منذ مطلع التسعينيات اكتسب التوجه نحو استخدام البنزين الخالي من الرصاص اهمية بالغة في دول مجلس التعاون الخليجي، التي اتخذت خطوات عملية في الاجتماعات المتتالية لمسئولي البيئة والنفط في دول المجلس، حيث تبنت هذه الدول، قراراً في عام 1993 بتعميم استخدام البنزين الخالي من الرصاص قبل عام 1997. وتعكف دول المجلس على دراسة امكانية التوسع في استخدام هذا النوع من الوقود، سواء من خلال الانظمة والقوانين البيئية المعمول بها، او بالتحكم في مستويات اسعار الوقود المختلفة كما فعلت الكويت، حيث فرضت اسعاراً متساوية للبنزين الخالي والمحتوي على الرصاص، لتشجيع استخدام النوع الاول على نطاق واسع وفي فترة زمنية قصيرة ليشكل في الوقت الحاضر اكثر من 80% من اجمالي الكميات المستهلكة. وبدأت السعودية في يناير الماضي تزويد اسواقها بالبنزين الخالي من الرصاص في خطوة وصفت بأنها تنسجم مع اهداف الحكومة السعودية لحماية البيئة ودعم الجهود الدولية والاقليمية الساعية إلى المحافظة على البيئة. وتعتبر الامارات من بين أولى الدول الخليجية التي بدأت تسويق البنزين الخالي من الرصاص في عام 1992، حيث تم تسويقه من خلال جميع شركات التوزيع بالدولة، ثم جاء القرار الذي اصدره صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي باعتماد المواصفات القياسية الالزامية للبنزين الخالي من الرصاص في الاول من يناير المقبل ليكون بمثابة انطلاقة نحو عصر جديد تمثل فيه بيئة الامارات عنصراً هاماً يسعى الجميع للمحافظة عليها وذلك تجسيداً لتوجهات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة الناتجة عن الانشطة لمختلف القطاعات الصناعية والزراعية والنقل والمواصلات. ومن خلال هذا التحقيق تسعى «البيان» لتسليط الضوء على الجهود التي تبذلها مختلف الدوائر والهيئات والمؤسسات للبدء في تنفيذ القرار. جهود وزارة المالية والصناعة يقول محمد علي بن زايد وكيل وزارة المالية والصناعة المساعد لشئون الصناعة ان ادارة المواصفات والمقاييس بوزارة المالية والصناعة قامت بالتعاون والتنسيق مع وزارة النفط والثروة المعدنية باتخاذ الاجراءات اللازمة لتنفيذ قرار مجلس الوزراء باعتماد المواصفة القياسية للبنزين الخالي من الرصاص والقرار الخاص بآلية تطبيق واستخدام هذا النوع من الوقود في السيارات التي تعمل محركاتها غير المجهزة (البنزين) وعدم استيراد السيارات غير المجهزة لاستعمال الجازولين الخالي من الرصاص اعتباراً من اول يناير 2002 ومنح خمس سنوات مهلة لاصحاب السيارات التي تعمل بالبنزين العادي لتعديل اوضاعها بحيث تعمل بالبنزين الخالي من الرصاص اعتباراً من اول يناير 2007. ويؤكد بن زايد ان ادارة المواصفات والمقاييس بالوزارة قامت بالتعاون مع وزارة النفط والثروة المعدنية باتخاذ الاجراءات اللازمة لتنفيذ القرارين من خلال نشر اعلانات في الصحف المحلية تتضمن التعليمات الخاصة بتنفيذها والايعاز إلى وكلاء السيارات والمستوردين من خلال الاجتماع بهم للتقيد بها، بالاضافة إلى توجيه خطابات اليهم تضمن