الصناعة ـ كما يؤكد الخبراء ـ تعد من أهم القطاعات الاقتصادية في الوقت الحالي بما لها من دور فعال في عملية التنمية وبالتالي قياس قوة الاقتصاد الوطني في ظل خضم التطورات الاقتصادية العالمية واتجاه الدولة الى دعم انتاجها المحلي وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد بما له من نتائج تؤدي الى عوائق تعوق عملية التنمية في المستقبل. إلا ان الخبراء يرون ضرورة رسم سياسة استراتيجية واضحة لدعم وحماية الصناعة الوطنية تحسباً لهذا المستقبل، فمازالت هناك بعض الأمور التي يجب تطويرها أو التخلص منها لدعم الصناعة الوطنية.. ومازالت هناك عوائق كبيرة امام نهوض هذه الصناعة. وتبدأ «البيان» فتح ملف «الصناعة الوطنية.. الواقع والتحديات» ترصد من خلاله رؤية الفعاليات الاقتصادية المختلفة لواقع النشاط الصناعي بالدولة وسبل النهوض به والتعرف على التحديات المستقبلية التي قد تواجهه وصولا الى رسم صورة واضحة أمام متخذي القرار والمهتمين بتطوير ودعم هذا القطاع المهم في اقتصادنا القومي. وقبل معرفة المعوقات والمشاكل والآراء حول التطوير والتخطيط يتطلب الأمر قراءة لواقع النشاط الصناعي بالدولة بالاستناد الى الأرقام والدراسات. توضح الأرقام ان عدد المصانع العاملة والمقيدة في السجل الصناعي قد ارتفع من 705 مصانع في العام 90 الى 1859 مصنعاً العام 99 بزيادة قدرها 163% وتفاوتت نسبة النمو السنوي في عدد المصانع من عام لآخر حيث بلغ أعلى مستوى لها العام 92. أما المعدل السنوي للزيادة خلال الفترة ما بين 90 ـ 1999 فقد بلغ 4.1%، وفي الواقع ان الامارات أولت منذ نشأتها اهتماماً خاصاً بقطاع الصناعات التحويلية ودأبت على تنميته وتطويره. وتشير المؤشرات الاحصائية الى ان هذا القطاع بلغت نسبة اسهامه في الناتج المحلي 2.15% وهي نسبة لا بأس بها غير انه من المتوقع ان تتباطأ نسبة النمو اذا لم يحدث تطور في انفتاح الأسواق الخليجية والعربية وتفعيل زيادة معدلات التجارة البينية بين مختلف الدول العربية. ويشير تقرير لمصرف الامارات الصناعي إلى ان قطاع الصناعة التحويلية في الدولة حقق تقدماً ملحوظاً بحيث أصبح يحتل المرتبة الثانية بعد التجارة من حيث الأهمية في الاقتصاد غير النفطي للامارات ووصلت القيمة المضافة للصناعة التحويلية التي استمرت في التوسع وتقدر نسبة النمو المحققة بنحو 2%. ويوضح تقرير للمصرف الصناعي ان حجم رأس المال المستثمر بالصناعة التحويلية بالدولة بلغ عام 98 نحو 12.7 مليار درهم عن عدد مصانع تقدر بنحو 1598 مصنعا وعمالة تقدر بنحو 152 ألف عامل حيث مازالت الشارقة تأتي في المرتبة الأولى من حيث عدد المصانع تليها دبي وابوظبي ثم رأس الخيمة. مراحل التنمية الصناعية ويلاحظ ان التنمية الصناعية بالامارات مرت بعدة مراحل مختلفة، المرحلة الأولى خلال الفترة من 73 ـ 1985 شهدت الصناعة نمواً سريعاً لتلبية الطلب المتنامي الذي أفرزه تطور البنية التحتية في البلاد بينما اعتمدت كافة القطاعات الاقتصادية خلال تلك الفترة على الواردات لتلبية احتياجاتها فقد كانت مصانع مواد البناء