شيء رائع وايجابي ان يتحد منتجو الطاقة البترولية في العالم وتتفق توجهاتهم تجاه مسئولياتهم في الحفاظ على ثروات اقطارهم البترولية من النهب أو الاهدار البخس لهذه الثروات، دون الحصول على السعر المناسب الذي يخدم مصالح أوطانهم ويساهم في النمو الحقيقي للاقتصاد العالمي. وأكثر من رائع ان تتفق اراء دول منظمة الأوبك وغيرها من الدول المصدرة لطاقة البترول حول الاسعار المناسبة العادلة التي تعود على المنتج للبترول بالايرادات المعقولة وتنعكس هذه الاسعار ايجابا على المستهلك لتساعد في النهاية على نمو الاقتصاد العالمي. نعم التوجه الجديد لمنظمة الاوبك وغالبية الدول المصدرة للبترول في العالم وجميع الدول المستهلكة لهذه الطاقة عدا مجموعة من اعضاء الكونجرس الأمريكي في واشنطن كل هذه الجهات الدولية ترى بل وتفضل استقرار أسعار البترول لفترة طويلة داخل الآلية التي وضعتها المنظمة لنفوط سلتها وهي 28 دولاراً للبرميل كحد اعلى و22 دولاراً للبرميل كحد ادنى. ورغم هذا الاجماع العالمي حول أسعار البترول يظل عدد من المعتوهين والمتهورين والمتعجرفين على العالم داخل الكونجرس الأمريكي لاينظرون الا لمصالحهم الخاصة المتمثلة في الشركات الصناعية الكبرى المستهلكة للبترول متبعين بذلك سياسات وتوجهات هي في الحقيقة ضد اقتصاد العالم وضد الاقتصاد الأمريكي نفسه. وفي المقابل لايسعنا الا ان نشيد بمواقف وطنية تصدت لبعض المشاغبين والمتعجرفين داخل الكونجرس الأمريكي والتي كانت هذه المواقف لوزراء ومسئولين في الدول المنتجة للبترول في كل من قطر والسعودية والامارات والكويت وكل دول الأوبك والكثير من الدول المنتجة والمصدرة خارج الاوبك مثل سلطنة عمان وغيرها الذين اتخذوا في الآونة الأخيرة مواقف رجولية تستحق التقدير من خلال ما يعلنونه بصراحة في وجوه مصاصي دماء شعوب العالم النامي. ان مشكلة الدول الغربية القديمة الجديدة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية انهم لايرون ازدهار الاقتصاد العالمي الا بظلم الآخر ولايرون استقرار الاقتصاد الا بنهب ثروات الآخر ولايتورعون عن النهب الا اذا قوبلوا بعين حمراء وهكذا هم على الدوام ما لم تقف في وجوههم الرجولة الحقيقية. وفي ظل هذه التطورات الايجابية نستطيع القول انه رغم انف اعضاء الكونجرس الأمريكي أو ما يسمى «مجنون العالم الجديد» وليس حاكم العالم الجديد ان تطورات مهمة تجري هذه الأيام لم تشهدها منظمة الدول المصدرة للبترول «اوبك» والدول المصدرة للبترول من خارجها وتتمثل هذه التطورات في الوقوف الحازم امام العجرفة الأمريكية تجاه منظمة الاوبك. وفي ظل التوجهات الجديدة لمنتجي البترول في العالم والهادفة الى الحصول على اسعار عادلة ومستقرة نستطيع القول بأنها تطورات ايجابية وفي الاتجاه الصحيح ولأول مرة في تاريخ الاوبك منذ تأسيسها في شهر سبتمبر عام 1960 كمنظمة تضم مجموعة من الدول النامية المصدرة لطاقة البترول. وتأتي التطورات الايجابية لسياسة البترول العالمية الجديدة بعد اربعة عقود مضت من القرن العشرين لتحل محل تلك السياسات المتناقضة التي كان يتمخض عنها أسعار متقلبة ومترنحة بين الطفرات الزمنية القصيرة الاجل والانتكاسات الكثيرة طويلة الاجل وكل ذلك بسب المهاترات السياسية التي شهدتها المنظمة في تلك الحقبة المتزامنة مع حقبة الحرب الباردة بين الشرق والغرب. والأمر الايجابي في الظروف الراهنة انه رغم التنبؤات الكثيرة خلال الفترة القريبة الماضية من ان نجم منظمة الاوبك في طريقه الى الافول وعلى الاخص مع بداية القرن الواحد والعشرين الذي يحمل معه النظام الاقتصادي الحر وعصر العولمة.. الا ان المرجح من خلال وقائع قوية تؤكد ان منظمة الاوبك والكثير من الدول المنتجة للبترول خارج الاوبك بدأت تتبلور لتشكل أهم منظمة اقتصادية في العصر الحديث. وبالاضافة الى ذلك هناك وقائع مهمة تعمل جميعها على دعم قوة منظمة الاوبك تتمثل هذه الوقائع في جدية التعاون الملموس والمتزايد بين المنتجين للطاقة البترولية من داخل المنظمة وخارجها الى جانب الانسجام شبه التام بين اعضاء الاوبك حول استقرار الاسعار البترولية عند مستوى حدد له في الظروف