تعليمات مجلس الوزراء وتزويدهم بنسخ عن المواصفة القياسية المعتمدة. ويضيف انه تم الاجتماع مع وكلاء السيارات بالدولة مؤخراً حيث تم اطلاعهم على بنود خلو بيئة الدولة من التلوث. ويشير بن زايد إلى ان هناك لقاءات اخرى مع ممثلي شركات انتاج وتوزيع البترول ودوائر المرور في الدولة وممثلين عن جهات اخرى ذات علاقة بتطبيق القرارين الآنفين الذكر، إلى جانب اعداد برنامج للتوعية حول استخدام هذا النوع من الوقود. ويضيف ان شركات انتاج وتوزيع البترول بدأت باتخاذ الترتيبات الخاصة بزيادة انتاج وتوزيع وتوفير منافذ بيع البنزين الخالي من الرصاص بالتزامن وفقاً لما حددته الآلية التي وضعتها وزارة المالية بالتعاون مع وزارة النفط، بحيث لا يسمح ببيع البنزين العادي اعتباراً من اول يناير العام 2007 وهي آخر مهلة حددها قرار مجلس الوزراء. منافذ البيع من جهتها اكدت شركات توزيع البترول بالدولة انه لا توجد اي مشكلة على الاطلاق لتوفير البنزين الخالي من الرصاص وهو موجود فعلاً في المحطات بنسبة تتراوح ما بين 70% و80% وقد تصل إلى 100% بنهاية هذا العام. ويقول حسين سلطان المدير التنفيذي لمجموعة «اينوك» ان الاخيرة خططت لتوفير البنزين الخالي من الرصاص في جميع محطات «اينوك» و«ايبكو» على مستوى الدولة، وهو متوفر في 70% من محطاتها منذ مدة طويلة. ويؤكد ان فريق البيئة والسلامة في ايبكو دأب طوال الفترة الاخيرة على الترويج لاستخدام الوقود الخالي من الرصاص في الامارات من خلال حملات التوعية والنشرات التي تصدرها الشركة التي تركز على اهمية استخدامه والاجابة على تساؤلات المستهلك حول هذا المنتج. وقال «اننا سوف نقوم باجراء بعض التعديلات اللازمة على خزانات الوقود بالمحطات التي لا يوجد فيها البنزين الخالي من الرصاص وذلك لأن تخزين هذاالنوع من الوقود يستلزم مواصفات خاصة. خطوات مبكرة من جهته قال حسين كاظم مدير العلاقات العامة والاعلان بمؤسسة بترول الامارات «إمارات» ان المؤسسة كانت أول من طرحت البنزين الخالي من الرصاص في أسواق الدولة عام 1992 وذلك انطلاقاً من دور المؤسسة الهادف الى المحافظة على البيئة من التلوث فكانت هذه الخطوة الرائدة منها والتي جاءت مبكرة على الرغم من ان نسب التلوث الناتجة عن عوادم السيارات في الدولة لم تبلغ معدلات خطيرة آنذاك. وقال ان «إمارات» قامت في ذلك الوقت بالاتصال بوكلاء السيارات المحليين في دولة الامارات للتشاور معهم وتبني مقترحاتهم بخصوص توفير عيار الأوكتين المناسب الذي يتلاءم مع مواصفات محركات السيارات التي تستخدم هذا النوع من الوقود. مشيراً الى قيام «إمارات» بتوفير هذا الوقود في المرحلة الأولى في بعض المحطات التي تم اختبارها بدقة تبعاً لزيادة احتياجات السوق الى ان تم تعميم هذا الوقود على جميع محطات المؤسسة العاملة في الدولة خلال فترة خمس سنوات فقط. وقال ان العالم بدأ يعي الان أكثر من أي وقت مضى التأثير الضار الذي تحدثه الانبعاثات الناتجة من الرصاص على الأجواء ونظراً لكون مؤسسة بترول الامارات مؤسسة اتحادية فهي تعتبر