وورش الحديد ومصانع الالمنيوم والزجاج والاصباغ من اوائل الصناعات التي أقيمت في الدولة. ثم يلي ذلك تطور قطاع الاغذية والمشروبات وبشكل خاص الواردات من الاغذية سريعة التلف. غير ان أغلب المصنعين يقومون باستيراد المواد الأولية حيث تكمن القيمة المضافة في عملية المعالجة والتكليف وينطبق الأمر نفسه على قطاع الصناعة الكيماوية التي تقوم بخلط ومزج المواد الأولية المستوردة واستطاعت الصناعات التي أنشئت للاحلال محل الواردات ان تنافس العديد من العلامات التجارية في السوق المحلية وان يعتمد عليها المستهلك النهائي والاستغناء عن المنتج المستورد. أما المرحلة الثانية من 86 ـ 1998 فقد تميز النمو الصناعي بعاملين مهمين، الأول تمثل في الاحلال محل الواردات والثاني في تأسيس الصناعات الموجهة للتصدير. ولكن تلك المرحلة شهدت تباطؤاً في تأسيس مصانع مرتبطة بقطاع التشييد والبناء بسبب فائض الطاقة الانتاجية المتوفرة والتي أجبر بعض المصانع على التوقف عن الانتاج في منتصف الثمانينيات. اما التوجه الخاص بالاحلال محل الواردات فقد كان أكثر بروزاً في قطاع السلع الاستهلاكية، وبالأخص في قطاع صناعة الأغذية والمشروبات وصناعة الاثاث الى جانب الصناعات الورقية. واستطاع كل من القطاعين العام والخاص بالدولة ان يحقق نجاحاً في تأسيس صناعات تلبي طلب الأسواق العالمية، وبالتالي تم تأسيس قاعدة صناعات تصديرية من خلال تطوير العديد من المناطق الحرة في الامارات وبالأخص اقامة العديد من الوحدات الصناعية في المنطقة الحرة لجبل علي. حوافز الاستثمار الصناعي اذن الملاحظ ان العقد الاخير شهد اهتماماً خاصا من قبل الدولة بالتنمية الصناعية فقد وفرت الامارات حوافز للاستثمار الصناعي حيث نص قانون تنظيم شئون الصناعة على حق حصول المستثمر على حوافز من قبل الاستثمار تشمل العون الفني وتوفير البيانات والمعلومات والمساهمة في بعض نفقات دراسة الجدوى الاقتصادية والفنية للمشروع ومنحت المشاريع الصناعية اعفاءات من الرسوم الجمركية على وارداتها من الاثاث والمعدات وقطع الغيار ومواد البناء التي تحتاجها والمواد الاولية اللازمة للانتاج واعفاء صادراتها من رسوم التصدير اضافة إلى عدم وجود ضرائب على ارباح المشاريع الصناعية وتم انشاء احدى عشرة منطقة صناعية رئيسية وهناك ثلاث مناطق قيد الانشاء حاليا في المصفح والعين والرويس. تطورات صناعية وشهد العام الماضي تطورات صناعية مهمة شملت عدداً من القطاعات الصناعية. ففي مجال صناعة الالمنيوم شهد العام الماضي تطورين مهمين، الاول مشروع التوسع الذي نفذته شركة دوبال للالمنيوم والذي بدأ في يناير 98 وانتهى في اكتوبر 99 حيث بلغت تكلفته الاجمالية 725 مليون دولار. كما ان ارتفاع الطاقة الانتاجية لمصهر دوبال من 369 الف طن إلى 536 الف طن جعل شركة دوبال اكبر مجمع صهر للالمنيوم في الشرق الاوسط. ويذكر انه تم اعلان تأسيس شركة المنيوم الخليج لاقامة مصنع لدرفلة الالمنيوم في دبي حيث ستقوم هذه الشركة بانتاج رقائق الالمنيوم في دبي التي تستخدم في تغليف المواد الغذائية والدواء