الصناعة ـ كما يؤكد الخبراء ـ تعد من أهم القطاعات الاقتصادية في الوقت الحالي بما لها من دور فعال في عملية التنمية وبالتالي قياس قوة الاقتصاد الوطني في ظل خضم التطورات الاقتصادية العالمية، واتجاه الدولة الى دعم انتاجها المحلي وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد بما له من نتائج تؤدي الى عوائق تعوق عملية التنمية في المستقبل. إلا ان الخبراء يرون ضرورة رسم سياسة استراتيجية واضحة لدعم وحماية الصناعة الوطنية تحسباً لهذا المستقبل. «البيان» تفتح ملف «الصناعة الوطنية.. الواقع والتحديات» لترصد من خلاله رؤية الفعاليات الاقتصادية المختلفة لواقع النشاط الصناعي بالدولة وسبل النهوض به. دعا خالد بن كلبان كبير المدراء التنفيذيين لدى شركة دبي للاستثمار الى ضرورة ايجاد جهة حكومية استشارية متخصصة في مجال الصناعة لدعم قطاع الصناعة وبحث معوقاتها وايجاد الحلول اللازمة لها. وقال في حديث خاص ادلى به لـ «البيان» ان قطاع الصناعة هو قطاع «مظلوم» مشدداً على ضرورة منحه حوافز تشجيعية اسوة بالقطاعات الاقتصادية الاخرى لرفع مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي. وأضاف يقول: «اننا لاندعو لان نكون دولة صناعية لأننا لانمتلك مقومات الصناعة ولكن نطالب بدعم القطاع نظراً لأهميته في امتصاص الصدمات الاقتصادية ولأنه قطاع استراتيجي وحيوي ويساهم في جذب التكنولوجيا «فجميع الدول المتقدمة هي دول صناعية». ودعا بن كلبان الى ضرورة اعادة النظر باسعار الطاقة للمصانع حيث تبلغ سعر تكلفة الكيلو واط 20 فلساً في الوقت الذي تمنح فيه دول الخليج المصانع الكيلو وات بسعر فلسين دعماً للصناعة. ودعا ايضاً الى ضرورة تأجير الاراضي للمصانع لفترات زمنية طويلة تمتد الى ثلاثين عاماً لحث المستثمرين على إقامة مشاريع صناعية مقترحاً على الحكومة مشاركة القطاع الخاص بمشاريع مشتركة لدعم القطاع. وحول دور المصرف الصناعي اعتبر بن كلبان ان المصرف لايلعب الدور المطلوب منه لدعم الصناعة بل يقف حجر عثرة امام العديد من المشاريع الصناعية في اشارة الى انه يضع شروطاً قاسية ويأخذ اسعار فائدة اعلى بل ويطلب خطابات ضمان من مصارف تجارية. ويرى بن كلبان ان المناطق الحرة لم تنجح في اجتذاب المصانع على النحو الكافي لتطوير قطاع الصناعة. وقال بن كلبان ان الدوائر الحكومية تدعم الصناعات المحلية نظرياً فقط حيث تطالبها بخفض اسعارها 10% عن السلع الاجنبية في الوقت الذي طالبت فيه وزارة المالية بمنح الافضلية للسلع المحلية حتى وان ارتفعت اسعارها 10% عن السلع الاجنبية. من جهة ثانية، كشف بن كلبان انه يتم حالياً وضع اللمسات النهائية على اتفاق الشركة مع دوبال حول المواد الخام لمشروع انتاج رقائق الالمنيوم الذي تبلغ كلفته 120 مليون دولار. وفيما يلي تفاصيل اللقاء: * ما هو تقييمكم للمستوى الذي وصلت اليه الصناعة؟ وهل انت راض عما وصلت اليه؟ ـ في البداية أقول ان قطاع الصناعة هو قطاع استراتيجي وحيوي وعلى درجة عالية من الاهمية ولذلك تسعى الحكومات في مختلف دول العالم الى زيادة مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي باعتباره القطاع الذي يمتص الصدمات في حالة حدوث بعض المتغيرات مثل حالات الركود أو التباطؤ. اما بالنسبة لنا هنا في الامارات، فأعتقد ان قطاع الصناعة هو قطاع «مظلوم» لانه لايمنح الحوافز التشجيعية التي تحصل عليها بقية القطاعات الاقتصادية. هيئة استشارية * هل تعتقد ان هنالك قصوراً حكومياً تجاه قطاع الصناعة؟ ـ نعم، مطلوب من الحكومة ان تتبنى قطاع الصناعة على نحو فعلي وعملي ولعل من ابرز الخطوات التي يجب ان تقوم الحكومة بها انشاء هيئة استشارية متخصصة في مجال الصناعة للنظر في معوقات الصناعة وان تكون مهامها تقديم الاستشارات في المجال الصناعي وتجميع البيانات التي يحتاجها المستثمر والقيام بدراسة للسوق وتقديم النصائح للمستثمرين حول الصناعات المطلوبة فهنالك قطاعات كثيرة في الصناعة مثل الصناعات الغذائية والبتروكيماويات وغيرها، ويجب ان تكون هناك رؤية واضحة حول الصناعات المطلوبة والتي تحتاجها البلد مثلا. ومسألة تقديم البيانات هي على درجة عالية من الأهمية، فاليوم هناك تضارب واضح بين البيانات المتوفرة لدى الجهات والمؤسسات الحكومية، والمعلومات التي توفرها دائرة الجمارك تختلف عن تلك التي توفرها غرفة التجارة والصناعة وتختلف عن المصرف الصناعي، الأمر الذي يشكل خللا وعائقا كبيرين أمام المستثمرين الراغبين في اعداد دراسة الجدوى. فالمستثمرون حين يحصلون على هذا الكم المتضارب من المعلومات يلجأون الى بيوت الخبرة العالمية التي تقدم بدورها معلومات متضاربة ولذلك نعتقد ان وجود هيئة استشارية تتوفر لديها المعلومات الدقيقة عن السوق يعتبر أمرا ضروريا وملحا لتطوير قطاع الصناعة. * ما رأيك في المستوى المتاح من البنية لاقامة صناعات سواء عن طريق اقامة مناطق حرة وغيرها؟ ـ أنا لا أعتقد ان المناطق الحرة قد نجحت في اجتذاب الصناعة، بل هي على العكس مناطق طاردة للصناعة، واذا أخذنا على سبيل المثال المنطقة الحرة لجبل علي فإن المصانع تشكل نسبة بسيطة. لسنا بلداً صناعياً * ربما يكون السبب هو حرص المناطق الحرة على البيئة وانتقائها المشاريع الصناعية بعناية؟ ـ أنا لا أتحدث عن صناعات ثقيلة لأن الامارات لن تكون بلدا صناعيا وذلك لسبب بسيط جدا وهو عدم وجود مقومات الصناعة، فنحن لا نمتلك المواد الخام وليست لدينا أسواق ضخمة وغيرها ونحن لا نسعى في الوقت ذاته لأن نكون بلدا صناعيا وإنما نريد تقوية القطاع الصناعي على نحو يوازي القطاعات الاقتصادية وبحيث تصبح مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي نفس مساهمة القطاعات الاقتصادية الأخرى مثل قطاع السياحة، لأن ذلك يعني جعل اقتصادنا أكثر توازنا. وأنا أؤمن ان تطور الصناعة يعني تطور البلد.. أليست جميع الدول المتقدمة هي دول صناعية؟ * ما هي الحوافز التي يمكن للحكومة ان تقدمها لقطاع الصناعة من وجهة نظرك؟ ـ الحافز الأول هو توفير التكلفة وذلك من خلال توفير الأراضي وتأجيرها لفترة طويلة، فما يحدث حاليا هو ان الاراضي تؤجر للمصانع لمدة عشر سنوات فقط، وهي مدة ليست كافية من وجهة نظري لأن تشغيل المصنع يتطلب فترة زمنية قد تستغرق فترة ما بين 3 الى 5 سنوات، وفترة خمس سنوات غير كافية لاستعادة رأس المال، ويقع المصنع بعد عشرة أعوام تحت خطر إما استرداد الأرض أو رفع الايجار، وفي حالة رفعه فإن الجدوى الاقتصادية للمشروع قد تتغير في الوقت الذي تعطى فيه الفنادق الأراضي وتؤجر لها بتكلفة بسيطة لفترة زمنية طويلة، وفي بعض الاحيان تملك لأصحاب الفنادق وتدخل في ميزانيتها. الطاقة.. مكلفة * ماذا عن البنية التحتية.. هل هي متوفرة؟ ـ متوفرة ولكنها مكلفة، فعلى سبيل المثال تحصل المصانع على الكهرباء بسعر 20 فلسا للكيلوواط في الوقت الذي تسعر فيه الدول الخليجية الأخرى سعر الكيلوواط بفلسين فقط للمصانع لدعم الصناعات في دولها. وأنا أدعو الى اعادة النظر بمسألة تسعير الطاقة للمصانع لأنها تخفف الكلفة على المصانع وتدعمها. * ألم تحصلوا على أسعار تشجيعية للطاقة في مشروع مجمع دبي للاستثمار؟ ـ اطلاقا، ولذلك فكرنا بانشاء محطة طاقة خاصة بالمجمع. * ومن سيقوم بتنفيذها؟ ـ وقعنا على مذكرة تفاهم مع شركة ايرلندية لتنفيذها على أساس بي.او.تي حيث تصبح المحطة ملكا للمجمع بعد 15 عاما وتقوم دراسة الجدوى على أساس وفرة الغاز الطبيعي. * وكيف يمكن للحكومة ان تدعم الصناعة؟ ـ اعادة النظر بأسعار الطاقة أمر ضروري ويمكن عن طريق مشاركة المصانع من خلال تقديم الأراضي مقابل الحصول على أرباح سنوية. وأنا أعتقد ان مشاركة الحكومة للمصانع أمر حيوي وسينعكس بشكل ايجابي على تطور اقتصادنا وبلادنا لأن تقديم الأراضي سيخفف الكلفة على المصانع. * هل تحظى الصناعات الوطنية بمعاملة تفضيلية من قبل الدوائر الحكومية؟ ـ نعم، تحظى بمعاملة تفضيلية نظريا، أما أرض الواقع فالصناعة الاجنبية هي التي تحظى بالدعم، والدليل على ذلك ان ثمة قراراً من قبل وزارة المالية والاقتصاد بضرورة دعم المنتجات المحلية ومنها معاملة تفضيلية واعطائها الأولوية حتى لو كانت اسعارها أعلى بـ 10% من السلع الاجنبية، الا انه فعليا تطالب الدوائر الحكومية المصانع المحلية باعطائها اسعاراً تقل 10% عن مثيلاتها الاجنبية فقط لقبولها في العطاء مما يعني ان القرار نظري ولا يطبق على ارض الواقع. كما تطلب الدوائر التي تطرح عطاءات من المصانع المحلية الحصول على شهادات الايزو لضمان النوعية الامر الذي يشكل عبئاً على المصانع ورفع الكلفة عليها في الوقت الذي لا تطلب فيه الامر ذاته من الشركات الاجنبية. وفي كثير من الاحيان تتم هناك مقارنة غير عادلة بين مصنع وطني كبير مع عدد كبير من العمال مع ورشات صغيرة الحجم بعشرة عمال في بعض الاحيان. ونحن نطالب بالعدالة في المقارنة يجب مقارنة اسعار المصنع مع المصنع وورشة العمل مع ورشة العمل. ونشعر بالاسف الشديد الذي يتم فيه الحديث عن ضرورة الارتقاء بمعايير الجودة والنوعية ومن ثم يكون الاختيار على اساس السعر الذي يكون الادنى ولمنتج غير جيد. صناعة الالبان * صناعة الالبان كانت تعاني من الممارسات الخاطئة لبعض المنتجين.. هل توقفت هذه الممارسات؟ ـ لقد توصلنا إلى صيغة تفاهم بين منتجي الالبان المحليين وغير المحليين وبرغم ذلك مازالت هناك بعض الممارسات الاغراقية من قبل البعض واعطاء الجمعيات ومحلات السوبر ماركت حسومات بصور غير مباشرة الا انه بشكل عام فإن الوضع حالياً افضل عما كان عليه في السابق. * وكم تبلغ حصة البان المرموم حالياً؟ وإلى أين وصلت خطة التوسعات؟ ـ تبلغ حصتنا حالياً نحو 12% وقد انهينا المرحلة الاولى من التوسعات اما المرحلة الثانية فقد توقفت مؤقتاً بسبب قرار وزارة الزراعة بوقف استيراد الابقار بسبب امراض الحمى القلاعية وجنون البقر. مشروع رقائق الالمنيوم * وما هي آخر التطورات في مشروع انتاج رقائق الالمنيوم.. إلى أين وصلت المحادثات؟ ـ نحن حالياً بصدد وضع اللمسات النهائية على اتفاقية الحصول على المواد الخام من دوبال. * وهل حصلتم على التمويل اللازم للمشروع؟ ـ رأسمال المشروع هو 50 مليون دولار اما تكاليفه فهي تبلغ 120 مليون دولار مما يعني اننا سنتوجه للمصارف لاقتراض 70 مليون دولار امريكي وربما نقترض من الدول التي تنتج الآلات والمعدات الخاصة بالمشروع حيث تعطي تلك الدول تسهيلات خاصة ترتبط بالتصدير. * وكم تبلغ حصة دبي للاستثمار في المشروع؟ ـ تبلغ حالياً 70% الا اننا سنقوم ببيع جزء من حصتنا بحيث تنخفض إلى 35% بسبب وجود طلب قوي من عدة مستثمرين للمساهمة معنا بالمشروع اما حصة الشركة الفرنسية فهي 30%. * مشروع دبي للاستثمار إلى أين وصل؟ ـ لقد تم الانتهاء من المرحلة الاولى للمشروع من حيث البنية التحتية وتم تأجير 80% من المساحات الصناعية فيها. ونقوم حالياً بعمليات تسويق مكثفة في اوروبا وآسيا لاجتذاب المزيد من الشركات العالمية. المصرف الصناعي * كيف ترون الدور الذي يقوم به المصرف الصناعي في دعم قطاع الصناعة؟ ـ في الواقع انا اعتقد ان المصرف الصناعي هو اكبر معوق للصناعة وليس داعماً لها. ففي الوقت الذي يجب ان يقدم المصرف الصناعي الدعم والتمويل للمشاريع الصناعية فإنه يقف حجر عثرة امام الكثير من المشاريع. ونحن نعتز في ان المصرف الصناعي لابد وان يقدم الحوافز اللازمة لتشجيع المشاريع الصناعية وان يأخذ العبء الاكبر عن البنوك التجارية في دراسة المشاريع والدليل على ذلك ان 50% من رأسماله هو من قبل البنوك التجارية. الا انه بالمقابل لا يعطي اية تسهيلات او حوافز بل على العكس يضع شروطاً اصعب من تلك التي تضعها البنوك التجارية ويأخذ اسعار فائدة اعلى بل ويطلب خطابات ضمان من قبل مصارف تجارية. * اخيراً.. كيف ندعم قطاع الصناعة؟ ـ دعم القطاع يجب ان يكون من خلال جهة حكومية تتبنى القطاع وتبحث معوقاته وتتفهم مشاكله وتعنى بتوفير الحلول الملائمة سواء من خلال اعطاء حوافز باعادة النظر بأسعار الطاقة وتوفير الاراضي لفترات زمنية طويلة واعطاء الاولوية للمنتجات المحلية. وأود التأكيد على اهمية القطاع الصناعي في جذب التكنولوجيا وتطويرها