ان الفوائد البيئية التي تجنيها هذه الخطوة أهم من الاعتبارات التجارية مشيراً الى ان تكلفة طرح الوقود الخالي من الرصاص في أسواق الامارات كلف المؤسسة في باديء الأمر نحو خمسة ملايين درهم حيث كانت المؤسسة تقوم بشراء الوقود الخالي من الرصاص من الأسواق العالمية مباشرة في ذلك الحين ورغم ذلك فقد قامت المؤسسة بتثبيت سعر «التيما» عند المستوى نفسه لسعر الوقود العادي على مدار ثلاث سنوات تحملت خلالها المؤسسة كلفة الفرق لكن فيما بعد كان لايمكن الاستمرار على هذا الحال فقامت المؤسسة برفع السعر أسوة بالشركات الاخرى. مشيراً الى أهمية الدعم الحكومي للبنزين الخالي من الرصاص وذلك لتشجيع استخدامه كما هو الحال في الدول الغربية. وحول نسبة الاقبال على استخدام هذا النوع من الوقود من قبل الجمهور، قال كاظم ان البنزين الخالي من الرصاص «ألتيما» لاقى اقبالاً شديداً من الجمهور عند طرحه في الأسواق حيث كان الاقبال أكثر من شرائح معينة مثل أصحاب السيارات ذوي المستوى العلمي والثقافي العالي الذين يدركون أهمية المحافظة على البيئة. وتوقع ان يزيد هذا الاقبال بشكل كبير لاسيما وان استخدامه سيكون الزامياً مطلع العام المقبل. وحول مدى استعداد السيارات الموجودة في الدولة للتحول للعمل بهذا النوع من البنزين، قال كاظم انه لاتوجد مشكلة اطلاقاً في تحول السيارات خاصة الجديدة للعمل بالبنزين الخالي من الرصاص لانها معده للعمل بهذا النوع من البنزين والوقود العادي فإذا اراد صاحبها ان يستخدم البنزين الخالي من الرصاص فلن يجد مشكلة في ذلك إلا انه سيلتزم باستخدام هذا النوع ولا يمكنه العودة الى الوقود العادي إلا بعد اجراء تعديلات بسيطة. مستويات الانتاج ويبلغ انتاج بنزين المركبات في دول مجلس التعاون الخليجي أكثر من 280 ألف برميل يومياً، فيما يبلغ انتاج البنزين الخالي من الرصاص 85 ألفاً، وهو يمثل حوالي 30% من الاستهلاك على ان يرتفع تدريجياً ليصبح 100%. في ظل الاهتمام المتزايد بشئون البيئة في مختلف بلدان العالم بما في ذلك دول المجلس حيث يرتبط ذلك بالتطور الصناعي بدرجة أساسية وبالأخص استخدام مصادر الطاقة بالتخلص من مخلفات الصناعات التحويلية، والى جانب العوامل البيئية المهمة لاستخدام هذا الوقود فإن هناك جوانب اقتصادية لاتقل أهمية تكمن في امكانية تطوير الصناعات البتروكيماوية وصناعة منتجات النفط في دولة الامارات ودول مجلس التعاون الخليجي ويتطلب انتاج هذا الوقود استخدام مواد كيماوية اضافية لتنقية البنزين من الرصاص. وتجدر الاشارة الى ان المصرف الصناعي في الامارات كان قد قرر الدخول كشريك بنسبة 20% حوالي 16 مليون درهم في رأسمال مشروع لانتاج الوقود الخالي من الرصاص بواقع 16 مليون درهم لانتاج البنزين الخالي من الرصاص حسب المواصفات العالمية وخاصة مواصفات ولاية كاليفورنيا والتي تعتبر أعلى مواصفات من حيث الجودة ويقوم المشروع الذي تبلغ تكلفته الاجمالية 63 مليون دولار أمريكي بانتاج 40 ألف برميل يومياً باستخدام مادة النافتا المتوفرة محلياً والتي تعتبر المادة الخام الأساسية اللازمة للانتاج. وتكمن أهمية استخدام البنزين الخالي من الرصاص كوقود للمركبات التي تم تعميم محركاتها لكي تعمل بواسطة هذا النوع وإحلاله تدريجياً بدل البنزين العادي الخصوصي والممتاز والمستخدم حالياً، كون هذين النوعين يحتويان على مركب الرصاص كمادة تضاف لرفع رقم الأوكتان لهما والاستعاضة عنه بمركب آخر يعرف باسم المركب الأوكسجيني (م.