الراهنة ليكون حوالي 25 دولاراً للبرميل لسلة نفوط الاوبك. وبالطبع لا يختلف اثنان على هذا المستوى من اعضاء الاوبك أو من قبل الدول المنتجة والمصدرة من خارج المنظمة وهو السعر الذي اسماه وزير الطاقة والصناعة القطري وهو يتحدث امام مجموعة من اعضاء الكونجرس الأمريكي الاسبوع الماضي بأنه «نقطة الوسط السعري» وهو السعر العادل والذي سوف يساعد على استدامة عمليات الاستكشاف وزيادة الطاقة الانتاجية.. الامر الذي يعتبر في منتهى الضرورة لمجابهة الطلب المتزايد على الطاقة في المستقبل. وتأتي أهمية حديث العطية وهو يستعرض الظروف والتطورات التي مرت بها منظمة الاوبك والاستثمارات الهائلة التي نفذتها الحكومة القطرية لزيادة انتاج النفط والغاز امام اعضاء الكونجرس الأمريكي الذين حضروا المؤتمر القطري الأمريكي حول التجارة الحرة والديمقراطية الاسبوع الماضي في الدوحة. وذكر العطية اعضاء الكونجرس الأمريكي بمعاناة كافة المنتجين عندما هبطت الاسعار البترولية الى أقل من عشرة دولارات عام 1998 بما فيهم المنتجين للبترول في الولايات المتحدة الأمريكية والتي شهد انتاجها النفطي انخفاضا لأكثر من نصف مليون برميل يومياً واغلاق أكثر من 125 الف بئر نفطية في العالم بسبب الاسعار المتدنية.. الامر الذي ادى الى تعاون العديد من المنتجين والمصدرين للبترول مع الاوبك وتجاوز البعض الخطوط الحمراء التي رسمتها التحالفات والتجمعات المناوئة لمنظمة الاوبك. والأمر الأكثر أهمية والذي يستحق الاشادة والتقدير ذلك التصريح الذي اعلنه سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء بدولة الامارات بعد الوزير القطري بيوم واحد ووجه خلاله انتقاداً شديداً الى الكونجرس الأمريكي الداعي الى فرض أمر واقع يقضي بسن تشريع جديد يمنح سلطات مكافحة الاحتكار الأمريكية حق مقاضاة منظمة الاوبك بدعوى قيام المنظمة بتحديد الاسعار البترولية من خلال تحديد مستويات الانتاج النفطي اليومي. واعتبر سمو الشيخ سلطان آل نهيان اي تلاعب بأسعار البترول من قبل الكونجرس الأمريكي هو تلاعب بمصير مئات الملايين من شعوب العالم التي لاتملك أية ثروات اخرى غير البترول. ومما تقدم يبدو ان غالبية الدول النامية المنتجة والمصدرة للبترول تعي جيداً ولم تنس خلال ثلاثة عقود مضت من تاريخ منظمة الاوبك ما عانته عندما كانت السياسة تتسبب في الكثير من نكسات الاوبك نظرا لعدم الثقة بين اتجاهين متضادين داخل المنظمة الأول ينتمي الى العالم الغربي سياسيا واقتصاديا والاتجاه الثاني ينتمي الى العالم الشرقي أو الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق ولنفس الاغراض. وعلى الرغم من المجاملات السطحية التي كانت تسود اجتماعات منظمة الاوبك بين وزير نفط ترتبط سياسة ومصالح بلاده بالعالم الغربي وآخر لبلاده نفس المصالح مع العالم الشرقي.. الا ان مفاوضات الوزراء الحاسمة حول اتخاذ قرار لحصص الانتاج بهدف دعم الاسعار المناسبة كانت تصطدم دائما بخلافات عميقة. وكثيراً ما كان اعضاء الاوبك ينقسمون الى مجموعتين في مؤتمراتهم عندما كانت ترى المجموعة الأولى التي ترتبط بعلاقات صداقة مع الغرب انه يفترض ان تسود نظرية لاضرر ولاضرار بين المنتج والمستهلك من خلال الاتفاق على أسعار مناسبة. في حين كانت الدول التي ترتبط بعلاقات صداقة مع الاتحاد السوفييتي السابق تصر على رفع سعر برميل البترول الى أعلى مستوى لالحاق الضرر بالعالم الغربي والحصول على اعلى دخل دون الاهتمام بأية انعكاسات اقتصادية سلبية تلحق بالعالم. وكثيراً ما كنا نلمس ونشاهد كصحفيين نتابع الاوبك في مؤتمراتها ان نظرة الوزراء الذين ترتبط بلادهم بعلاقات صداقة مع الشرق يعتبرون اي قرار يؤدى الى ارتفاع سعر برميل البترول هو انتصار ضد الدول الغربية المعادية للمعسكر الشرقي بغض النظر عن الانعكاسات الاقتصادية السلبية المستقبلية. ولذلك فانه لاغرابة اذا ما عدنا الى تاريخ الاسعار البترولية خلال الثلاثة عقود الماضية ووجدنا انها كانت بين الغرب والشرق ذلك الانقسام الذي كان ينعكس بشكل مباشر على الاسعار البترولية لمنظمة الاوبك بصفة خاصة واسعار البترول في العالم بصفة عامة