقداتنا وبالتالي تعرضنا لدعاوى قضائية من العملاء. كما اننا نستأجر شبرات للمصنع بشكل مؤقت باكثر من نصف مليون درهم ورغم هذا لا يستطيع المصنع ان يعمل بطاقته الكاملة. ان السرعة في مثل هذه الحالات مطلوبة. سرعة في الاجراءات وفي كل شيء خاصة وان النقل له تكاليف ضخمة والورثة تكلفوا ما يزيد على 22 مليون درهم في هذه العملية. ولعل هذا لا يقلل من دور بلدية دبي وتعاونها ودعمها للأنشطة المختلفة. فهي لم تقصر في تقدير التعويض اللازم للأرض ولكن سرعة التنفيذ امر مطلوب ويؤثر بشكل كبير على الاستثمارات الصناعية. البلدية تقدم الارض وتقدم مساكن للعمال قريبة من المصانع ودورها وجهودها حيوية. وما اتحدث عنه لا يعني ابدا الاساءة لدور البلدية ولكن نحن فقط نؤكد على اهمية السرعة وتأثيرها لانها تكلف الكثير من الاعباء والنفقات. المصرف الصناعي ـ بخلاف سرعة الاجراءات، ما هي معوقات نمو القطاع الصناعي من وجهة نظرك او ما هو المطلوب من الحكومة لمزيد من دعم هذا القطاع؟ ـ لا توجد معوقات من جانب الحكومة بل على العكس هناك الكثير من الدعم والمساندة وان كان هذا الدعم لا يتوقف عند حد معين. فنحن عندما نطالب بمزيد من الدعم فإن هذا لا يعني ان الحكومة مقصرة. الحكومة تدعمنا من خلال المصرف الصناعي الذي يلعب دورا مهما في دعم القطاع ويقدم القروض للمستثمرين بأسعار فائدة خاصة ومخفضة جداً، كما ان الحكومة لاتقصر في الترويج للمنتجات الوطنية في الخارج وهناك جهود تبذل في هذا الصدد سواء من جانب غرفة تجارة وصناعة دبي أو سلطة المنطقة الحرة بجبل علي وسلطة موانيء دبي وغيرها من الجهات الحكومية وكل هذا يفتح أسواقاً جديدة لمنتجاتنا في الخارج. ونحن كمجموعة وطنية نحسن استغلال هذه المزايا والتسهيلات ونرفع اسم الامارات في أسواق خارجية عديدة ويكفي ان الشركة المتحدة للأغذية تصدر 66% من انتاجها الى الخارج ولايدخل السوق المحلي أكثر من 34%. وقد نجحت الشركة هذا العام في تحقيق نتائج ممتازة حيث بلغت ارباحها 18.8 مليون درهم وبنسبة 150% من رأس المال. وهذا انجاز ضخم للشركة بعد ان تولت عائلة العويس ادارتها بنفسها. الاغراق ومعظم شركاتنا الاخرى مثل جيما للمياه المعدنية أو بيبسي كولا أو غيرها تتجه الى التصدير. ولكن نحن نطالب بضرورة دعم المنتجات الوطنية في أسواقنا المحلية. فمن غير المعقول ان نفتح أسواقاً خارجية ثم نواجه بمشاكل لاحصر لها في السوق المحلي نتيجة الاغراق الذي يتعرض له من جانب منتجات بعض الدول الاخرى. ـ ربما كانت هذه المنتجات أكثر قدرة على المنافسة، فما رأيك؟ ـ التنافس الصحي لا اعتراض عليه، وحكومتنا تشجع المنافسة سواء مع منتجات محلية أو خارجية ولكن الاغراق وحرق السوق هذا غير صحي ويضر بالصناعة، بعض الشركات الخارجية تحرق الان سوق الألبان وسوق الزيوت وغداً قد يحرقون أسواقاً اخرى بالدولة. والغريب انه رغم ان أسواقنا مفتوحة على مصراعيها امام منتجات هذه الدول فانها تضع الكثير من المعوقات أمام دخول منتجاتنا اليها. ولهذا لابد ان تدعم الحكومة منتجاتنا في سوقنا المحلي لأن هذا من أسس انطلاقنا الى الأسواق الخارجية. ـ ولكن كيف يمكن للحكومة ان تدعم المنتجات الوطنية في السوق المحلي؟ ـ طبعاً ليس المقصود هو تقديم دعم مادي ولكن على سبيل المثال ان تعطى الهيئات المحلية الاولوية في شراء احتياجاتها للشركات الوطنية. وان تقصر مناقصاتها على الشركات الوطنية التي لن تقصر في تقديم عروض ممتازة لهذه الهيئات والمؤسسات وهذا ممكن ويحدث في كثير من الدول الاخرى. الاستثمار الأجنبي ـ لعل هذا يثير موضوع الاستثمار الأجنبي والحديث عن ضرورة جذب المستثمرين الأجانب فما رأيك؟ ـ لا أحد ضد الاستثمار الاجنبي بشكل مطلق ولكن لابد من ضوابط. والسؤال هو اي نوع من الاستثمار الاجنبي. لابد من ضوابط بحيث يحقق هذا الاستثمار مصلحة البلد ولايكون على حساب مصالحنا الوطنية. لا أحد ضد الشركات الكبرى ذات السمعة والشهرة العالمية. ولكن للأسف الشديد هناك بعض الاجانب جاءوا تحت اسم مستثمرين واساءوا الى بيئتنا واستغلوا التسهيلات والمزايا التي نوفرها لهم استغلالاً سيئاً. هؤلاء الأجانب استغلوا طيبة ابناء الامارات وتسامحهم استغلالاً سيئاً. المناطق الحرة بالدولة انشئت لأهداف جيدة ولكن بعض هؤلاء الاجانب حولوها من كلمة حق الى باطل و«لوثوا» مناخ الاستثمار، هذا مثل التلوث الذي تحدثه بقعة النفط. يأتي الواحد منهم تحت ستار اقامة مصانع تدعم الاقتصاد، وتحت هذا الستار يحصل على قروض من بنوكنا ويجلب لنا آلاف العمال بينما لايقيم إلا مصانع خردة لاتعادل 10% من حجم القروض التي حصل عليها. وينتج عن هذا ظواهر سلبية مثل هروب التجار. هيئة مستقلة ـ هذه حالات فردية ورغم هذا ماذا تقترح لعلاج مثل هذه الحالات؟ ـ هذه الحالات اذا كثرت تشكل بقعة تلوث وهذه التوعية من المستثمرين تستغل طيبتنا وتسهيلاتنا استغلالاً سيئاً ولايقيمون صناعة أو استثماراً حقيقياً. وانا هنا لا اتكلم عن الشركات الكبيرة. والعلاج هو في الرقابة. لابد من هيئة مستقلة للمناطق الحرة تفتش على هولاء وتدقق في نوع المستثمر وسمعته وخبرته وتاريخه وجديته وغير ذلك من الأمور. وكل هذا سيحقق المصلحة الوطنية من وراء هذا الاستثمار وبدون ذلك سنظل نهباً لهؤلاء الافاقين. كما انه من المطلوب ان المقاييس والمواصفات التي تطبق على المصانع داخل الدولة ان تطبق أيضاً على المناطق الحرة ويتم الزامها بهذه المواصفات والمقاييس لأنها على ارض الدولة في النهاية حتى لو كانت في منطقة حرة. التقليد ـ اذا كنت تتحدث عن دعم المنتج الوطني فهذا جيد ولكن هناك ممارسات سيئة من جانب المستثمرين انفسهم مثل التقليد الذي يضر بالقطاع فما رأيك؟ ـ هذا كلام سليم وكثير من الصناعات تشكو من الفائض عن حاجة السوق. ليس فقط السوق المحلي ولكن سوق المنطقة كلها. والتقليد ظاهرة سلبية في المنطقة كلها وليس في الدولة فقط، وعلى المستثمرين في القطاع الصناعي ان يتجهوا الى الابتكار والابداع بدلاً من التقليد، ولكن هذا الأمر يجب ان يتم بشكل ذاتي وتلقائي من خلال زيادة الوعي عند المسثتمرين. ولايتم هذا الامر بتعليمات أو تدخل حكومي وهذا من مزايا حكومتنا التي لاتتدخل ابداً في السوق