تي.بي.اي) وتأتي عملية التخلص من مركب الرصاص لاعتبارات عديدة تأتي في مقدمتها ان الرصاص يعتبر من المعادن الشديدة السمية عند دخولها في جسم الانسان حيث يتجمع في خلايا الجسم بشكل تراكمي ولاتستطيع أجهزة الجسم التخلص منه أو طرحه ويكون تأثيره كبيراً على الجهاز العصبي لدى الأطفال وقد يؤدي الى عاهات مستديمة لديهم. ولا تقتصر خطورة هذا العنصر على الصحة والبيئة فقط خلال انطلاقه مع غازات عوادم المركبات التي تستخدم هذا النوع، ولكن ايضاً خلال عمليات انتاج مركبات الرصاص وخصوصاً (رابع ايثيل الرصاص) المستخدمة في تحسين رقم الأوكتان للجازولين أو خلال عمليات اضافته في مصافي النفط أيضاً، وما يسببه من مخاطر على صحة العاملين في هذه المنشآت اضافة الى تأثيراتها على البيئة المحيطة. كما يسمح التخلص من مركب الرصاص في الجازولين بالتحكم بنسب ومكونات غازات عوادم المركبات باستخدام المحول الكيميائي (العامل المحفز) حيث ان مركب الرصاص يؤدى الى تخريب وظيفة المحول الذي يعمل على التخفيف من نسب الغازات الضارة المنبعثة من العادم مثل الاكاسيد النتروجية وعلى تحويل أول أكسيد الكربون السام الى ثاني أكسيد الكربون، اضافة الى مساعدته في حرق اجزاء الهيدروكربونات غير مكتملة الاحتراق، وبالتالي فان غازات العادم الناتجة عن احتراق هذا النوع من الجازولين عند استعماله في السيارات المجهزة بالمحول الكيميائي (العامل المحفز) سوف تكون أقل تأثيراً على الصحة وتلويثاً للبيئة من تلك التي تستخدم الأنواع الاخرى من الجازولين. كذلك يحتوى البنزين الخالي من الرصاص على نسبة منخفضة من الكبريت والمركبات العطرية (الاوروماتيك) والاوليفينات وهي مركبات لها تأثيرات صحية وبيئية ضارة وحددت هذه النسب لتكون ضمن أفضل النسب والمعايير الدولية، وهو ما نصت عليه المواصفة القياسية المعتمدة لهذا الوقود. من ذلك يتبين أهمية التوجه نحو استخدام الجازولين الخالي من الرصاص ودوره في التخفيف من الآثار البيئية والصحية لعوادم السيارات باعتبار البيئة جزءاً لايتجزأ من حياة الانسان وصحته والمحافظة عليها هو محافظة على الانسان وموارده وعلى كافة متطلباته ولوازم حياته. كما انه يجب ألا نعتبر هذا النوع من الوقود هو آخر المطاف وانه الحل الأمثل للمشاكل البيئية، ولكن يجب أن يترافق ذلك باستمرار البحث والتطوير للبدائل والأهم من ذلك هو الوعي لدى مستخدمي السيارات حول الأخطار البيئية الناجمة عن غازات العوادم والعمل على ترشيد استخدامهم لوسائط النقل الفردية وفي ان تقوم الجهات المعنية بدراسة تطوير وسائل النقل الجماعي واستخدام المواصلات الأقل تلوثاً للبيئة