وغيرها. وتبلغ التكلفة الاجمالية للمشروع 18 مليون دولار امريكي وينتج نحو 22 الف طن سنويا. واعلن مؤخراً عن انشاء مصنع للصناعات الدقيقة لقطاعات النفط والبتروكيماويات والمياه والصناعات الاخرى المرتبطة بها بتكلفة بلغت 81 مليون درهم وكذلك انشاء مصنع اكياس شاي ليبتون في جبل علي بعد ان قررت ليبتون اختيار دبي مركزاً اقليمياً لانتاج وتسويق الشاي في منطقة الخليج والشرق الاوسط. كما اعلنت شركة دبي للاستثمار عن عزمها انشاء مصنع لعصر البذور الزيتية بقيمة 50 مليون دولار ومصنع لانتاج قسم الكوك البترولي في دول مجلس التعاون الخليجي كما اعلن في دبي قرار الحكومة الخاص باعفاء المنشآت الصناعية في الامارة من رسوم التسجيل وخفض رسوم البلدية إلى 5% والعودة برسوم غرفة تجارة وصناعة دبي إلى المستويات السابقة حيث استفاد من هذا القرار نحو 829 منشأة صناعية. ضرورة رسم الاستراتيجية رغم اهتمام الدولة بالتنمية الصناعية الا ان الخبراء يرون ضرورة رسم سياسة استراتيجية واضحة لدعم وحماية الصناعة الوطنية فمازالت هناك بعض الامور التي يجب تطويرها او التخلص منها لدعم الصناعة الوطنية فكما ترصد الخبيرة الدكتورة سهير السبع في دراسة لها فإنه منذ بداية التصنيع في الامارات فإن التشابه كان هو السمة المميزة للصناعات التي يتم تأسيسها حيث كان المستثمرون يفضلون تكرار الصناعات التي ثبت جدواها ويوجد طلب فعلي على منتجاتها ومازال هيكل المنتجات المحلية يتسم بالتشابه إلى حد كبير وانعكس ذلك على زيادة حدة التنافس. ربما كانت هذه المنافسة ايجابية في بعض الاحيان لاسيما في المراحل الاولى منها حيث ادت إلى اتجاه المصانع إلى تحسين نوعية المنتجات وتخفيض اسعار البيع او على الاقل عدم المغالاة فيها. الا ان المنافسة بدت ذات اثر هدام في كثير من الحالات خاصة مع اشتداد حدتها. وكان من الواضح انه على حين استفاد المستهلك المحلي من المرحلة الاولى وهي التنافس النوعي فإنه سرعان ما بدأ يتضرر بفعل الاتجاه للمنافسة على طريق خفض الاسعار والمواصفات وكان غياب المواصفات والمقاييس المحلية حتى منتصف السبعينيات من العوامل التي شجعت المصانع على الاتجاه لتخفيض النوعية وعندما بدا واضحاً ان المستهلك اصبح الضحية الاساسية للتنافس بين المنتجين المحليين بدلاً من ان يكون المستفيد الاوحد من المنافسة كما هو الحال في النظريات الاقتصادية ثم تأسيس دائرة المواصفات والمقاييس بوزارة الصناعة والمالية وفقاً للقانون الاتحادي رقم 14 لسنة 1976 بهدف وضع ونشر ومراجعة تطبيق قواعد التوحيد القياسي والمواصفات والمقاييس وضبط وتعديل الجودة. من خلال التنسيق بين الجهات المختلفة، ورفع مستوى الكفاءة الانتاجية وتحسين سمعة المنتجات الوطنية وحماية المستهلك والمحافظة على الارواح والسلامة العامة. وتشير الدكتورة سهير السبع الى ان انفتاح الاسواق المحلية على الاستيراد من كل دول العالم كان له دور مهم في تغطية الطلب السوقي المتزايد على السلع والخدمات ورغم ان التنافس بين الواردات كان لصالح المستهلك الا ان المنافسة بين الواردات والبدائل المنتجة كليا كانت في كثير من الاحيان ذات مردود سلبي حيث كان العديد من هذه الواردات في مركز تنافسي اقوى كثيرا من مثيلاتها المحلية بحكم المعطيات والظروف المتوافرة للاستثمار الصناعي في الدول المستوردة منها سواء من حيث انخفاض كلفة الانتاج او عمق التجربة الصناعية التي تنعكس على رفع مستوى سمعة العلامات التجارية العالمية او جودة مواصفاتها. ولذلك فقد اضرت المنافسة بين المنتجات المحلية والواردات ببعض الصناعات الناشئة التي لم تتمكن من الصمود كما نفرت بعض المستثمرين من الاستثمار الصناعي واتجهت بهم الى استثمارات بديلة اقل جهدا واكثر عائدا ومن ناحية اخرى فإن السوق المحلية المفتوحة والتسهيلات العديدة التي تشجع على الاستيراد وساعدت على اغراق اسواق الامارات بالواردات التي تتباين مستوياتها النوعية. وفي نقطة اخرى تؤكد الدراسة على ان اتفاقية حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة تشكل تحديا ساخرا او خطرا حقيقيا على الصناعات الوطنية بسبب الرسوم العالية التي تفرضها عليها مما يرفع تكاليف المنتجات محلية الصنع لصالح الاستيراد من الشركات متعددة الجنسية وبذلك تزداد قوة المركز التنافسي للمنتجات الأجنبية في الاسواق المحلية. الدوائر الصناعية وفي دراسة اخرى لبلدية دبي فإنه بالرغم من انشاء دوائر التنمية الصناعية في غالبية امارات الدولة بهدف توفير كافة الامكانات الرامية والهادفة لدعم النشاط الاقتصادي وخاصة النشاط الصناعي وتأهيلها لمرحلة جديدة من الانطلاق نحو مسيرة التنمية الشاملة إلا ان هناك العديد من الجهات المختلفة تشارك في عملية التنمية الصناعية دون هدف واضح لما تبلور عنه ان اصبحت جميع هذه الجهات لم تقم بإعداد استراتيجية شاملة واضحة البنود يلتزم بها القطاع الصناعي او اعداد خطة محدودة للتنمية الصناعية او القيام بالدراسات الصناعية القابلة للتنفيذ التي تخدم الامارة بشكل فعال على الرغم من وجود بعض الدراسات والتي تتم بشكل منفرد لاتجد اي صدى في الدوائر الاخرى. وتضيف الدراسة ان الخطط المحلية التي اعلن عنها لم تتجاوز كونها خطوطا عامة او مجموعة من المؤشرات المتوقعة او المأمولة التي لا يوجد ما يلزم قطاع الصناعة بالالتزام بها، مشيرة الى ان وجود الاستراتيجيات العامة للتنمية التي تمت خلال السنوات السابقة من قبل بعض الدوائر الاقتصادية والتي تعبر عن مجموعة من الاهداف والسياسات العامة لا يمكن ان تغني عن ضرورة وجود استراتيجية واضحة ومحددة للتنمية الصناعية بحيث يمكن على اساسها اعداد وبناء الخطة الصناعية وحل الكثير من القضايا والمشكلات التي تعترض عملية الاعداد والتنفيذ مثل نظام الاولويات لاختيار المشاريع الصناعية وتحديد دور القطاع الحكومي والقطاع الخاص في تنفيذ الخطة. واكدت الدراسة ضرورة الحاجة الى وجود خطة اتحادية شاملة لحماية الصناعة المحلية من التضارب والازدواجية القائمة حتى في ظل وجود ادارات التنمية الصناعية للاهتمام بمستقبل الصناعة وتحقيق التنسيق الفعال بين جميع الدوائر المهمة بالقطاع الصناعي ووجود خطة خاصة بالتنمية الصناعية.